قد يبدو العنوان صادمًا في اللحظة الأولى، إذ كيف يكون المسلم الوحيد الطيب هو ذاك الذي لم يعد مسلمًا؟ والصيغة وردت على لسان الباحث الفرنسي في الجماعات الإسلامية فرنسوا بورجا صاحب كتاب: «الإسلام السياسي صوت الجنوب» الذي قام بترجمته للعربية الدكتور لورين زكري. إذ يبين بورجا أن المسلم الوحيد الجيد أو الطيب (بالمنظار الأخلاقي) عند النخب الفرنسية هو ذاك الذي لم يعد مسلمًا. فما الذي تعنيه عبارة لم يعد مسلمًا؟ إنها لا تعنى تغيير العقيدة والتحول نحو ملة أخرى كالمسيحية، واليهودية، أو البوذية، أو الإلحاد، وإنما تشير إلى المسلم الذي يبقى مسلمًا دون أن يكون كذلك طقوسيّا، ودون أن يكون عدوّا للاستعمار الجديد، وللاستغلال العولمي الغربي للعالم الإسلامي. إنه المسلم الذي لا يصلي، ولا يصوم، ولا يأكل الحلال، ولا يرفض الصهيونية، بل يبارك التطبيع مع إسرائيل، ويزدري القضية الفلسطينية ويشوه مقاومتها، ولا ينقد اللائكية الفرنسية المتطرفة، ويقبل الدور الاستعماري لفرنسا باعتبارها منقضة للمسلمين من الهمجية، ويثبت حداثته بمفاحشة النساء ومعاقرة الخمر ليل نهار. ويندد بالخمار، والحجاب، والنقاب، وكل لباس محافظ للمرأة المسلمة، ويفهم السفور كتعرية للصدور. ذاك هو المسلم الوحيد الطيب في عرف النخب الفرنسية اللائكية المتطرفة واليمين المسيحي الإنجيلي الصهيوني المتطرف، ومن والاه من العرب، والعجم، والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.

إن النخب السياسية الغربية عامة، والفرنسية خاصة، لا تريد مسلمًا مفكرًا ناقدًا لوضع التبعية والهيمنة التي يرزح تحتها العالم العربي والإسلامي، بل تريد مسلمًا طائعًا مواليّا خاضعًا لإرادتها ولرغبتها في الهيمنة والسيطرة والتحكم، وفي استغلال الثروات الطبيعية التي يزخر بها العالم الإسلامي من المحيط للمحيط وترفض كل رغبة في توجيه تلك الثروات وطنيًّا وقوميًّا ومليًّا، لخدمة شعوب المنطقة وتحقيق توقها للعدالة الاجتماعية والرفاه. فتلك النخب الفاشية والعنصرية لا تنظر للمسلمين إلا بمنظار التبعية، والرجعية، والظلامية، والوحشية، والهمجية، وهي نفس النظرة التي برر بها الاستعمار الغربي دخوله للدول العربية والإسلامية والهيمنة عليها طيلة القرون الثلاثة الأخيرة. مدعيًّا أنه إنما جاء محررًا من التوحش الثقافي لثقافات تمتد لآلاف السنوات قبل الحضارة الغربية، بل كانت رافدًا من روافد تطورها. إنها نظرة عنصرية صليبية للشرق ليس لها من غاية في الحقيقة، إلا نهب ثروات الشرق وهو نفس الدافع الذي قادت به الكنيسة حروب الرب الصليبية تجاه الشرق الإسلامي الغني بالذهب والفضة. فالجحافل القادمة من الغرب خلال الحروب الصليبية لم يكن يعنيها الرب بقدر ما كان همها الحصول على ثروات الشرق الغني جدًا في تلك الفترة، وهي نفس النظرة التي تحرك الغرب تجاه الشرق الذي لا يحملهم نحوه إلا الثروات الطبيعية، ولو لم يكن كذلك لما كان له أي دور في سياساتهم الخارجية، ولا ترك لمصيره. إن ترامب والترامبية تمثل التعبير الحقيقي والدقيق عن النظرة الحقيقية للغرب نحو الشرق فهو بالنسبة إليه ليس إلا مغارة لصوص حكاية «علي بابا والأربعين لصًا».

هل فقط النخب الفرنسية اللائكية المتطرفة وحدها تريد مسلمًا لم يعد مسلمًا؟ والجواب بالطبع لا؛ لأن النخب العربية والإسلامية التي تربت في أحضان النخب الغربية، والتي لم تتجاوز علاقة الوعي التابع لتلك النخب تريد نفس الشيء. بل تقود حملات شعواء ضد كل مسلم يفكر خارج النظام وتتهمه بالتطرف والإرهاب، وأنه من دعاة التكفير وغيره من التهم الجاهزة التي أعدها لهم صناعهم الغربيون. فليس من حق المسلم حسب تلك النخب أن يقوم بواجباته الدينية العادية التي يمارسها كل أتباع الأديان الأخرى، وليس من حقه أن يدافع عن القضية الفلسطينية، وإن فعل ذلك فهو عند بعضهم إخوانيّا إرهابيًا ظلاميًّا، ولا يكون حداثيًّا ديمقراطيًّا، إلا إذا قبل التطبع مع الحركة الصهيونية التي تحمل فكرًا عنصريًّا ماضويًّا يتناقض مع اللائكية الفرنسية في كونه قائمًا على أسس دينية توراتية في حين ترفع اللائكية الفرنسية شعار معاداة المقدس، ولكن أي مقدس: إنه المقدس الإسلامي فقط. فرئيس فرنسا الذي يقود حملة شعواء ضد المسلمين هناك بدعوى مكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي، ودفاعًا عن قيم الجمهورية له منصب كنسي أعطاه إياه البابا نفسه، فكيف تستقيم قيم الجمهورية مع هذه الصفة الكنسية لرئيس أكبر دولة لائكية في العالم؟ والنخب العربية والإسلامية التي تقف في نفس صف الرئيس الفرنسي لا تتوجه في نقدها للمقدس إلا للمقدس الإسلامي فمن الشرعي بالنسبة لها رسم صور عن نبي الإسلام فذاك من حرية التعبير، ولكن رسم صور عن السيد المسيح، أو النبي موسى يعتبر معاداة للسامية تستوجب العقاب والتنكيل. إذا لا نجد لها نصًا واحدًا ناقدًا للتطرف اليهودي في إسرائيل أو التطرف المسيحي الذي يسيطر على السياسة الأوروبية والأمريكية تجاه الشرق العربي والعالم الإسلامي عمومًا، وما تقوم به تلك الأطراف من تحالف مع كل من يضطهد المسلمين في بقية دول العالم مثلما يحدث في الهند أو الصين، ولا ننسى جائزة نوبل للسلام التي أسندت لسيدة بورما التي أحرقت جثث آلاف من المسلمين بالتواطؤ مع المتطرفين البوذيين.

إن التطرف والتوحش مرفوضان مهما كانت اللافتة التي يجلسان تحتها دينية أم سياسية. فلا أحد يمتلك حدًا أدنى من الإنسانية يقبل ويشرع قتل الأبرياء والاعتداء على المسالمين مهما كانت المبررات التي يقدمها البعض لذلك. كما أن الإسلام لا يقدم مبررًا لقتل الناس عشوائيًا ودون وجه حق، بل يعتبر ذلك قتلًا للإنسانية كافة: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» المائدة. فلا يمكن المزايدة على الإسلام في حرمة النفس البشرية وقيمة الحياة. ولا يجب أن ننسى جميعًا أن من يغذي التطرف في العالم العربي والإسلامي إنما هو الجهل والاستبداد، فالتصحر الفكري وطمس كل إمكان لتعلم الدين طبقًا لقواعد موضوعية وعلمية من قبل مؤسسات حافظت تاريخيّا على النظرة العقلانية الإنسانية للمقدس، مثل مؤسسة الزيتونة في تونس، والأزهر في مصر، هو الذي ساهم في انتشار الجهل بالإسلام وترك فراغًا وجدته الجماعات المتطرفة والمذاهب الفاسدة مرتعًا خصبًا لتظلل به شباب الأمة، ومما زاد الأمر تعقيدًا المستبدين الذين يمارسون كل أشكال التنكيل بالشعوب العربية والإسلامية بتشجيع ودعم من الغرب الذي لا يعنيها إلا استغلال ثروات المنطقة ونهبها.

إن إعادة الاعتبار لهذه المؤسسات العلمية والتحرر من كل أشكال الهيمنة هما السبيل الوحيد للقضاء على التطرف الذي تستغله القوى الغربية لمزيد بسط نفوذها على المنطقة. فلا تتحرر إلا عبر تحرير العقل والوجدان والإرادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد