في الجزء الأول افتتحت الكلام حول منظومة التعليم العتيق بالمغرب، بالكلام حول المقصود بـ«التعليم العتيق» كمنظومة، وبدلالات لفظة «العتيق» لغويًا، وطرحت إشكالين هما:

  • ما أسرار قوة منظومة التعليم العتيق؟ وما المميزات التي أهلتها بشكل إيجابي لتشكل واحدة من أمتن المنظومات التعليمية والتربوية بالمغرب؟
  • ما أسباب تخبط منظومة التعليم العتيق في العديد من المشاكل المتفاوتة سلبياتها، والتي تشكل عوائق تحول، دون تطورها؟

و قد شرعت في الإجابة عن الإشكال الأول: إذ ذكرت سبع نقاط من مميزات التعليم العتيق، وفي هذا الجزء نتم الحديث حولها:

  • تتمة المحور الأول: مميزات ومؤهلات وإيجابيات وأسرار قوة منظومة التعليم العتيق بالمغرب:
  • التعليم العتيق يشكل ملجأ آمنا لأبناء الشعب المغربي من خطر التطرف والتشدد و الإرهاب:

إن الواقع الذي يعرفه العالم العربي والإسلامي معروف، وخطر انسياق طلبة العلم الشرعي وراء الفكر المتطرف والإرهابي حاضر وبقوة، وأيضا خطر المتابعات الأمنية حاضر بقوة.

والتعليم العتيق جاء في خضم هذا الواقع المليء بالمتغيرات، ولله الحمد نجح بأطره وبرامجه في تشكيل ملجأ آمن، وحصن حصين للطلبة من هذه الأخطار التي كانت تحدق بهم.

وهذا الأمر نلمسه دائما في الخطابات الرسمية الوثائق التربوية المؤطرة للتعليم العتيق، وعلى رأسها الخطابات الملكية لجلالة الملك «محمد السادس» في مختلف المناسبات، نستحضر منها، مثلا: مقتطفا من خطاب ملكي ألقاه جلالة الملك محمد السادس سنة 2004:

«وفي هذا السياق حرصنا على تأهيل المدارس العتيقة وصيانة تحفيظ القرآن الكريم تحصينها من كل استغلال أو انحراف يمس بالهوية المغربية، مع توفير مسالك وبرامج التكوين تدمج طلبتها في المنظومة التربوية الوطنية وتجنب تخريج الفكر المنغلق تشجيع الانفتاح على الثقافات».

  • بالمناسبة نستحضر إحدى الفرضيات التي تنسج علاقة بين التعليم العتيق وظاهرة الإرهاب:

الفرضية تقول بأن التعليم العتيق ما هو إلا مجرد سياسية أمنية وضعتها الدولة إبان الأحداث الإرهابية المعروفة عالميا «11 سبتمبر» – أي أن العتيق ما هو إلا موجة خلقت في ظرف معين تحت طائلة معينة – والتي تتعزز بتاريخ صدور القانون رقم 13.01 الذي خلق هذه المنظومة الحديثة، أيضا تتعزز ببعض التدخلات في البرامج والمقررات، والتي على رأسها حذف دروس «الجهاد»، إلا أنها تبقى مجرد فرضية غير ثابتة مائة بالمائة و يمكن تصنيفها في خانة «المؤامرة»، ورأيي الشخصي فيها أنها، سواء كانت ثابتة أو لا، فإن «مأسسة» (بفتح الميم و سكون الهمزة) هذا التعليم وتنظيمه صب في مصلحة الطلبة والتعليم العتيق عمومًا؛ ويمكن تلخيص حالة ثبوتها في كونها »«خيرًا أريد به شر» إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن، فحل هذا التعليم في حلته الجديدة بردًا وسلامًا على طلبة علوم الشريعة.

  • التعليم العتيق مميز بالأبواب الجامعية المفتوحة أمام خريجيه:

إذ إن طالب التعليم العتيق أصبح بإمكانه متابعة الدراسة بعدة تخصصات أدبية وشرعية، سواء المهتمة منها بالعلوم اللغوية أو الأدبية أو الفلسفية أو القانونية أو الاجتماعية أو الشرعية أو غيرها.
ونخص بالذكر التخصصات الأدبية؛ لأن التخصصات العلمية لم يستطع هذا التعليم تخريج طلبة مؤهلين لولوجها.

وذلك مع استحضار التفاوت الحاصل بين الشعب، ورغم بعض الإكراهات التي يواجهها الطلبة في تخصصات معينة.

هذا إلى جانب المعاهد العتيقة الخاصة بالطور النهائي طبعا، وأيضا المعاهد المتخصصة في بعض المجالات، كعلوم الشريعة والأدب وغيرها سواء بالقطاع العام أو الخاص.

  • التعليم العتيق مميز بآفاق العمل المفتوحة أمام خريجيه:

إذ إن خريجي التعليم العتيق أصبح بإمكانهم ولوج مباريات التوظيف العمومية، مثل باقي خريجي الأصناف التعليمية الأخرى، سواء بالتدريس أو بالمحاماة أو القضاء أو غيرها، وسواء بالقطاع العمومي أو الخصوصي، لكن ينضاف إلى ذلك فرص العمل بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في مختلف المناصب «إمامة، خطابة …» بالإضافة إلى مهام التأطير والدعوة، داخل وخارج أرض الوطن.

  • التعليم العتيق مميز لأنه ساهم في انخفاض نسبة الهدر المدرسي:

وذلك بالبوادي المغربية على وجه الخصوص؛ إذ إنه فتح الباب أمام الطالب القرآني لإتمام دراسته، والذي كان في الغالب لا يتمها، خصوصا عندما تكون الظروف الاقتصادية والاجتماعية لا تساعده، وأيضا لإشكالية السن/العمر التي كان يواجهها أغلب الطلبة، والتي حلت مع التعليم العتيق؛ لمرونته في التعامل معها.

أيضا التعليم العتيق فتح نافذة جديدة أمام تلاميذ المدرسة العمومية؛ إذ أتاح أمامهم خيارَا آخر، وهو نفس الأمر مع الكثير من أولياء أمور تلاميذ المدرسة العمومية.

  • التعليم العتيق عامل وموطن هام لاستمرارية مجموعة من الأخلاق والمعاملات الإسلامية والإنسانية:

حيث يعد التعليم العتيق عاملًا مهمًا من عوامل استمرار نظام الوقف الإسلامي ببلاد المغرب، و كذا يعد مظهرًا من مظاهر الإحسان العمومي، و يشجع المحسنين على الإنفاق والاستثمار الأخروي في هذه المشاريع العلمية، وفي إعانة الفئات الضعيفة على التعلم، ولعل الدليل على ذلك: التقارير الرسمية التي تصدرها مديرية التعليم العتيق، والتي تصرح بأن نسبة كبيرة من الموارد المالية لهذه المدارس مصدرها المحسنون، على جميع المستويات بناءً وتجهيزًا وإصلاحًا و تسييرًا.

وإلى جانب ذلك، يعد التعليم العتيق موطنًا من مواطن الانفتاح الثقافي والتعايش بين مختلف أبناء ربوع المملكة.

  • التعليم العتيق مميز لما يزرعه من أخلاق فاضلة في أبنائه:

هذه المسألة لا أقصد بها تزكية طلبة التعليم العتيق، ولا أقول بأنه لا توجد أخلاق سيئة بطلبة التعليم العتيق، وإنما أقصد النظرة العامة التي ينظر بها إلى هذه الفئة، والتي يشهد بها أولا الطلبة أنفسهم فيما بينهم، وخصوصا من درس منهم بأصناف تعليمية أخرى، ثم يشهد بها الأساتذة و الشيوخ الذين يدرسون بهذا التعليم، وخصوصا منهم الذين يدرسون بالتعليمين العام أو الخاص بمختلف المستويات.

يضاف إلى مسألة الأخلاق، تميز هذا التعليم عمومًا بميزة هامة، هي «عدم الاختلاط»، و لعل دراسة هذا الموضوع تحتاج لبحث خاص؛ إذ يمكن إبراز مدى أهمية هذا الأمر، وانعكاساته الإيجابية على مردودية المدارس، كما يمكن تصنيف هذه المسألة ضمن خانة السلبيات؛ إذا ما نظرنا إليها من زاوية نظر أخرى.

وأخيراً، تبقى هذه الإيجابيات الثلاث عشرة (هذه هي الدلالة الثالثة للرقم «13») محط نقاش يمكن الإضافة إليها، و يمكن اختزالها، و يمكن تأكيدها وتوسيع أفكارها، كما يمكن دحضها وإبطالها بأطروحة أخرى أقوى منها؛ لأن هذا المقال ليس نتيجة مسلمة، وإنما هو فقط أرضية يمكن بناء نقاش طويل عليها.

إذن من خلال هذا الجزء، والذي سبقه يمكننا أن نقول بأن من إيجابيات منظومة التعليم العتيق ما يلي:

  • التعليم العتيق يستمد قوته من التشريع الإسلامي.
  • التعليم العتيق يضرب بعمق في التاريخ والثقافة والهوية الإسلامية عمومًا والعربية والأمازيغية والمغربية خصوصًا.
  • التعليم العتيق يسير نحو الجمع والتوفيق بين علوم الشريعة وبين العلوم الأخرى.
  • التعليم العتيق يساهم بشكل كبير في إقامة دولة الحق والقانون.
  • التعليم العتيق قادر على تكوين أئمة وخطباء ودعاة وعلماء وأساتذة وباحثين متمكنين ومنفتحين.
  • التعليم العتيق يساهم في تنزيل وتفعيل مضامين الدستور المغربي.
  • التعليم العتيق من أسرار قوته، نتائجه المشرفة.
  • التعليم العتيق يشكل ملجًأ آمنًا لأبناء الشعب المغربي من خطر التطرف والتشدد والإرهاب.
  • التعليم العتيق مميز بالأبواب الجامعية المفتوحة أمام خريجيه.
  • التعليم العتيق مميز بآفاق العمل المفتوحة أمام خريجيه.
  • التعليم العتيق من أسرار قوته مساهمته في انخفاض نسبة الهدر المدرسي.
  • التعليم العتيق عامل وموطن هام لاستمرارية مجموعة من الأخلاق والمعاملات الإسلامية والإنسانية.
  • التعليم العتيق مميز لما يزرعه من أخلاق فاضلة في نفوس أبنائه.

 

هذا، و نضرب للقراء الكرام موعدًا قريبًا نسلط فيه الضوء على الجانب المظلم في هذه المنظومة في 13 سبب من أسباب تخبطها وذلك ضمن المحور الثاني، والذي سيأتي تحت عنوان:
«المشاكل والسلبيات والمعوقات والتحديات التي تقف في وجه التعليم العتيق»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد