مع الفشل المتكرر للحكومات المتعاقبة التي جاءت بعد احتلال العراق وانتشار الفساد المالي والإداري، أصبح الوضع العراقي الداخلي على شفا الهاوية.

انحدار المستوى في كل شيء، التعليم، والزراعة، والصناعة، والصحة، والبيئة، وحقوق الإنسان، إضافة إلى فقدان الامن والسلم المجتمعي وغيرها. كل ذلك أدى إلى خروج الشعب بتظاهرات يطالبون فيها بوضع حد لهذا الانحدار الخطير على العراق حتى جاءت ثورة تشرين المباركة، والتي كانت ثورة شعبية عفوية اندفع فيها الناس نحو الشارع رفضًا للفساد، والظلم، وتسلط المليشيات، وإيران، على مقدرات البلد The October revolution in Iraq and the dialectic of leadership The October revolution in Iraq and the dialectic of leadership. 

صدمة الطبقة الحاكمة والمليشيات المتنفذة كانت كبيرة فلم يكن يتوقعون أن يخرج هذا العدد الهائل من الشعب ضد ما يجري ومع غياب القيادة التي يمكن التفاوض معها لم يكن أمام السلطات إلا القمع المفرط، والذي استخدمت فيه كل أشكال الأجرام المعروفة، وغير المعروفة ضد الشعب الأعزل.

قمع أدى إلى سقوط 800 شهيد حسب التصريحات الرسمية المغلوطة؛ لأن العدد الحقيقي وصل إلى أكثر من 1050 شهيدًا بين مقتول بالرصاص، وبين مقتول بالقنابل الدخانية التي فجرت رؤوس الشهداء وغيرها من طرق القتل الوحشية، وخلفت أكثر من 25 ألف جريح منهم، من أصيب بعاهات دائمة.

ومع بداية أزمة فيروس كورونا واستمرار القمع الدموي وتغلغل الأحزاب والمتسلقين بين صفوف المتظاهرين اعتمدت من خلالها الحكومة طريقة شق الصف الواحد بين المتظاهرين ودفعت بالعديد من الشخصيات المرتبطة بها إلى داخل صفوف الثوار لإقناع الثوار بالمشاركة في العملية السياسية والسعي للتغيير من خلال البرلمان.

هذه الفكرة كانت تصب في صالحة جهة واحدة تعمل على الوصول إلى منصب رئاسة الوزراء من خلال المشاركة الكثيفة في الانتخابات، لكنها أقنعت الكثير من المتظاهرين، وأصبحوا يؤمنون عن جهل بطبيعة العملية السياسية المخزية في العراق، وكيف تدار الدولة العراقية.

فخرجت العديد من الأحزاب التي قررت الدخول إلى المعترك الانتخابي، لكن هذه الأحزاب المشكٌلة لا تمتلك أي رؤية سياسية واضحة المعالم، أو خارطة طريقة يمكن من خلالها إحداث التغيير الذي ينتظره الشعب وانحسر تفكيرهم على دخول البرلمان غير مدركين بأن التصويت على أي قانون يحتاج إلى أكثر من نصف عدد مقاعد البرلمان البالغ عددها 325 مقعدًا!

عدد كبير من الناشطين تم اغتيالهم وعدد آخر تم تهديدهم بالقتل من قبل المليشيات المتنفذة ما جعل القسم الأكبر منهم يغادر العراق، أو يلجأ إلى إقليم كردستان الأقل خطرًا على حياتهم، ومن تبقى منهم كان يجب أن يتم إخضاعه بالترغيب أو الترهيب.

وهنا ظهر ما يسمى بمجلس تشرين المركزي الذي يتحرك أعضاؤه بحرية كاملة ويظهرون على الإعلام دون خوف، أو تهديد على عكس ما جرى مع الناشطين الآخرين من اغتيالات ومطاردة والتهديد العلني بالقتل!

الحكومة تحاول الآن جمع ما تبقى من الناشطين في هذا المجلس، ومن لا يقبل، إما أن يتم استخدام أسلوب التقسيط المباشر أو توجيه الاتهامات ضده. أو أن تتم الوشاية به للمليشيات المتنفذة ليتم إسكاته بكل الطرق، هذا الاسلوب ما هو إلا حلقة من حلقات القمع الممنهج لثورة تشرين وشخصوها الوطنية؛ مما دفع الكثير من هذه الشخوص إلى مغادرة العراق، ومحاولة تشكيل جبهات معارضة في الخارج للتصدي للنظام القمعي في الداخل، ولم يتوقف الأمر عن هذا الحد، بل عملت الحكومة على تشتيت المعارضين في الخارج فيما بينهم وزرع عناصر خبيثة تحاول الوقوف ضد أي مسعى لتوحيد الصف والخروج بمعارضة وطنية حقيقية يمكن أن تمثل الشعب المظلوم.

ادعاء القيادة لتلك الثورة العظيمة حصل كثيرًا خلال مراحل الثورة، لكن كلمة المتظاهرين كانت واضحة وصريحة، ثورة تشرين خرجت من دون قيادة وستبقى دون قيادة، وهذا ما يعتبر القشة التي قصمت العمود الفقري للثورة، ومنعت أي جهة دولية من الاعتراف بها كثورة حقيقية ضد النظام.

بل بالعكس، عملت الدول الكبرى والمجتمع الدولي على تجاهل ضحايا الثورة وتضحيات أبطالها من شباب العراق وتجاهل مطالبهم وعبرت عن الدعم الكامل للحكومة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة دون التفكير في طبيعة هذه الانتخابات المزمع إجراؤها في تشرين القادم، وطبيعة الأحزاب المشاركة في العملية السياسية، والتي تتمتع بالمال، والنفوذ، والسلاح.

رغم كل ما سبق بقيت ثورة تشرين متقدة في وجدان الشباب الثائر، ولن تخمد طالما أن الشعب ما زال مظلومًا، ويعاني، وطالما استمر هؤلاء الشراذم في حكم العراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد