القواسم المشتركة للربيع العربي

خلال الأشهر الماضية شهدت الساحة العربية موجة عارمة من الاحتجاجات والمظاهرات، أعادت إلى أذهاننا الذكرى الخالدة للربيع العربي في 2011م، في السودان، والجزائر، ولبنان، والعراق، وقد مثلت هذه الاحتجاجات إعادة أمل للمقهورين والمسحوقين في أمتنا.

وهذه نقطة محورية في التأسيس الفكري للثورات والمظاهرات الشعبية في المنطقة العربية؛ إذ إن بعض الباحثين يعد الربيع العربي 2011م مجرد تجربة ثورية أنتجت مجموعة من الإيجابيات، ومجموعة كبرى من الإخفاقات، وما يحدث في 2019م فعل ثوري مفارق لتلك المرحلة، لا يمت لها بأي صلة، والربط بين المرحلتين يمثل خطرًا كبيرًا على الوعي العربي، وخاصة حين نتصادم مع مجموعة من الإخفاقات المستقبلية؛ فستكون خيبة أمل لا مثيل لها في أي أمة.

وهذا الطرح الحذر قد تؤيده مجموعة من الوقائع والأحداث الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، في كل مجتمع عربي، إلا أن الارتباط بين ثورات الشعوب العربية واضح بشكل لا يمكن تجاهله؛ فتلك الرؤية تنطلق من موقف فكري مؤسس على فكرة جغرافية قطرية تزعم أن حدود سايكس بيكو هي الحدود المؤطرة للفكر والسياسة والوعي، واهتمامات الجيل العربي، كما هي مؤطرة للجغرافيا وهذه مغالطة فكرية تتجاوز معطيات الثقافة العربية المشتركة، والدين، والتاريخ، والقضايا الواحدة بين جميع أبناء الأمة العربية، وإن كان المتابع لهذا الغليان الشعبي يلحظ تباين الدوافع والمطالب بين مجتمع وآخر؛ إلا أن ثمة اتفاقات أجمعت عليها الشعوب العربية في ربيعها للعام 2019 تؤيد اتحاد المسار الثوري العربي، وأن الربيع العربي مهما تباينت ميادينه واختلفت شعاراته، فهو في المحصلة فعل واحد يعبر عن الشعوب المقهورة توحدها مطالب مشتركة مهما اختلفت السياقات الزمانية والمكانية.

وأولى هذه المحركات ملل الشعوب وغضبها من الثورات المضادة، من خلال رفع شعارات مناوئة للإمارات التي تعد قطب الرحى في تمويل كل الثورات المضادة للربيع العربي 2011 وهتافات منددة برمزية الثورة المضادة، المتمثل في شخص السيسي طاغية مصر، فحين نتابع مظاهرة في الجزائر، أو مظاهرة في لبنان، أو احتفالية في عروس الربيع العربي تونس، أو وقفة في السودان، فكأن الشعوب في كل هذه البلدان اتفقت على الخروج على السيسي، ومن ثم تفرغت للقضاياها الهامشية، ولعل أجمل ما جذب انتباهي في كل هذه الاحتجاجات إجماعهم على قول: يا رب مصر.

والدافع الثاني من دوافع الفعل السياسي العربي في هذه الثورات في جميع الميادين العربية، إجماع الثوار على مركزية القضية الفلسطينية، وأنها ما كانت ولن تكون قضية فلسطين وحدها، بل هي قضية الأمة، وحين تأملت في عفوية المتظاهرين المؤمنين بهذه القضية، وحماستهم تجاهها؛ أدركت أن عوامل الوحدة العربية هي: الإسلام، واللغة العربية، ووحدة الجغرافيا، وقضية فلسطين، والظرف التاريخي، والمصير المشترك.

والدافع الثالث المشترك بين الشعوب العربية كمحرك للفعل الثوري هو الفساد، وسوء الإدارة المالية؛ فقد جاء في آخر مقياس للفساد العالمي الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية للفترة 2015 والعام 2016، أن نسبة الرشوة بلغت أعلى مستوياتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنة بمناطق أخرى في العالم وفقًا لأجوبة المشاركين في المسح، إذ أفاد الثلث منهم بأنهم دفعوا رشوة مقابل الحصول على خدمة في القطاع العام في تلك السنوات، وكشف مؤشر مدركات الفساد للعام 2018 عن عجز معظم البلدان في المنطقة على إحراز أي تقدم في مواجهة الفساد، والمشكلة الجوهرية المتمثلة في الفساد في المنطقة العربية أنه فساد ممنهج ومتجذر في بنية المؤسسات والإدارات العربية، وإن كانت تقارير المنظمات الدولية تحذر دومًا من الفساد في المنطقة العربية، وترصد مظاهر الفساد من خلال مؤشرات عالمية ذات معايير واضحة ودقيقة، وترصد العديد من البرامج التي تستهدف تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفساد، إلا أن الحكومات الغربية وصاحبة النفوذ في المنطقة العربية تدعم الفساد وتؤيده، إذا كان يحقق لها أهدافها ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة؛ فقناة الحرة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية تحدثت عن الفساد في الجماعات الطائفية الحاكمة في العراق، التي تحكمت في كل مفاصل الحياة في المجتمع العراقي، عقب الاجتياح الأمريكي في 2003، فما لبثت أيامًا إلا وأُغلقت، والسيسي بالنسبة لترامب الديكتاتور المفضل.

وهذا الفساد المالي في الإدارات الحكومية في المجتمعات العربية، ولَّد العديد من المشكلات التي تمس حياة المواطن العادي وتحرمه من أبسط مقومات الحياة الكريمة، بدءًا من تباطؤ النمو، وعجز الموازنة، وارتفاع المديونية، وتفشي الفقر والبطالة، فضلًا عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ فكل هذه مظاهر لعوامل الثورة الشعبية في المنطقة العربية، فعلى محركي الثورات المضادة أن يدركوا أن ما دامت هذه باقية؛ فالحراك الثوري سيستمر مهما كانت الإخفاقات، سنة الله التي لن تتحول.

والدافع الرابع من دوافع الفعل الثوري المشتركة بين الشعوب العربية، خرق العقد الاجتماعي بين الحكومات والشعب؛ فمنذ 2011م التي يمكن أن نقول إنها المرحلة الأولى لثورات الربيع العربي، تشكل الوعي السياسي لقطاع كبير من أبناء الأمة، فلن تستطيعوا إلهاءهم بشماعات الإرهاب، أو سياسات التخويف والتجويع والتخوين؛ فقد خرج من رحم الربيع العربي جيل لا يرضى إلا أن يعامل بكرامة ولا يرضى أن يكون حاكمه إقطاعيًّا يعامل الشعب كما كان النبلاء في المجتمعات الأوروبية يعاملون شعوبهم، ولا يرضى أن يكون حاكمه رأسماليًّا يتاجر بمعاناة شعبه، ويستثمر المال العام وكأنه مال حققه من أمه وأبيه؛ فالشعوب العربية تسعى من خلال ثوراتها إلى تحقيق وظيفة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، بفعل تشاركي في نظام ديمقراط،ي لا يتجاوز أيٌّ من الطرفين حدوده المرسومة له من خلال هذا العقد، وهذا النضال الشعبي نحو الديمقراطية متحقق لا محالة؛ فليس ثمة مخرج للنخب الفاسدة ومسيريها إلا الإذعان لإرادات الشعوب والاستجابة لمطالبهم، وما تونس عنكم ببعيد.

والنظر في هذه القواسم المشتركة من الدوافع والأسباب يجعلنا ندرك أن الربيع العربي مر بمنعطفين ومسارين مهمين في حياة الشعوب العربية ويمكننا القول أن الموجة الأولى للربيع العربي في 2011م كانت مرحلة الإدراك؛ فقد أدركت الشعوب خلال تلك المرحلة وما تبعها من ثورات مضادة، خطر الحكام وفسادهم، وأنهم مجرد بيادق في أيد خفية توجهها الدول العظمى المتصارعة على مصالحها السياسية والاستراتيجية، والمرحلة الثانية هي مرحلة الوعي في 2019م، فقد وعت الشعوب العربية من خلال التجارب السابقة التي حدثت في 2011، فأدركت خطر العسكر من خلال استحضار نموذج مصر، وفهمت ضرورة بناء مناخ ديمقراطي واحتواء الثورة المضادة من خلال استحضار نموذج تونس، واستحضرت خطر الاحتراب الداخلي وأن فتيل الأزمة قد يكون من خلال تأجيج صراعات طائفية إثنية من خلال حضور نماذج سوريا، وليبيا، واليمن، والعراق فهذا الوعي الذي تشكل عند جميع الشعوب العربية يقابله وعي مضاد عند صانعي الثورات المضادة، غير أن سنة الاجتماع البشري قائلة إن الشعوب لا تستلم لجلاديها، ولن تحكم الأمم إلا بإرادتها، ولعل المرحلة الثالثة من ثورات الربيع العربي القادمة من بعض دول الخليج في المقام الأول، أو الأردن وبعض بلدان المغرب كدرجة ثانية، ستكون ثورات التصحيح لهذا المسار الثوري وسيدرك الجميع حينها أن الربيع العربي مارد لا يقهر.

فقد صنع الربيع العربي مسارًا ثوريًّا لم يكتمل بعد وما زالت معالمه تتشكل في الوعي والفكر والممارسة، والفعل الشعبي، ولعل هذا المسار الثوري المستمر يجعل الفاعلين إقليميًّا ودوليًّا وأدواتهم من ذوي الزعامات الهلامية يدركون أن الشعب العربي صاحب يقظة، لا يمكن لأي فعل مضاد إبادتها فما زال الزخم الثوري يغلي في صدور الشعوب كغليان الماء في القدور فالشعوب العربية تنظر بأمل وإكبار إلى شعب مصر الذين انتفضوا في سبتمبر على الطاغية السيسي في تحرك لم يكن لأحد أن يتوقعه في ظل القبضة الحديدية للعسكر وينظرون بإجلال إلى الجزائر، والسودان، والعراق، ولبنان ويتفاعلون مع هذه الأحداث بأنها الصوت المعبر عن طموحاتهم والأمل الذي ينسيهم بعض آلامهم.

وهذه سنة طبيعية من سنن الاجتماع البشري علينا التسليم بها، والتعامل معها، فلن يفيد حكم المجتمعات العريضة بأقليات إثنية تستنزف مقدرات الشعوب، ولن يفيد دعم الجماعات الإرهابية ومن ثم محاربتها، ولن يفيد دعم التطرف بأي وسيلة كانت، فالشعوب العربية قد سأمت كل سياساتكم وباتت كل مخططاتكم مكشوفة فالشعوب مهما انشغلت بأقواتها ومعايشها، فإنها حين تثور لن ترحم المستعمرين وأدواتهم؛ فالشعوب لن تحترم إلا إرادتها وقرارها الذي سينطلق يومًا ليهدم قصوركم عليكم، وعلى كل مؤامراتكم، هذا ليس خطابًا ثوريًّا حماسيًّا، بل هو حقيقة اجتماعية لا محالة أننا صائرون إليها وسنن الدهر علينا تترى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد