في مثل هذا اليوم (6 أكتوبر) من كل عام منذ 1973 تحتفل مصر وسوريا بانتصار حرب السادس من أكتوبر، لست هنا لأنظر للانتصار أو الهزيمة بل لكشف لعبة الحرب المزيفة التي تم تنسيقها بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى برعاية أمريكية وبإخراج كسينجر.

و قبل أن أبدأ بشرح المحاور التي أستند عليها في ادعائاتي أحب أن أقتبس من المؤرخ العسكري «أوري ميلشتاين» الذي يقول: «بشكل عام، المؤامرة التي أتناولها في كتابي تتلخص في التالي: من أجل إقامة السلام بين مصر وإسرائيل، ونقل مصر من حضن الاتحاد السوفييتي إلى الحضن الأمريكي، في ظل الظروف الثنائية والدولية والإقليمية السائدة عام 1973، فكر وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، والرئيس المصري محمد أنور السادات أو وزير الدفاع (الإسرائيلي)، موشيه ديان، أو كلاهما، وربما هنري كيسنحر بمفرده في وضع خطة سرية».

وبحسب الخطة التي يفترضها، يسمح الجيش الإسرائيلي للجيش المصري بمفاجأته وعبور قناة السويس، وتحقيق انتصار محدود يزيل به عار الهزيمة التي لحقت به عام 1967، فهذا الانتصار الصغير سيهز الشعور بالأمن لدى الإسرائيليين ويجعلهم مستعدين للتنازل عن سيطرتهم على سيناء مقابل اتفاق سلام.

ثم يقوم الجيش الإسرائيلي بتعبئة الاحتياط، ويطرد المصريين من الضفة الشرقية، ويعبر قناة السويس ويحتل قواعد للجيش المصري غرب القناة، وبذلك يثبت للمصريين أنهم غير قادرين على طرد إسرائيل بالقوة من سيناء، وإذا رغبوا في استعادة القناة وسيناء، فعليهم الموافقة على اتفاق سلام مع إسرائيل.

محاور الادعاء

موعد حرب أكتوبر

لقد كان موعد حرب أكتوبر معروفا لدى الإسرائيليين وهناك من الأحداث ما يدل على ذلك، نستطيع أن نبدأ بواقعة الملك حسين حينما قاد طائرته الهيلكوبتر واتجه نحو إسرائيل ليجتمع مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير ويخبرها بنية مصر وسوريا شن هجوم مفاجئ بعد عدة أسابيع والغريب في الأمر أنه لو لم تصدق جولدا مائير الملك حسين فالبتأكيد يجب أن تصدق تقارير المخابرات الإسرائيلية التي تؤكد أنه بين يومي الرابع والخامس من أكتوبر أرسل الاتحاد السوفييتي طائرات إلى مطار القاهرة ودمشق لإجلاء الخبراء السوفييت الذين كانوا يعملون في مصر وسوريا مع عائلاتهم وذلك بعد تقارير أخرى من خبراء الاتحاد السوفييتي الموجودين داخل مصر وصور القمر الصناعي السوفييتي للاستعدادات العسكرية المصرية.

وفي الرابع من أكتوبر قام وزير الطيران المصري بإغلاق مطار القاهرة الدولي كما ألغت مصر للطيران كافة رحلاتها وبدأت في تنفيذ خطة إخلاء لطائراتها قبل أن يتدخل وزير الحربية ويطالب بإلغاء جميع هذه الإجراءات.

أما من الجانب الإسرائيلي فقط تم إعطاء جميع القوات المرابطة على خط بارليف قبل الحرب بإسبوعين أجازة واستبدلوا بقوات غير مدربة منعدمة الكفاءة قليلة العدد لا تكفي حتى لملء حصون الدفاع بخط بارليف ثم قاموا بأمر الجنود بإزالة الألغام بطول خط بارليف!

حقيقة مسار الحرب

يكشف السفير السوفيتي السابق فلاديمير فينوغرادوف (عمل في فترة 1970-1974 في القاهرة) في مذكرته الموجهة إلى القيادة السوفيتية وغير المنشورة سابقًا خفايا حرب أكتوبر (تشرين الاول) عام 1973 بين مصر وسورية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي وصفتها وسائل الإعلام بـ«الحرب المزيفة» ونظرا لوجوده في العاصمة المصرية طوال فترة الحرب فقد كان فينوغرادوف على اتصال دائم بالأركان العامة والقيادة السوفييتية، كما التقى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك وقد أعد السفير مذكرة من أجل تقديمها إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي والحكومة السوفييتية في كانون الثاني (يناير) عام 1975 فور عودته إلى موسكو بعد ترك منصبه كسفير في مصر وبقيت هذه الوثيقة في الأرشيف الشخصي لفينوغرادوف وتم الكشف عنها بعد وفاته ويتبين من المذكرة التي حصلت عليها «روسيا اليوم» أن السادات لعب لعبة مرتبة من قبل كسينجر بهدف التوصل لاتفاق سلام دائم مع الإسرائيليين وطرد الاتحاد السوفييتي من المنطقة، بينما ضحت جولدا مائير في هذه الحرب بحياة ألفين وخمسمائة جندي وضابط إسرائيلي دون أن يرف لها جفن إرضاء لرغبات الأمريكيين في الهيمنة على الشرق الأوسط من أجل الأهداف الحقيقة لحرب أكتوبر وهو تفريغ الغضب الشعبي في مصر لإشعارهم بالانتصار بعد هزيمة 67، وإعادة فتح قناة السويس بعد أن ظلت مغلقة لمدة أربع سنوات، ومن الأهداف أيضًا هو الاعتراف بإسرائيل كدولة ذات كيان مع معاهدة سلام تجعل سيناء منطقة عازلة منزوعة السلاح بين الشعب المصري وإسرائيل.

كذبة حظر البترول

وعلى العكس مما تم نشره من دعايات فإن الموقف العام للسعودية فيما يخص البترول، ومنذ إنشائها على يد عبد العزيز وصولًا إلى فيصل، هو اعتبار البترول موردًا اقتصاديًّا أساسيًّا للثروة، وبالعودة إلى فيصل تحديدًا سنجد أنه كان يتزعم جبهة رفض الحظر البترولي، رافعًا نفس الشعار، فكان يصرح أن البترول ليس سلاحًا، بل هو مورد اقتصادي يتعين استخدامه في حدود المصالح الاقتصادية والتجارية، وقد قاوم فيصل بشدة ما اتجهت إلية العراق بعد حرب عام 1967 بمنع تصدير النفط للدول المتحالفة مع إسرائيل وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، والذي طبقته فعليًّا بدءًا من يوم 6 يونيو، لكن فيصل أفشل المنع واستمر في إرسال شحنات البترول.

إذا لماذا تم حظر النفظ في 1973؟ لإنقاذ الشركات البترولية الأمريكية التي تعاني من أزمة مالية طاحنة، حيث بلغت أرباح الشركات الأمريكية الناتجة عن رفع سعر البترول 420 مليار دولار طبقًا لأرقام الأرباح المعلنة عام 1974 فقد حصلت الشركات الأمريكية على 7 دولارات صافي ربح مقابل كل دولار حصلت عليه الدول المنتجة للبترول.

ولاستكمال مسلسل خيانة السعودية فقد تم ربط البترول بالدولار وفقًا لما يعرف باتفاقية البترودولار وهذا كان معناه حماية الدولار وإعادة تدويره في العالم بعدما فقد جزءًا كبيرًا من قيمته تبعًا لسياسات أمريكا السابقة، ثم انتعش الاقتصاد الأمريكي نتيجة الودائع والاستثمارات العربية الهائلة التي انهالت على البنوك والشركات الأمريكية مما عرف أيضًا باسم تدوير البترودولار.

الخسائر والأرقام

خسرت إسرائيل 840 دبابة على الجبهتين السورية والمصرية مقابل 2554 دبابة للقوات العربية المشاركة بما فيها مصر، وبالنسبة للمدرعات فخسارة إسرائيل فيها لا تتعدى 400 مدرعة مقابل 850 مدرعة للدول العربية المشاركة بما فيها مصر.

لم تخسر إسرائيل أي بطارية لدفاعها الجوي بينما خسرت القوات العربية 47 بطارية، بينما خسرت الدول العربية المشاركة 55 طائرة عمودية لمصر فيها وحدها 42 طائرة خسرت إسرائيل فقط 6 طائرات عمودية! واستكمالًا لمسلسل خسائر الطائرات خسرت إسرائيل 103 طائرة مقاتلة مقابل 392 للدول العربية تحتل مصر منها 223 طائرة وحدها.

وبالنسبة للبحرية الإسرائيلية فقد خسرت قطعة بحرية واحدة مقابل 15 قطعة بحرية للقوات العربية المشاركة، وحينما نأتي للخسائر البشرية فقد جرح في الحرب 8500 جندى إسرائيلي مقابل 12000 جندي مصري وبمجموع 19549 جنديًا من الدول العربية المشاركة في الحرب.

واستكمالا للخسائر البشرية فقد قتل 2838 جنديًا إسرائيليًا مقابل 5000 جندي مصري وبمجموع 8528 جنديًا عربيًا، بينما بلغ عدد المفقودين وأسرى الحرب الإسرائيليين 508 جنديًا إسرائيليًا مقابل 8031 جنديًا مصريًا وما مجموعه 8551 جنديًا عربيًا.

خيانة السادات والصور المفبركة

في الحقيقة إن خيانة السادات للقوات المسلحة واضحة جدًا فقد بكى الجمسي بسبب الشروط المجحفة لإتفاقية كامب ديفيد، وقد رفع سعد الدين الشاذلي قضية إلى النائب العام يتهم فيها السادات بالخيانة وبالتزييف في التاريخ والكذب على الشعب وبالتأكيد لم ننس اتهام حسين الشافعي أحد الضباط الأحرار ونائب الرئيس عبد الناصر السابق للسادات بالخيانة.

أما بخصوص الصور المفبركة فقد ذكر الفريق سعد الدين الشاذلي أن الصور التي نشرت في الصحافة المصرية والعالمية لعبور خط بارليف مزيفة، فرغم عبور القوات المصرية خط بارليف إلا أن الصور التي نشرت لم تصور أثناء المعركة بل قام بتنفيذها جنود كومبارس بطريقة عشوائية لا تعبر عن الجندي المصري ولا النظام المتبع وقتها ويكمل الفريق أن الصور اتخذت بعيدًا عن قصف المدافع وأزيز الرصاص إذ لم يسمح لأي مصور أن يدخل لمنطقة القتال إلا في يوم الثامن من أكتوبر.

وفي النهاية ما يسعنا إلا أن نعلن التقدير والاحترام لكل جندي وضابط قد استشهد وهم يدافعون عن أهداف نبيلة ولم يتلوثوا بالخيانة أو التآمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب: مذكرات حرب أكتوبر – الفريق سعد الدين الشاذلي
كتاب: حروب البترول الصليبية – د. عبد الحي زلوم
كتاب: التاريخ الإسلامي | التاريخ المعاصر – وادى النيل مصر والسودان .محمود شاكر
كتاب: لا هزيمة لا انتصار – إدجار أوبالانس
كتاب: الحصون الإسرائيلية لحرب أكتوبر 73 – سيمون دنستان
كتاب: مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر – فلاديمير فينوجرادوف
كتاب: مذكرات عبد الغني الجمسي
كتاب: جندي في سيناء – الجنرال إيمانويل ساكال
عرض التعليقات
تحميل المزيد