في مقال للكاتبة أوليفيا هادرياس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 على موقع منظمة «مشروع Borgen»، وهي منظمة أمريكية غير ربحية، تسعى للقضاء على الفقر، وتوفير الحد الأدنى من حقوق الإنسان للأفراد في أنحاء العالم، وصفت الكاتبة اليمن بأنها: «المكان الأسوأ بالنسبة لوضع النساء في العالم»، بالنسبة لحقوق الإناث في (التعليم، والزواج، والرعاية الصحية). وهو ما أكده تقرير هيومان رايتس واتش لعام (2019)، فقد أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 3 ملايين امرأة وفتاة تقريبًا معرضات لخطر العنف الأسري في (2018) في بلد 48% من الفتيات فيها متزوجات قبل سن الثامنة عشرة؛ إذ لا يوجد سن أدنى لإتمام الزواج. غير أنه لا يمكن للمرأة أن تتزوج بدون إذن ولي أمرها من الذكور. هذا إلى جانب أن الحماية القانونية للمرأة في اليمن فيما يتعلق بـ(الحضانة للأطفال، والطلاق) تكاد تكون معدومة، مما يزيد من خطورة تعرضها للعنف الجسدي من الذكور، سواء كان ذلك من قبل الزوج أو الأب.

وفي هذا السياق: فقد صدر عدد من الأعمال الأدبية التي جسدت الظلم الواقع على الفتاة اليمنية بلغات غير عربية مثل: «نجود: عمري عشرة أعوام ومطلقة» (2009)، لليمنية «نجود علي (1998)»، والتي تروي فيها قصة إكراهها على الزواج من رجل يكبرها بعشرين عامًا. وكذلك روايتي زانا محسن (1965) اليمنية البريطانية: «مباعة: قصة الرق المعاصر» و«وعد إلى ناديا». إذ تروي فيهما كيف أخذهما أبوهما من برمنجهام إلى اليمن؛ لبيعهما للزواج. وقد لاقت تلك الأعمال شهرة واسعة في الغرب، إذ تُرجمت للعديد من اللغات الأوربية، ونال بعضها جوائز عالمية، إلا أنها على الجانب الآخر لاقت نقدًا واسعًا من الكتاب والنقاد العرب وغيرهم من المسلمين، وخصوصًا الرجال، بدعوى أنها تشوه صورة المجتمع، وتدعم الصورة النمطية السلبية للمجتمع (الشرقي/ الإسلامي) مقابل صورة إيجابية للمجتمع الغربي وتقاليده وسلوك الأفراد فيه.

ويبدو أن هذا النقد والجدال الواسع لمثل تلك الأعمال (التي تصور وضع المرأة العربية في الأدب العربي)، هو ما جعل الكثير من الكتاب لا يجرؤون على المخاطرة بكتابة مثل تلك الروايات. ولهذا يبدو أن رواية «فازعة» التي نشرتها دار سيبويه بجدة للكاتب لليمني غمدان الزعيتري (1981) جاءت لترمي حجرًا في المياه الراكدة. إذ جاءت الرواية لتصدم القارئ العربي، ليس فقط من حيث المحتوى الذي يغوص في تحليل نفسية المرأة اليمنية المقهورة، ووضعها الاجتماعي، ولكن أيضًا من حيث اللغة والصور المستخدمة. وقد صدر للكاتب المقيم في ألمانيا من قبل رواية بعنوان «بارات صنعاء، ومآذن برلين». إصدار البيت الألماني للثقافة في صنعاء (2009).

تروي لنا الأحداث قصة حياة (الطفلة/ الزوجة) فازعة في إحدى المناطق الريفية في اليمن. تبدأ  مأساة  الطفلة «فازعة» حين يقرر أبوها إجبارَها على الزواج، وهي في الثانية عشرة من عمرها، ولكنها وبسبب سوء معاملة زوجها لها ستحاول اللجوء إلى القضاء لطلب الخلع؛ لتنجو بنفسها وأبنائها من زوج وأب قاسٍ، ومصير قد يتكرر مع بناتها، ولكنها تجد نفسها وحيدة ومحاطة بواقع يجبرها على أن تدع أبناءها في النهاية في رعاية جهات تعتني بهم. ثم تذهب «فازعة» لتثأر من زوجها. تنتهي الرواية وفازعة في انتظار حكم المحكمة إثر قتلها لزوجها وابن عمها «منصور».

عبودية النساء في العصر الحديث

قسم الكاتب الرواية إلى ثلاثة فصول يستعرض فيها البنى الاجتماعية السلطوية، التي تتواطأ على روح الأنثى في اليمن وجسدها، ففي الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان: «ورقة العبودية (أبي)»، يروي لنا الكاتب حياة الطفلة ذات الاثني عشر عامًا، والتي تقضي يومها في خدمة أبيها وإخوتها الذكور في المنزل والحقل، بعدما أُجبرت على ترك المدرسة، فور إتمامها الصف السادس. وهذا الأب الذي يرى شرفه فقط في جسد ابنته، فيشبعها ضربًا حين يعلم أن ساقها قد تعرت تحت جلبابها حين كانت عند بئر للماء لا يوجد حوله سوى الفتيات. وسينتهي دور الأب حين يزوج أو بالأحرى يسوق ابنته «كما تساق الأغنام» لابن عمها «العسكري البليد»، حتى دون أن تُسألَ عن رأيها.

وتتوالى المعاناة في الفصل الثاني: «ورقة العبودية (زوجي)»، إذ تُذاق (الزوجة/ الطفلة) آلامًا أقسى من تلك التي عاشتها في بيت أبيها. ففي بيت الزوج: هي جسد لـ(لإمتاع الجنسي، والإنجاب، والخدمة في المنزل، وفي الحقل أيضًا) دون مقابل مادي، بل دون أدنى مراعاة لاحتياجاتها النفسية أو الجسدية. وسينتهي الأمر بفازعة محاولةً التمرد على «عرف العائلة»، والهروب، لكنها تفشل، فيطردها زوجها، ويأخذ منها أبناءها كما يقرر له العرف.

الطريق إلى الحرية

في الفصل الثالث: «ورقة العبودية (المجتمع)» ستحاول «فازعة» وحدها التمرد على ما فرضه عليها عرف القبيلة، هاربة إلى «صنعاء»، بعد أن تخلى عنها كل من حولها من أب يرفض مساندتها؛ لأنها قاومت الظلم، ورجل متعلم آخر (معاذ) خذلها، وكانت تعتقد أنه على خلق طيب، فوثقت أنه سيساعدها في أن تجد طريقها للمحكمة؛ لترفع قضية خلع في محاولة لإنقاذ نفسها، وبناء مستقبل أفضل لأولادها.

تقول:

«قررت التخلص نهائيًّا من الرجال، ومن حالة العبودية وإلى الأبد.. لكن كيف وما عساي أن أصنع الآن؟! ما لدي من المال يوشك أن ينتهي… يجب علي أن أبحث عن عمل، أي عمل.. المهم أن أعمل».

ولكن الأمر سينتهي بفازعة بإيداع أبنائها الثلاثة لجهات تتكفل بتربيتهم، بعد فشلها في الحصول على الطلاق من رجل شردها هي وأبناءها، وعدم قدرتها على توفير حياة كريمة، وتعليم لأبناء يعاني ولد وبنت منهم من آثار نفسية إثر تحرش جنسي.

بين الصورة الاستشراقية والتمرد على الواقع

تعد هذه الرواية من الأعمال العربية القليلة التي صورت واقع المرأة العربية/ المسلمة بطريقة صادمة، ليس فقط من حيث استخدام الألفاظ، ولكن أيضًا من خلال الصور المرسومة التي ظهرت مرافقة للنص الأدبي، فقد استخدم الكاتب كلمات قوية مباشرة وصريحة، دون اللجوء لصور جمالية أو استعارات؛ ليصف الأحداث. في محاولة منه ألا يترك فرصة لقارئ قد يعتقد أن الجمل قد تحتمل أكثر من معنى. فمثلًا تصور فازعة العلاقة بين الزوج والزوجة بـ«العبودية، الخدمة»، أما المرأة فهي تباع مقابل «عرس حنان طنان، والثياب، والأدوات» باسم الأصول. والمرأة في بيت أبيها أو زوجها لا رأي لها بل هي «تساق مثل الأغنام». تقول فازعة: «وهكذا سقت إلى ابن عمي منصور كما تساق الأغنام إلى الحظيرة، دون أي شعور أو إحساس.. وكان القادم اشر وأنكى من عبودية أبي» (ص.32).

كما أن صورة الغلاف والثلاث صور التي رافقت النص جاءت معبرة تمامًا، ومناسبة لروح النص. فصورة الغلاف التي رسمتها الفنانة زينب راجح، هي لامرأة ترتدي غطاء للرأس والوجه أسود، والتي نادرًا ما نراها على غلاف عمل أدبي باللغة العربية، وحتى إن جاءت فهي في الغالب ترتبط في الوعي والثقافة العربية بصورة الزوجة الصالحة والفتاة المحترمة. ولكن الأمر جاء هنا على خلاف ذلك، فتظهر في صورة الغلاف فتاة تغطي وجهها بينما تشيح بنظرها عن القارئ، تلك النظرة التي اختلط فيها الخذلان بالغضب؛ ليخمن القارئ هنا، وحتى قبل أن يشرع في قراءة الرواية، أن الأحداث ستتطابق مع صورة المرأة العربية المقهورة، والخاضعة لهيمنة ذكورية. تلك الصورة التي جاءت على غلاف؛ لترسم المرأة (العربية/ المسلمة) التي ستجد طريقها للتحرر فقط في الهروب للغرب، حيث التحرر والقانون.

وكذلك الصور الثلاثة التي سبقت الفصول الثلاثة جاءت مناسبة مع انفعالات البطلة ومشاعرها. ففي الفصل الأول: جاءت نظرة الفتاة؛ لتنقل للقارئ مشاعر طفلة ضعيفة، لا تملك سوى أن تتوسل إلى أبيها ألا يزوجها في هذا السن، وأن يتركها تلعب مع الأطفال، أو حتى أن يعطيها فرصة لتختار شريك حياتها.

أما الصورة التي سبقت الفصل الثاني (الذي يروي تفاصيل حياتها الزوجية): فنرى نظرات فتاة خاضعة مقهورة، قد استسلمت لما فرضوه عليها.

بينما جاءت الصورة الأخيرة؛ لتحمل مشاعر ثأر الفتاة وحنقها، حتى وإن كانت تعلم أن نهايتها «حبل المشنقة» في مجتمع فيه «صنف الرجال يقفون مع الرجل إن كان الرجل على حق، ومع الباطل إن كان للرجل أيضًا… »(ص.109).

أحداث الرواية واللغة المستخدمة ترسم صورة مأساوية لكل النساء في المجتمع اليمني؛ فجميعهن مقهورات ومضطهدات من رجال جميعهن غلاظ القلوب وغير مبالين بمشاعر الأنثى واحتياجاتها. فكما عانت «فازعة التي تُزوج دون رغبتها وتتحمل أشد انواع العذاب من زوجها الريفي، لا تستطيع أيضًا أمها الاعتراض أبدًا على رأي لأبيها، حتى ولو كانت غير راضية عنه. بل إن حتى «حفيظة» الزوجة الثرية، والتي تقطن في العاصمة صنعاء، يتزوج زوجها للمرة التانية، فقط لأنها لم تُنجب له ذرية. لم تستطيع «حفيظة» الاعتراض، حتى وإن كان زوجها هو من لا يستطيع الإنجاب. تقول فازعة: «هكذا نحن النساء نواجه كافة أنواع العبودية مهما كانت الأسباب»(ص. 88). وهكذا نحن أمام صورة قد تنتقد بشدة، إذ تطابقت تلك الصورة مع الخطاب والتمثيل الاستشراقي للرجل الشرقي. ولكن على الجانب الآخر، فإن الكاتب في  تصويره للمرأة اليمنية، قد قدم صورة تتحدى الخطاب الاستشراقي في تصويره للمرأة المسلمة؛ ففي تصويره للبطلة هنا، استخدم الكاتب بنجاح ما أطلقت عليه الكاتبة مريام كوك، والمتخصصة في الأدب العربي «استراتيجية النقد المزدوج»، في كتابها «النساء يطالبن بإرث  الإسلام»(2015). فقد تحدى الكاتب الصورة الاستشراقية، التي تصور المرأة المسلمة بأنها امرأة جاهلة ومستسلمة لقدرها والقهر الذي تتعرض له في مجتمعها الإسلامي، ولهذا ستجد خلاصها فقط حين تعي وتفتح أعينها وتترك البلاد الإسلامية والدين الإسلامي وتتمكن من الهروب إلى الغرب. على النقيض من ذلك، فقد صوَّر الكاتب فتاة وزوجة (عربية/ مسلمة) قوية ولديها من الوعي ما يجعلها تتحدى آراء أباها وزوجها وعمها، في محاولة لرفع الظلم عن نفسها. كما أنها ورغم إجبارها على ترك التعليم، ستحاول التفريق بين تفسير من هم حولها للدين، واستخدامه غطاء للتمييز بين النساء والرجال، وما  يرفض الإكراه حتى ولو  كان  في الإيمان بالله. وكذلك فإن هروب فازعة «الزوجة الريفية المظلومة» إلى صنعاء  ومحاولة إيجاد عمل يكفيها وأبناءها قد يوحي بإمكانية حيوات وواقع آخر قد يكون أكثر انفتاحًا للمرأة، ومغايرًا لما عايشته فازعة في القرية.

ليركز الكاتب في النهاية على أن السبيل الوحيد كي تستطيع المرأة تحديد مصيرها، وحماية حاضر أبنائها ومستقبلهم يكمن بالدرجة الأولى في تعليمها وعملها، دون الاعتماد على حبيب قد يخذلها، أو زوج قد يظلمها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد