خلق الله أعيننا وسط رؤوسنا، جعل لنا حواسًا مختلفة حتى ننظر، ونسمع، ونلمس، ونتذوق، ووهبنا عقلًا، وقلبًا، للقدرة على الإدراك والوعي لكي نعرف ونتعلم ونختار، لذلك ليس على المجنون حرج لأن إدراكه قد سُلب منه رغمًا عنه، لكن ليس من حق أحدٍ أيًا كان أخذ ما اختصنا الله به ويلغي لنا إدراكنا أو حقنا في التعرف على الحقيقة.

فالمعرفة حق أصيل لكل إنسان حي ولا يوجد مبرر لمنعنا عنها، قد يتحجج البعض قائلين: ليس على الجميع الاطلاع على كل شيء، وليس من حق المجتمعات معرفة غير ما يُسمح لها الإلمام به. إنها كلمات معادة سمعناها على مر الزمن وقرأناها في كتب التاريخ، وكانت كل أمة تبرر مسببات الحجب حسب رؤية سادتها، ولا تسمح غير بانتشار أفكار محددة بعينها دون مجال لمناقشة أو معرفة لغيرها؛ ليصبح مجرد الخروج عن نسق واحد أو نغمة واحدة هو مصيبة كبرى، وجريمة لا تغتفر، ويوصم صاحبها بأفظع التهم.

ولا نعرف لماذا لزامًا علينا أن نظل أعوامًا نسير في نفس الطريق حتى لو كان ذلك الدرب خربًا، أو قد يرشدنا للهلاك فلا نصل أبدًا، بينما نفقد دروبًا أخرى كثيرة سعيًا وراء الطريق الوحيد الذي خطونا به، وتفلت معه فرصة الخروج من مأزقنا ومعها أعمارنا.

وكأن الاختلاف لعنة قد تصيب أمة ما، بالرغم من أنه سنة كونية موجودة في كافة التفاصيل الحياتية حولنا، فالحياة تضج بالمتغيرات والتباين في كل شيء، فلننظر إلى حجم التنوع الرهيب في الكائنات الحية، يتواجد في العالم ما لا يقل عن 150000 نوع من الفراشات، هكذا نتكلم عن فصيل واحد من المخلوقات!

إننا لا نحتاج إلى تدقيق ما أو قوة بصرية مذهلة حتى نكتشف مدى التباين في أشكالنا وألسنتنا! لذا علينا أن نتساءل، لماذا لا يمر ذلك التباين في الأفكار والتوجهات والمذاهب بنفس اليسر الذي نرى فيه تعدد المخلوقات حولنا؟ لمَ كل هذا الغضب من الخروج عن الدرب المرسوم لنا، وكل تلك الحجج والدعوات للسير على طريقة واحدة؟ هل السير معصوبي الأعين سيؤدي بنا إلى حالة من الهدوء والاستقرار، أو كما يزعم البعض أن الاختلاف يظُهر الخلاف والشقاق ويهدد النسيج الواحد؟ إن تلك مغالطة كبرى لأن الخلاف والعنف في ردود الأفعال ينشأ من رفضنا لتقبل دروبًا مختلفة أو آراء مغايرة؛ من عصب أعيننا، وإلغاء عقولنا لنغالط طبيعة حياتية حولنا.

لقد نشأنا منذ الصغر على رفض المختلف عنا أيًا كان، لكننا لو فتحنا عيوننا لوجدنا الاختلاف شيء طبيعي، لا يحتاج لكل ذلك الإنكار، أو لمواجهة الآخر بالسخرية للإقلال من شأنه، أو تشويه سمعته، أو أن تصل الأمور لاستخدام القوة والعنف عند الإصرار على إلغاء تواجد المختلف، يقول الدلاي لاما: السلام لا يعني غياب الصراعات، فالاختلاف سيستمر دائمًا في الوجود، السلام يعني أن نحل هذه الاختلافات بوسائل سلمية عن طريق الحوار، التعليم، المعرفة، والطرق الإنسانية.

إن لزومية النسق الواحد، وترديد نفس الألفاظ والأفكار تقتل روح الابتكار والخيال والتقدم والسلام، بينما نحتاج بشدة لسماع الأفكار المختلفة الخارجة عن الصندوق، والاستفادة من تباين البشر في فكرهم وعقائدهم وعاداتهم، ولرؤية عوالم أخرى خارج فقاعاتنا المحدودة، لمن يخرجنا من على شريط القطار الصدئة، ويذكرنا أننا بشر لنا القدرة على التفكير والاختلاف، والتخيل والتفكير، من يشجعنا على التحليق بأجنحتنا كاملة في سماء الحياة، وليس الجمود في نفس المكان بأجسام مكبلة ونفوس مشوهة، ووصم بعضنا البعض بأبشع الصفات، وأن نغرز خناجر التخوين في الدين والوطن لكل من أراد تمهيد طرقًا مختلفة للسير فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!