الموت يا سادة، ذلك الحدَث البيولوجي، الذي يُثيرُ الرَّهبة والوُجوم في نُفوس كُل «الهومو سيبيانز» حتَّى نهاية الأيَّام على ما يبدو! الموت كما نعرفهُ ببساطة شديدة، هُو نهاية الوعي / الوُجود لأن المُسببات الحيوية لوُجود ذلك الوعي توقفت عن العمل، بغض النَّظر عن الأسباب، ولأنَّ الإنسان كائنٌ عاقل، يستطيعُ التَّفكير والتَّحليل، فقد بدأ خوفهُ من فكرة النهاية، منذُ القِدم، والخوفُ هُنا يا سادة، ليس من «النهاية» بحد ذاتها، ولكن، مما «بعد» تلك النِّهاية!

دعونا نعودُ للغرائز الأساسيَّة المُشتركة بين الأحياء، والتي إحداها، هي غريزةُ البقاء – الحفاظ على الوُجود الحيوي للكائن – والتي هي أيضًا، إحدى الغرائز العميقة، لدى الفصيل البشري بالذات، والتي تطوَّرت مع تطور الدِّماغ، لتصل إلى مرحلة مُتقدِّمة جدًا من الهَوس الوُجودي، الجديرة بالبحث والدِّراسة! الإنسان فهم أن هُناك نهاية بيولوجية لا بُدَّ منها، وأنها قادمةٌ لا محالة، ولكن هذه النهاية كما ترون، تتعارضُ مع غريزة البقاء المُتطورة أصلًا لديه.

فكيفَ يُمكنهُ الشُّعور بالسلام وضمان الوُجود الدائم، وهُو يعرفُ أنَّه سيُشرِّفُ المقبرة يومًا ما؟

دعونا نقرأ تعريف الموت من أقرب المصادر، ويكيبيديا،

وتحديدًا، الموت البيولوجي:

الموت البيولوجي أو أحيانًا يسمى الموت الدماغي أيضًا هو حالة انعدام وظائف الدماغ (المخ) وساق (جذع) الدماغ Brain Stem والنخاع الشوكي، بشكل كامل ونهائي. وهذه الأعضاء الثلاثة المذكورة لن ترجع إليها وظائفها أبدًا (على الأقل وفقًا لمعلوماتنا العلمية والتقنية الحالية).

إذًا، نعرفُ أنَّ الموت علميًا – بدلائله – هُو انتهاء الوظائف الحيوية المُسببة لـلوعي، ولكن مسألةُ الوعي هذه شائكةٌ جدًا بالنسبة لعُموم البشر، لأنَّها تحملُ عواطف ومعرفة أصيلةً بالذات، تجعلُ من فكرة عدم وجوده – الوعي – فكرة مُؤرقة وغير مريحة للوجدان الذكي، بالذات، لكائن يمتلك غريزة بقاء مُتطورة وأنانية فطرية، تجعلهُ لا يتقبلُ ذلك في أعماقه! لذلك، توجه الإنسانُ لاصطحاب «وعيه» معهُ حتى بعد زوال المُسببات المادية.

وهذا بالضَّبط، ما فعلهُ الإخوة الفراعنة مثلًا! لقد قاموا بخلق تصوُّرات كاملة وحميمية، لما بعد الموت، فكانوا يُزينون الجُثث، ويحافظون عليها بالتحنيط، ويضعون معها الطعام والكنوز وكُل تلك الأمور الاحترافيَّة، التي تضمنُ لهم رحلة أُخرويَّة آمنة وسعيدة وبعيدة عن المشاكل قدر المُستطاع، وبهذه الحيِل اللاواعية، شعرَ الفراعنة – كما بقية الجنس البشري – بنوع من السلام الداخلي، بعد أن «سيطروا» على مجرى الحياة الأبديَّة، وحوَّلوا الموت من نهاية طبيعية أو مجهول مُخيف، إلى شيء ما زال مُخيفًا، ولكنهُ على الأقل، واضحُ المعالم! فهُناك «بروشورات» تعليمية تفصيليَّة عند الكهنة، حول ما سيحدُث وكيف يحدث، وكيفَ يُمكنُ تجاوزه بشكل آمن، وبهذا أيضًا، استكانت غريزةُ البقاء، لهذه الحبكة التي لا تُهدد استمرارية الوعي، ولو كانت مُدمِّرة للأعصاب!

من الغَريب، أنَّ تطوُّر الذكاء البشري، يعني المزيد من الحاجة لسد الفراغات المعرفيَّة، وأحيانًا، كيفما اتَّفق! فلا بُد على ما يبدو من مُعادلة تحطيم المجهول، للشُّعور بأنَّ الحياة طبيعية، وما زالت تحت السيطرة المُطلقة للإنسان، الكائن القادر نسبيًا، على فهم حوادثها بالعاطفة الذكيَّة.

وما زال «الموت» باعتباره كلمة ومعنى وحدثًا، يُثيرُ الرَّهبة في الإنسان الغارق إلى أذنية، في غريزة البقاء وتحاشي الألم!

الخُلاصة، الحَياةُ ومعانيها ومخاوفها وأبعادها،

هي بالتَّأكيد – من وجهة نظري الخاصَّة – جاءت

من أعماق ذلك الدِّماغ المُتطوِّر، الذي يحملُ الداءَ

والدواءَ معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد