الحذر كل الحذر أن تكون كالشريك المخالف، عبارة كان الأهل والكبار، يرددونها على مسامعنا، قبل أن نبدي أي رأي فيما يثار أمامنا من موضوعات رغم تفاهة بعضها، إذ كان ينتابهم قلق كبير وخوف غامض أن نسير على غير الهوى العام أو أن نبدي من الرأي ما يخالف المجموع.

لا غرابة أن يُشتق التعبير «الشريك المخالف» مما درج عليه الفقه قديمًا، وسار عليه رجال الدين، وما يزالون من الإصرار على مفهوم «رأي الجمهور» ذلك الصنم الذي عبدوه وأنزلوه منزلة قداسة معنوية، وآمنوا عن يقين بأن من يخالفه الدين منه براء.

الفكرة ألّا يكون لك فكرًا إلّا ما يسود وينتشر بين الناس كالنار في الهشيم، وأن تُعطّل ملكة التفكير التي وهبها الله إياك، وأن تُسلم عقلك لمن يحشوه ليل نهار بما يريد.

«لا تكن كالشريك المخالف» تعني أن تؤمن بما يؤمن به المجموع، وأن ترددّ كالببغاء ما يقولون، وأن تلغي عقلك، باختصار أن تقتل بداخلك ملكة النقد والتفكير، فهي أشياء لا يحبذها المجتمع ويراها خطرًا على صاحبها، ويستعيذ بالله منها وممن يُصّر على التمسك بها.

«لا تكن كالشريك المخالف» مفهوم يرسّخ لسياسة القطيع، الكل ينضوي تحت لواء واحد، حيث نعيم الحظيرة والمرعى والدفء، والنفي للمعارض، والترهيب بالطرد لعالم غامض محفوف بالمكاره ومليء بالذئاب المفترسة.

«لا تكن كالشريك المخالف» خيار بين اثنين لا ثالث لهما «من وجهة نظر الجمهور»، إمّا أن تكون بهيمة تنعم بالأمن والأمان في الحظيرة، أو أن تكون طريدة للسباع.

ورغم إيماننا جميعًا بأن الحساب في الآخرة لكل فرد على حدة، ولن ينفعه جماعة أو حزب أو قطيع، كلّ سيكون مسئول عمّا آمن به وشكّل سلوكه وتصرفاته في الحياة الدنيا، ولن ينفعنا وقتئذ أن نقول «هؤلاء أضلّونا» فلنا عقول نعقل بها.

لذا ما أمتع «الكاتب يُحدّث نفسه حتى لا يثير زوبعة ضده، أنه يفرض رأيًا على أحد» أن يكون لك عالمك الخاص، أفكارك، اتجاهاتك التي تؤمن بها عن قناعة كي تميّز نفسك عن التيار العام من حولك، أو بغض النظر عن التبرير الذي لا ينبغي أن تُجبر على تقديمه للغير. يكفي أن تكون أنت لا غير، حتى ولو كنت شريكًا مخالفًا، هكذا أن تكون كما أنت وأن يحترم الغير ما أنت عليه، وأن يدعونك لشأنك.

الغريب أن تكون السماء رحيمة بالبشر وتدرك أن إجبارهم على الإيمان بدين واتّباعه أمر يخالف الغاية من الوجود، ويعطّل ملكة التفكير والإرادة لديهم، بينما نحن نُجبر أنفسنا أولًا، والآخرين ثانية على اتّباع أفكار الآخرين، سواء أكانت على حق أو باطل.

نسير وراءهم سير القطيع وراء قائدها، نخشى الفرار من السرب، ونرى في الاحتماء به نجاةً وحصنًا وأمانًا.

ما أقبح أن يكون دورك في الحياة فرد من قطيع كبير! أن تصبح حياتك كما قال أحدهم بصدق، مجرد ترس في آلة كبيرة، ترس صغير يتلقى مواقع الضغط الشديد للحركة دون أن يكون له قدرة على تغيير اتجاهات الحركة ذاتها. وقتها سوف تتحرر من قيود كثيرة تكبّلك، ولتذهب مقولة الشريك المخالف للجحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد