كان أحد جيراننا شيخًا كبيرًا، ورجل دين -رحمه الله- كثرت عنه الإشاعات والأقاويل؛ بأنّه يظطهد أولاده بحجّة فرضه لمصلحتهم، والأقوال تمادت بين الجيران، إلى أن وصل الحال لتلفيق الأساطير ضد هذا الشيخ المسكين، وقالوا إنّه سبب في مَرَض ولده، الذي يعاني ربما من الاكتئاب، وهذا المرض جعله يترك دراسته الأكاديمية.

والحقيقة كما يقول هذا الشيخ: إنّ ولده كان يريد المعرفة والتعمق أكثر في علم الجن، والشعوذة، وما شابه من هذه الخزعبلات الخرافية، الناتجة عن الجهل الفكري، وسذاجة الناس، وكان يريد ترك أكاديميته لأجل هذه الخرافات، ويتابع الشيخ -في إحدى مشاجراته مع ولده التي شهدتها- قائلًا: إنّ هذا -يشير لابنه- قد دمّر مستقبله، لأنه يريد دراسة أشياء جاهلة، قد مر عليها مئات السنوات؛ ولأجل هذا يريد ترك كلية الطب، فردّ ولده: كلّا، أنت دمرتني!

لا أعرف أين الحقيقة؟ هل هي بالأعلى مع الشيخ؟ أم بالأسفل مع ولده؟، يبدو لي أن الاثنين مخطئان. فالواضح وضوح الشمس أن الشيخ هذا يضطهد أولاده، ربما لمصلحتهم، لا أعلم، في النهاية المصلحة لا تأتي بالإكراه، وبالنسبة لولده، فهو أيضًا مخطئ، من حيث إنه يريد دراسة الخرافات، والتفرغ لهذا الأمر، وواضح عليه هذا من خلال تصرفاته وأخلاقه.

على أية حال، فإن الدولة العراقية، والمجتمع العراقي مثل هذه القصة؛ أي إن الدولة مثل هذا الشيخ، تضطهد الشعب المسكين، وبعدها تقول كلّا لم أضطهد، وإن الشعب عليه السبب الأكبر، وللدولة مبررات بعضها قد يكون مقنعًا، وأما ولده فهو الشعب، ليس بيده حيلة فهو يريد تغييرًا، لكنه لا يستطيع؛ لأن الدولة أصبحت أمرًا واقعًا، فُرضت عليه بالقوة، وحتى لو تغيّر، فتبقى رؤوس الأحزاب الكبيرة تسرق به.

الدولة العراقية، والحكومة بالتحديد؛ تشتري المهانة بالأموال، وهي تهين نفسها بنفسها، على سبيل المثال تقرير قناة العراقية، القناة الرسمية للدولة، تحدث التقرير عن شبكات الدعارة في العراق، ولا أعلم لِمَ الحكومة تدع جلاوزة إعلامها ينقلون الحالة للناس؟، ربما كي يزرعوا اليأس داخل الناس، أو أنهم ليسوا بحكومة، وإنما بائعي البطيخ، وهذه إهانة أهانت الحكومة نفسها بها.

ومثال آخر هو الطاقة الكهربائية؛ منذ القرن العشرين، والعراقيون يعانون من هذه المشكلة، مشكلة الكهرباء، قبل فترة في شهر رمضان أعلنت الوزارة العظيمة أنها ستقوم بحملة صيانة، وستقل الطاقة الكهربائية بالعراق لمدة أسبوع.

الوزارة العظيمة إن كانت تعلم بأن درجة حرارة العراق برمضان 44 مئوية، فتلك مصيبة، وإن كانت لا تعلم فالمصيبةُ أعظم! يبدو أن السيد الوزير لا يعلم أين يقع العراق؟ ربما يُخيّل له بلدنا دولة مجاورة لروسيا الشقيقة، ولا أعلم لِمَ يجعل الصيانة في رمضان بالتحديد؟ على أية حال؛ فالدولة في هذا البلد تحكم بصورة فوضوية، وكُلٍّ يدّعي أنّه «جيفارا» زمانه.

المعارضة في العراق

قبل أيّام حدثت الانتخابات في العراق، وكان الأغلب متفائلًا، أما البعض كان معارضًا.

بعض المعارضين في هذا الزمن أغبياء جدًا، منهم من يدعو لمقاطعة الانتخابات، ومنهم من يدعو للمعارضة العسكرية، ومنهم من يدعو للمعارضة الصحفية، وإعلاء المدنية. ومن دعى للمقاطعة هو مثل الذي يحفر ولا يجد نهاية؛ لأن الانتخابات تستمر لو شارك شخص واحد فقط، وأما من يدعو للمعارضة العسكرية، فهو يدمر بلده بيده، ويعرض وطنه للخطر، ومن يدعو لمعارضة الكلام المدني، فلا حياة لمن تنادي.

المعارضة فن، ويجب على المعارضين تعلم ذلك الفن مما فعله «علي بن أبي طالب» في عهد «عثمان»، حيث في خلافة «عثمان» -كما يقول المعارضون له- كان فيها الأخطاء الكثيرة؛ منها إنه يُعيّن أقاربه في مراتب الدولة الكبيرة، فأصبحت الدولة في عهده مستنقعًا للفساد، ومحلًا لسارقي المال العام.

والمعروف دائمًا أن الحكّام وزعماء الأحزاب يرون في أخطائهم صوابًا، والمعارضة والنقد الدائم غالبًا ما يأتي من الشعوب والأمم، لكن من غير الطبيعي ظهور المعارضة من مؤسسي الحزب، أو من رواد الحزب وقادته، وشخصية «علي بن أبي طالب» في الإسلام ليست هيّنة، فهو يحظى بمكانة قيادية في الإسلام، وله مؤيدون، ومعارضته لـ«عثمان» قد زرعت داخل الناس نوعًا من الشك.

في نهج البلاغة، الجامع الشيعي لخطب «علي بن أبي طالب»، وحكمه وأقواله، تصفحت قبل أيام هذا الكتاب، فوجدت أنّ «عليًّا» قد أجاب حول مقتل «عثمان» قائلًا: «لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلًا أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِرًا، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَمَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي».

ما فهمته أن «عليًّا» لم يأمر بقتل الخليفة الثالث، وبنفس الوقت يقول ويعترف أنه لم ينه عن قتله، وهذه الكلمات قد ظلّ يتداولها الناس، أعتقد أن هذه الكلمات قد أضاف الرواة والمؤرخون عليها بعضًا من البهارات، وزادوا بها ونقصوا، على كُلٍّ فإنّ «عليًّا» ذكي جدًا، وأعجبني ذكاءه هذا، فهو عارض «عثمان» بلسانه، لما لاقاه نظامه من ظلم وما شابه، وبهذا يكسب المعارضين الغاضبين ويهدئهم، مثل «عمّار بن ياسر» مثلًا، صاحب النبي «محمد»؛ وبنفس الوقت قد أرسل «الحسنين» ليحمي بيت «عثمان»؛ وبهذا يكسب المؤيدين للخليفة، مثل «عائشة بنت أبي بكر»، زوج النبي «محمد».

مع إنّ هذا الذكاء فيه نوع من المخاطرة، فهو قد صنع نوعًا من التوتر بين «علي، وعائشة» فيما بعد، إلّا أنهما قد تصالحا بالنهاية، وأنقذ «عليًّا» من مشكلة عويصة، لو استمرت لكان الإمام «علي» الآن شخصًا مجرمًا في كتب المؤرخين، ولأصبحت السيّدة «عائشة» أميرة الهوادج والعروش.

إن البلد هذا من الصعب أن يكون به معارضة حقيقية؛ فالدولة هنا فوضوية كما أسلفت، والشعب العراقي كله معارض لها أساسًا، لعلّ ذلك يصب في مصلحة الدولة، إنها قد ضمنت أن لا يكون لها معارضة، فكل زعيم حزب في هذا الوطن أصبح «جيفارا» زمانه، وله مجموعة من السذج يدافعون عنه، وبهذا {كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ} كما يقول القرآن.

لكن المعارضة ليست مستحيلة؛ واجب الصحافة العراقية اليوم النقد الدائم للحكومة، لكن بنفس الوقت عليها أن تدعم الدستور العادل، وتهدف لإصلاح الدولة، كما فعل «علي»، فهو لا ينهى عن قتل الخليفة؛ لكونه قد ظلم وفشا، لكن بنفس الوقت لا يحرّض على قتله، وساهم في حمايته، في النهاية هو الخليفة، وبيده إدارة زمام أمور البلاد، وموته سيؤدي إلى اندلاع الفوضى.

طرق حكم العراق

إن العراق بلد منذ القدم، لا يُحكَم إلّا بقوة القوانين، وضرب الأوامر الحازمة والعسكرية؛ لأن مجتمع العراق عربي قبلي، مثل مجتمع اليمن، مقسّم لآلاف القبائل والعشائر والعوائل، وكل شخص بالتأكيد يريد مصلحته ومصلحة عشيرته، إذا كانت الدولة تريد حكم العراق بالوحدة، فعليها بفرض قوانين حازمة، وإعادة تربية الشعب على تنفيذ القوانين، والترويج لترك العادات المريضة، كما فعل حُكّام أوروبا بعد انهيار «هتلر»، وإذا كانت الدولة تريد أن تحكم العراق، وهو مقسّم، فعليها الاستفادة من التجربة العثمانية في حكم هذا البلد، وهذه الطريقة ليست الحل أبدًا.

ففي عهد «العُصْمَلي» كان العراق مقسّمًا لثلاث ولايات رئيسية؛ ولاية البصرة فتشمل العراق الأسفل، ولاية بغداد وتشمل وسط وشرق وغرب العراق، ولاية الموصل وتشمل العراق الأعلى لمنطقة حرّان؛ وهذه الولايات الشكلية يفتخر بها أصحاب المناصب والسلطان العثماني.

أما الحقيقة فالعراق في عهد الدولة العثمانية مقسّم لعدّة دول:

1. الجنوب العراقي الحالي: دولة المنتفك.

2. أبّلة البصرة والكويت: آل الصباح.

3. القطيف والبحرين وقطر: كانت تتصارع العشائر السُنيّة والشيعية عليها.

4. الغرب: يحكمها الأعراب وعدّة من العشائر والموالي.

5. العراق الأعلى: كانت السلطة بيد العشائر الكردية.

6. الوسط وبغداد: كانت بيد العثمانيين وقوات الدرك الجندرمة.

وهذه الطريقة بالواقع أدّت للاقتتال والإجرام والكراهية الدائمة، فيما بين أفراد هذا الشعب، فهي من أشد الطرق كرهًا، منذ أن وعيت وما زالت، أتأمل خيرًا من هذا البلد، لعلّ القادم أجمل على أية حال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد