لعل من أبرز صفحات التاريخ قتامة في الفكر العربي الإسلامي، ما تعرض له الفيلسوف والطبيب والفقيه والقاضي والفلكي والفيزيائي ابن رشد (الحفيد)، المشهور عند الغرب  باسم «Averroes» ويلقب بالشارح اﻷكبر لأنه أفضل من شرح ما كتبه أرسطو بالرغم من وجود أكثر من 16 قرنًا بينهما.

هذا الفيلسوف العظيم  الذي تعرض في آخر حياته لمحنة شديدة، كانت بمثابة محنة معرفية وذاتية والتي كانت السبب في انحدار الفكر العربي الإسلامي نحو هوة سحيقة أدخلت الفكر العربي الإسلامي نحو جمود فكري وفقهي وعلمي والتي ما زلنا نعاني من تبعاتها إلى يومنا هذا، وكأنها لعنة أبدية نزلت على فكرنا العربي بسبب حرق كتب ابن رشد من قبل علماء السلاطين والمعارضين له والذين اتهموه زورًا وبهتانًا بالكفر والإلحاد والزندقة، ثم أبعده أبو يوسف يعقوب الموحدي إلى مراكش وتوفي فيها وقال كلمته المشهورة عند موته (تموت روحي بموت لفلسفة)، وبعد ثلاثة أشهر نقل جثمانه إلى قرطبة.

فابن رشد يعد من أكثر فلاسفة الحضارة العربية الإسلامية والإنسانية على حد سواء، تمكنًا من وسائل التنوير العلمي والفكري، وأكثرهم استعمالا للبرهان العقلي وأكثرهم اطلاعًا على منجزات عصره وعصور الأوائل، وأكثرهم استشرافًا للمستقبل.

ابن رشد الذي دافع عن الفلسفة باعتبارها أم العلوم وصحح لعلماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي والكندي …، في فهم نظريات أفلاطون وأسطو وأضاف إليها نوافذ معرفية جديدة وأبوابًا فكرية في فهم أسرار الفكر الإنساني المشترك والمتنوع، والذي استنبطه من آيات نورانية من القرآن الكريم تأسيسًا على قراءة توفق بين ما يقدمه العقل الإنساني من مفاهيم وتصورات وبين ما يأتي من الوحي من عقائد وشرائع، تحمل في كينونتها الجوهرية والظاهرية، ما يتعارض مع تفسيرات العقل وهو ما فتح الباب لمسألة التأويل، والتي بالرغم من خلفية ابن رشد العقائدية  التي ينتمي إليها (الأشاعرة) وهي السواد الاعظم من المسلمين (أهل السنة) والذي يعتبر التأويل جزءًا أساسيًا في  هذه المدرسة العقائدية، إلا أن ذلك لم يشفع له أن تعرض للقدح والهجوم من قبل فقهاء التزمت والمصالح والذين كانوا يخبرون العامة بأن الفلاسفة كفار وزنادقة وذلك لأسباب سياسية وفكرية ضيقة، مستغلين جهل الناس بعلوم الفلسفة والمنطق.

بل وامتد ذلك حتى إلى ذم اللاهوتيين المسحيين لفلسفة ابن رشد التنويرية والتي  أحيا بها الفكر الغربي من خلال فلسفته وكتاباته، وكانت سببًا رئيسيًّا في نهضة أوروبا والتخلص من ربقة الكنيسة، التي كانت تحرم  النظر في كتب الفلسفة خشية ضياع مصالحهم، والإبقاء على سلطتهم الإلهية المزعومة للسيطرة على الناس، وكل هذه الاتهامات التي اتهم بها ابن رشد استندت إلى حد كبير على التأويل الخاطئ ﻷعماله التي سبقت عصره وقفزت بالفكر الإنساني نحو عصر جديد كانت إلهامًا وبابًا نحو جنة معرفية ونهضة علمية بأوروبا.

ولقد رأى ابن رشد أنه لا بد من إعمال العقل في تقديم النص الديني باعتباره وسيلة ﻹقناع الناس، خاصة وأننا نحتاج في هذا الوقت إلى منهج ابن رشد في الدفع والتصدي للفكر الإلحادي، الذي لا يمكن التصدي له الا بأدوات الإقناع الفكري والعلمي الرصين وبمنحنى استنباطي واستقرائي في فهم النصوص القرآنية التي تدعو إلى التدبر.

وبالرغم من أن ابن رشد خلال العديد من كتاباته على أن الشرع لا يبيح النظر في الفلسفة وعلوم المنطق فحسب، بل يحث عليه ويوجبه  ويستند ابن رشد في هذا الحكم إلى نصوص القرآن الكريم التي حثنا فيها الله سبحانه وتعالى على النظر والتفكر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض من أجل معرفة الصانع.

وقد وفق ابن رشد بين العقل والإيمان بين الحكمة والشريعة بغية تأسيس الإيمان على العقل وتأسيس الشريعة على الفلسفة أو الحكمة، وذلك لجعل التصور الديني مقبولًا من طرف العقل وجعل التصور الفلسفي مشروعًا في نظر الدين، فإذا كانت الشريعة وحيًا منزلًا فإن الفلسفة باعتبارها حوارًا ثقافيًّا وحضاريًّا نتاج لمجهود العقل البشري هي معرفة نسبة قابلة للتطور والمراجعة، وإذا كان من الممكن رصد تداخل معقد ومتشابك بين ما هو دينى وما هو فلسفي في كثير من الأنساق الفلسفية القديمة والحديثة أيضًا، فإن هذا لا ينفي وجود تمايز وتغاير بين الفلسفة والدين إلا أنه لا تناقض ولا تغاير بينهما وهذا ما أكده الفلاسفة المسلمون الوسطيون ومن أبرزهم ابن رشد الذي قال «أن الحكمة هي صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة»، وكذلك سار على نهجه الكثير من الفلاسفة الغربيون المحدثون من أمثال: kant وhegel وBacon.

وقد عبر  الفيلسوف الإنجليزي Bacon عن علاقة  الفلسفة بالدين بقوله: «إن قليلاً من الفلسفة يتجه بعقل المرء نحو الإلحاد، أما التعمق فيها، فمن شأنه بالضرورة أن يقود عقول الناس نحو الدين».

ولقد وضع ابن رشد أكثر من خمسين كتابًا أثرى بها الفكر الفلسفي والفقهي والعلمي ما بين مصنف وشروح وتلخيص.

ومن أشهر كتبه التي وصلت إلينا:

*كتاب المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه.

*كتاب المسائل في الحكمة.

*كتاب التهافت التهافت وهو من أشهر الكتب الفلسفية في الرد على الفيلسوف حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة والتي كانت بمثابة ملحمة فلسفية بين ابن رشد والغزالي.

*كتاب التحصيل في اختلاف مذاهب العلماء.

*كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة والاتصال.

*كتاب مناهج الأدلة وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول.

*كتاب ما بعد الطبيعة الميتافيزيقيا.

*شرح كتاب البرهان أو الأورغنون.

* كتاب الأخلاق.

* كتاب جوامع كتب أرسط طاليس في الطبيعيات والإلهيات.

لقد أثر ابن رشد بفلسفته وفكره في أوروبا بعدما احتوت مخطوطاته وكتبه واستفادوا منها، وجعلوها نقطة البداية نحو الحضارة الحديثة، بعدما أحرقت كتبه بقرار سياسي وتحت ذريعة دينية ﻹرضاء الغوغائيين والتي بدورها سلاح بيد النخبة المتلونة والتي يسهل توجيهها لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، فابن رشد بالأصل لم يكن معارضًا للدولة الموحدية -مع ماخلقوا من إشكاليات وأكاذيب لتأصيل حكمهم، وتوافقه المنهجي مع الدولة في اتباع الأصول يؤكد عدم معارضته لهم.

وختامًا أختم بمقولة المستشرق والشاعر الإسباني Miguel Hernández: (إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة، إنه ملهم الحضارة الإنسانية الحديثة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست