ما هو المجتمع المفتوح؟

يقول الأدباء: إن المرأة في الرواية ليست جميلة «للغاية»، بل هي فاتنة. والسماء ليست زرقاء «جدًا»، بل لازوردية. اعثر على الكلمات الملائمة لتجنب استخدام الظرف والحال مثل العُكازات. فها نحن قد عثرنا على الكلمات الدقيقة للمجتمع الذي نريده عند كارل بوبر في رائعته: المجتمع المفتوح وأعداؤه.

وهذه محاولة متواضعة لإسقاط هذا التوصيف على المجتمع السوداني.

المجتمعُ السوداني بتكوينه الحالي ومنذ بدايات تشكُله في إطار الدولة القطرية لم يكون مجتمعا مفتوحًا قط، بل كان كثير الانغلاق على ذاته الجهوية أو المناطقية أو حتى الدينية! مما أدى لكثير من الصراعات والحروب والتصدعات التي ظهرت جليةً في الأطراف بين تلك المجموعات وبعضها البعض والجنوب مثالا. ولاحقًا إنتاج  النخب السودانية الثنائية الهامش والمركز التي انبنت عليها فيما بعد الكثير من التحاليل والقراءات السياسية لمعالجة ومقاربة المشكل السوداني.

ما هو المجتمع المفتوح؟

من منظوري أن ذلك المجتمع الذي تعيش وتتعايش فيه الجماعات بسلام على اختلاف أعراقها ودياناتها وأفكارها وتوجهاتها. كل يجد فيه نفسه ممثلة ومعبر عنها، بل أكثر من ذلك هو مجتمع منفتح على المجتمعات الأخرى يأخذ منها ويعطي لها في خضم تفاعل طبيعي منتج. مصدره عقد اجتماعي من رحم المجتمع نفسه يُحدِد الحق والواجب على أساس أنهم أعضاء فيه.

كيف نُحقق ملامح هذا المجتمع المفتوح؟

بالنظر لمكونات المجتمع التقليدية في فضاءات الاقتصاد والدين والسياسة يمكننا فهم التركيب الاجتماعي، وإزالة الأغاليط والمحاذير التي تعيق بناء وأسيسة المجتمع وانفتاحه على الآخر عبر عمليات الحوار وقبول الآخر والاعتراف به. وكما يُقال بأن الإنسان بوصفه ناطقًا إنما يمارس علاقته بوجوده كفعل تواصلي عبر المحادثة مع الآخر1. وهنا نجد أنه من المفيد أن نخوض في استعراض سريع لهذه الفضاءات كل على حِده.

أولًا: الفضاء الاقتصادي

يمتهن معظم أهل السودان الزراعةُ والرعي في الجغرافيا الطرفية، في مجتمعات منغلقه على نفسها نسبيًا. وبالتالي تدور دورتها الاقتصاديه من غير ضوضاء ولا طموحات كبيرة؛ مما يجعلها مجتمعات ساكنه لا تؤثر ولا تتأثر بالآخر خارجها! ومجتمعات مدينية تعتمد على الوظائف في القطاعين الخاص والعام في المركز، وهي أقل تسامحًا مع الآخر المختلف على الرغم من وعيها المرتفع نسبيا، وأكثر تأثيرًا في البناء المجتمعي وتشكيل الرأي العام، وكليهما  مهم بالطبع.

ثانيًا: الفضاء الديني

معظم أهل البلاد يعتنقون الإسلام، والباقي موزع بين المسيحيين واللا دينيين في بعض المناطق، ومع ذلك هنالك تجاذبات داخل المسلمين أنفسهم، بين المتصوفة والجماعات السلفية على سبيل المثال، بل وحتى داخل السلفية نفسها.

ثالثًا: الفضاء السياسي

بناء على الخلفية الدينية والاقتصادية تشكلت ثنائية اليسار واليمين، والتي هي من أوضح تناقضات المجتمع من جهة فشله في إدارتها، عبر تاريخ السودان من الاستقلال وحتى الآن، وبرز هذا في إخفاق النخبة السياسية في بلورة عقد اجتماعي متفق عليه، ونشأ على إثر هذا الإخفاق الصراع الأيدلوجي اليميني/اليساري، والذي تقول قاعدته غير المكتوبة إن من يغلب فيه يسيطر على الإعلام والتعليم ويضع القوانين المنظمة لحركة الدولة والمجتمع. وبالتالي يدخل المجتمع في حركة دائرية حول نفسه تعيقه من أي عمليات تقدم في بنائه وتماسُكه.

من هم أعداءُ هذا المجتمع؟

أعتقد أن أعداءهُ هم أصحاب المشروعات السياسية المهزوزة، الذين يريدون فرضها فرضًا،أي كانت طبيعةُ هذه المشاريع، والحرس السياسي القديم، وبعض الرموز القبلية للمجاميع والتكتلات الإجتماعية الغارقة في قبليتها، بوصفها جنسًا مختارًا لا مكونًا اجتماعيًا، الذين يخافون فقدان صلاحِياتهم وبالطبع نفوذهم. وأيضًا المنغلقون على ذواتهم أصحاب الأفكار البالية الذين يرفضون تفاعل الأفكار في المجتمع. وهم لا يدركون أن ديناميات تطور المجتمعات لا تنتظر أحدًا فهي ماضية وإن طال الزمان.

من هُنا على المجتمع ممثلًا في كل قواه الحية الاجتماعية والسياسية، الاعتراف بالآخر كشرِيك في الوطن، والتوافق على أرضِيات مشتركة للعيش، تكفل حرية الرأي الاعتقاد والتفكير السياسي وصولًا لتكوين مجتمع مفتوح وآمن في نفس الوقت.

إِذًا وببساطة على كل صاحبة بضاعة عرض بضاعته في الفضاء السياسي والاجتماعي والديني، وعلى المجتمع أن يختار. وأن يُدار الخِلاف والاختلاف الذي سينشأ حتمًا بآلياته الطبيعية، وثقافاته المحلية من الحوار والتناظر والتعاذر وما إلى ذلك.. داخل أسوار القبول بالآخر.

ما نطمحُ له هو ليس اعتقاد فِكر الآخر أو انتحال ماهِياتُه الثقافِية، بل الاعتراف له بحق الوجود بكل تموضعاته واختياراتهُ، ما لم يتخذ للعنف سبيلًا. كما علينا استثارة العقل الجمعي ودفعُه إلي زيادة المجهودات في اكتشاف أخطائنا المجتمعية وإقصائها. وبهذا نستطيع تأثيث مجمتع مفتوح، لا نقبل فيه الآخر فقط وإنما نحترمهُ.

وأريد أن أختم وأقتبس معًا: فكارل بوبر يعتبر أن القلق الديني والفلسفي، إنما هو قلق أبستمولجي إلى حد كبير. سماه نِتشه العدمية الأوروبية، وسماه بندا خيانة الإكليروس. وكان الشيخ كزينوفان قبل سُقراط يعتقد بأن الإله لم تكشف لنا كل شي منذ البداية. لكننا بالبحث المستمر ندرك الأفضل 2، لنا ولِمجتمعاتنا. فطريقنا لذلك المجتمع يمرُ بالضرُورة بجِسر قبول الآخر هذا ما يقوله التاريخ القدِيم والحدِيث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s