لم يكن التعامل مع انتشار فيروس «كورونا» أمرًا سهلًا أو عاديًّا، في مختلف بلدان العالم، بل شكَّل – ولا يزال – تحديًا بالغ الخطورة؛ إذ ألقى بظلاله على الواقع الصحي والاقتصادي في كل بلاد العالم من دون استثناء. ومع ما تعانيه فلسطين عامةً، والقدس خاصةً من اعتداءات الاحتلال وممارساته القمعية، وخططه التهويديّة، شكَّل الوباء معاناة إضافية للمدينة وأهلها، ولكنها لم تقف عند الجوانب الصحية، والاقتصادية فقط؛ إذ عمل الاحتلال في الأشهر الماضية على التذرع بالإجراءات الصحية ليفرض المزيد من القيود على المسجد الأقصى، ويحاول تقليل أعداد المسلمين داخل المسجد، وكان تلطي الاحتلال بكورونا، صورة لما تقوم به أذرع الاحتلال وأدواته للاستفادة من أي أحداث طارئة، وتحويلها إلى فرص تسمح لهم بالتدخل بشكلٍ أكبر في إدارة الأقصى.

محاولة تقليل أعداد المصلين

بدأ الاحتلال يتلطى خلف ذريعة «كورونا» منذ شهر مارس (آذار) عام 2020م، وحاول بدء تقليل أعداد المصلين الوافدين إلى الأقصى متحججًا بالقيود الصحية وإجراءات التباعد، وكان أولها في  15 مارس عام 2020م، حين أغلقت قوات الاحتلال عددًا من أبواب المسجد، متذرعةً من «الخشية من انتقال فيروس كورونا إلى الأقصى»، وأبقت على ثلاثة أبواب لدخول المصلين، وهي: «حطة والمجلس والسلسلة»، ولكنها في المقابل أبقت على فتح باب المغاربة أمام اقتحامات المستوطنين. ولم يدم الإغلاق طويلًا؛ إذ رفض حراس الأقصى قرار الاحتلال واعتصموا أمام الأبواب المغلقة.

ومع عدم تمكن أذرع الاحتلال من المضي في هذا الإغلاق، عمدت إلى تنفيذ استراتيجية أخرى، تعمل على تقليل أعداد المصلين عامة، والمرابطين في الأقصى على وجه الخصوص، بذريعة الحدّ من انتشار الفيروس، ففي 18 مارس 2020م، منعت قوات الاحتلال عشرات المقدسيين من الدخول إلى الأقصى لأداء صلاة الفجر، وأدوا الصلاة خارج المسجد قبالة باب «حطة». وفي 20 مارس 2020م، منعت شرطة الاحتلال من يسكن خارج البلدة من الصلاة في الأقصى، وأعادت قوات الاحتلال إغلاق أبواب الأقصى. وجراء إجراءات الاحتلال المشددة أمام أبواب المسجد لم يستطع سوى 500 مصلٍّ أداء صلاة الجمعة في المسجد.

ومع إصرار المقدسيين على الصلاة أمام أبواب المسجد رفضًا لما يقوم به الاحتلال، متخذين إجراءات التباعد، غرمت قوات الاحتلال في 24 مارس عام 2020م، أربعة مصلين بمبلغ 5 آلاف شيكل (نحو 1440 دولارًا أمريكيًّا) لكلٍ منهم، بذريعة (مخالفة قرارات وزارة الصحة الإسرائيلية) للوقاية من «كورونا»، رغم تأكيد الشبان مراعاتهم المسافة الآمنة في ما بينهم.

ولم تقف هذه الاعتداءات على المصلين خارج الأقصى، بل عمل الاحتلال على تنفيذها على من هم داخل المسجد، ففي 7 يوليو (تموز) عام 2020م، حررت شرطة الاحتلال عددًا من الغرامات لكل من لا يضع الكمامات في المسجد الأقصى، وأشار مقدسيون إلى أن الاحتلال غرّم بعض المصلين على الرغم من وجودهم في الأقصى منفردين، وبعضهم كان مرابطًا يقرأ القرآن الكريم، ومما يدلل على تذرع الاحتلال بالإجراءات الطبية تغريم أحد شرطته ثلاثة شبان عند خروجهم من الأقصى بذريعة عدم وضع الكمامة بالشكل الصحيح، وغرّم كل واحد منهم مبلغ 200 شيكل (نحو 55 دولار أمريكي).

الضغط على مجلس الأوقاف

على الرغم من محاولات الاحتلال تقليل الوجود البشري الإسلامي في الأقصى، لم تفلح بتحقيق ذلك، نتيجة تمسك المصلين بالرباط في الأقصى، لذا عملت أذرع الاحتلال بالتزامن مع استهداف المصلين، على استهداف الأوقاف الجهة المشرفة على المسجد الأقصى؛ ففي 21 مارس 2020م، غرَّمت سلطات الاحتلال رئيس مجلس الأوقاف الشيخ عبد العظيم سلهب، مبلغ 5 آلاف شيكل (نحو 1440 دولارًا أمريكيًا)، لعدم منعه المصلين من أداء صلاة الجمعة في الأقصى، وأكد الشيخ سلهب أن الاحتلال يستغل انتشار «كورونا»، والظروف الحالية في المنطقة لتحقيق أهداف سياسية.

وتعرض موظفو دائرة الأوقاف الإسلامية وحراس الأقصى إلى اعتداءات متتالية، ففي 18 مارس 2020م، استدعت شرطة الاحتلال مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني للتحقيق. ثم استدعته في 16 أبريل (نيسان) 2020م، للتحقيق في مركز المسكوبية في الشطر الغربي من المدينة، ثم أخلت سبيله بعد ساعات عدة.

69 يومًا من حصار موظفي الأوقاف

شكلت مدة إغلاق الأقصى التي أقرتها دائرة الأوقاف في سياق الإجراءات الصحية، أبرز محطة، حاول الاحتلال خلالها تثبيت واقعٍ جديد على المسجد، فمع استمرار إغلاق الأقصى أغلقت قوات الاحتلال أبواب المسجد وأبقت على فتح بابين منهما فقط، في محاولة لمراقبة الداخلين والخارجين من المسجد. وكشفت مصادر مقدسية أن فتح هذين البابين يخدم الاحتلال، فباب الأسباط يفتح على ساحة الغزالي المحاطة بنقاط عدة للشرطة، وباب السلسلة يفتح على مخفر المدرسة التنكزية، وعزل هذا الإغلاق موظفي الأوقاف عن باقي القدس، بعد إغلاق باب المجلس، وعزلت مبنى الأوقاف القائم في المدرسة المنجكية عن الأقصى طوال المدة بإغلاق باب المجلس.

ولم تكتف سلطات الاحتلال بهذا الاعتداء، بل حددت أعداد الموظفين الذين يوجدون في المسجد، على الرغم من مساحته الكبيرة، وبحسب مصادر مقدسية حصلت سلطات الاحتلال على قائمة بموظفي دائرة الأوقاف، ومهامهم وأماكن عملهم وأوقات هذه الأعمال، ما سمح لشرطتها بالتدقيق في دخول جميع الموظفين وخروجهم بحسب أوقات العمل، ما حول شرطة الاحتلال خلال مدة الإغلاق إلى المتحكم الفعلي بالأقصى، وتحويل «كورونا» إلى اللافتة التي رفعتها سلطات الاحتلال لتبرير جميع هذه الإجراءات.

وعلى أثر إعادة فتح الأقصى، وعودة الاقتحامات شبه اليومية للمسجد، ما زالت قوات الاحتلال تستخدم الوباء لتبرير اعتداءاتها بحق المصلين والمسجد على حدٍّ سواء، ما يجعل وباء الاحتلال أكثر فتكًا وأشد وطأة من وباء «كورونا»، ويؤكد أن تصدي المقدسيين، هو الخيار الوحيد الذي يستطيع رد مخططات الاحتلال وعدوانه، خاصة تلك المحاولات الأخيرة التي تحاول بها «منظمات المعبد» وأذرع الاحتلال الأمنية تثبيت واقع جديد في الأقصى الذي أضحى يشهد المزيد من التدنيس في الآونة الأخيرة، تتراوح بين الصلوات التلمودية العلنية، وارتداء قمصان أو كمامات عليها علم دولة الاحتلال وغير ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد