قاسم سعودي مشترك

صبيحة يوم الجمعة السادس من مارس (آذار) استيقظ العالم على خبرين، كانت مملكة آل سعود هي قاسمهما المشترك، ولعل الخبرين اللذين أريد لهما أن يتداولا بشكل منفصل، كانا أكثر ارتباطًا مما بدا عليه الأمر من الوهلة الأولى.

تداولت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» نبأ اعتقال عدد من أمراء ما يعرف بالقوى التقليدية المحافظة داخل الأسرة السعودية، وعلى رأسهم أحمد بن عبد العزيز، آخر أبناء الأب المؤسس، وولي العهد السابق، رجل المخابرات الأمريكية، محمد بن نايف وأخوه نواف. ثم ما لبث أن تبعها خبر أريد له أن يقدم بشكل منفصل عن انهيار اتفاقية أوبك بلس عقب اجتماع قصير بين وزير النفط السعودي ونظيره الروسي، بدا وكأنه عقد خصيصًا لإعلان الانهيار لا لبحث الاتفاق. لا يخفى من الوهلة الأولى أن اقتراح الوزير السعودي عبد العزيز بن سلمان لنظيره الروسي ألكسندر نوفاك، مثَّل طرحًا قُدِّم ليُرفض، فما كانت روسيا لتقبل بمزيد من التعميق لخفض الإنتاج، خاصة مع إثبات عدم جدواه في حماية الأسعار المتراجعة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بفعل التوسعات المستمرة لإنتاج الزيت الصخري الأمريكي، ورفض المملكة تمديد الاتفاق بصيغته الحالية، فيما بدا إعلان حرب بين القوتين النفطيتين.

حقيقة الدور الأمريكي

وهنا قد لا يتجلى لنا الرابط بين الحدثين سوى ذكر المملكة في كلا الخبرين، غير أن الحقيقة أن أمريكا هي الرابط الأوثق؛ فالمتضرر الحقيقي من تلك الحرب هو شركات النفط الأمريكية، والتي نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي لبلدها والبحث عن موطأ قدم لها في السوق الأوروبي لتسويق الفوائض، وليس أدل على مدى أهمية هذا القطاع في الاقتصاد الأمريكي من الحديث عن كونه المحرك الحقيقي لفرض عقوبات على عدد من منافسيه، مثل فنزويلا، وإيران، وروسيا، وصولًا لدعم حرب أهلية لإخراج ليبيا من السوق.

وفيما قد يبدو إعلان حرب ضد صناعة النفط الأمريكية من قبل المنتجين التقليديين، هنا يمكن رؤية تحركات ذلك الصباح في إطار مختلف، فهي أحد تحالفين لا ثالث لهما: إما أن ولي العهد الشاب وثق ارتباطًا بين المخابرات الأمريكية والقوى المناوئة له في الأسرة الحاكمة، فبادر باعتقالها وأراد أن يظهر غضبه بالورقة الأقوى في الجعبة السعودية، بتخفيض أسعار النفط؛ لإيلام القطاع الأضعف في الاقتصاد الأمريكي.

فمن المعلوم أن متوسط سعر التعادل للزيت الصخري الأمريكي 45 دولارًا للبرميل، مما يعني أن أسعار دون ذلك قد تخرج أغلب الشركات المتوسطة والصغيرة من السوق وتدفعها لحافة الإفلاس، خاصة مع تصنيف العديد منها ضمن فئة الزومبي اقتصاديًّا، أو أنها قد تكون خطوة استباقية لتأمين ولي العهد من الغضبة الأمريكية على قرار المملكة بالخروج من اتفاقية أوبك بلس، وفي حالة صحة إحدى تلك الرؤى فإننا أمام صفحة جديدة من التاريخ تدشن بوادر خروج للمملكة من العباءة الأمريكية لصالح تحالف مع قوى الشرق الجديدة، بشقيه الروسي والصيني، خاصة أن الأخير هو أكبر المستفيدين من تلك الحرب أيًّا كان مفتعلها، وحينها سيكون هدف ذلك التحالف إخراج الشركات النفطية الأمريكية من السوق، أو على الأقل الحد من تغولها واقتطاعها لمزيد من السوق العالمي.

الرؤية الأخرى تتمثل في إعادة سيناريو أزمة الثمانينيات، حين تحالفت أمريكا مع السعودية لإسقاط الاتحاد السوفيتي، عبر افتعال أزمة حصص في السوق على إثره ضخت المملكة ملايين البراميل يوميًّا، ولم تتوقف حتى تفكك الاتحاد مطلع التسعينيات ونجح سلاح النفط فيما فشلت فيه الأسلحة النووية.

الأكيد أن حملة الاعتقالات الأخيرة ما هي إلا لتأمين العرش السعودي من قيام القوى الدولية الغاضبة من استخدام النفط السعودي ضدها من استغلال أحد الأمراء المعتقلين لإحداث تغيير سياسي في المملكة. ويدعم صحة السيناريو الثاني أمران: توجه المملكة بالتوازي لتطوير حقل الجافورة للغاز غير التقليدي باحتياطيات تناهز 200 ترليون قدم مكعب، فيما قد يبدو لغير الممعن أنه مجرد توجه سعودي لتعظيم العوائد لدعم الموازنة السعودية ذات العجز القياسي، والمرشح للتصاعد طرديًّا مع طول فترة الحرب النفطية بفعل الانخفاض القياسي لأسعار النفط، يتجلى للمدقق بعدها أنها ضربة عنيفة ليد روسيا القوية، المتمثلة بكونها المنتج والمصدر الأكبر عالميًّا للغاز الطبيعي، ويجعل من استثماراتها المليارية لتدشين خطوط أنابيب الغاز غير مجدية اقتصاديًّا، وما قد يتبع ذلك من سقوط للشركات والبنوك المساهمة والممولة للمشروع الأضخم في التاريخ الروسي، ويضع تلك الأخيرة تحت مزيد من الضغوط قد لا تتحملها لفترات قد تطول، خاصة مع إسهام قطاع النفط والغاز بنحو 52% من عوائد الميزانية الاتحادية وأكثر من 70% من إجمالي الصادرات. الشاهد الثاني هو توجيه فوائض الإنتاج السعودي للزبائن التقليديين للدب الروسي، ومزاحمته حتى داخل السوق الصيني والهندي الأقرب له، وتقديم أسعار تفضيلية تقل عن تكلفة الإنتاج الروسي للبرميل عند عتبة 20 دولارًا للبرميل.

عض الأصابع

ما دفعنا لتسمية ذلك الصراع بالحرب العالمية، هو أوجه الشبه العديدة المتمثلة في كونه صراعًا بين جميع القوى الكبرى في ذلك القطاع، وأن الرابح فيه لن ينجو من الخسائر المؤلمة، كذلك كون أوروبا وجنوب شرق آسيا الساحتين الأسخن لتلك المعارك، بالإضافة إلى أن المبادر لتلك الحرب قد لا ينجح في الفوز بها، خاصة إن استطاع الحلف الآخر أن يصمد ويبادر بتحركات غير تقليدية، وأخيرًا أنه مع نهاية تلك الحرب سيكون لها ما بعدها في سباق الهيمنة على الاقتصاد العالمي، وتشكل وجه جديد لعالم النفط سيشهد هيمنة قد تطول لطرف على الآخر.

في ختام ذلك الطرح قد لا يستساغ قبول أن محض صدفة هي من شاءت أن تتزامن تلك الحرب العالمية النفطية مع جائحة كورونا – حتى وإن لم يثبت بعد علميًّا أنها مفتعلة – لتعميق الركود في أسواق الذهب الأسود لخلق الظروف المثالية لتوجيه الضربة القاضية من إحدى القوى العظمى للأخرى، وهي ظروف مشابهة لتلك التي سبقت الحرب النفطية الأولى، والتي سبقها ركود عالمي بدأ عام 1982، وألقى بظلاله الثقيلة على باقي الحقبة، واستمرت حتى مطلع التسعينيات، بانفراط عقد المعسكر الشرقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العالمية, حرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد