من المفاهيم المظلومة في أذهان أغلبنا الرومانسية، وأعني بظلمها أنها لم تأخذ حقها من الإحاطة والمعرفة، وأظن أنني ربما كنت سأظلمها أيضًا لولا دراستي الأدب الإنجليزي، فانحصرت الرومانسية عند الغالبية من الناس في علاقة الحب بين الرجل والمرأة وما بها من قوة جاذبة تعد – فيما أرى – من عجائب قدرة الخالق، تلك القوة التي امتدت بفضلها حياة البشر منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، فعلى الرغم من جمال هذه العلاقة وروعتها فإنها لا تتعدى كونها من قشور الرومانسية.

إذن فماذا تعني الرومانسية؟

إن أبرز ما يميز الفكر الرومانسي هو النزوع نحو تكسير القوالب وإطلاق العنان للعقل ليتخيل ويأتي بما توصل إليه بنفسه من دون الأخذ من تجارب غيره أو البناء عليها؛ فيكون للعقلية الرومانسية رؤيتها الخاصة التي تتفرد بها؛ لذا فهي تنفر من فكر القطيع وأخذ الأمور على علاتها، وهي في حالة استكشاف مستمر لماهية الأشياء من خلال رحلة شاقة من التأمل يصاحبها الألم والمعاناة في كثير من الأحيان، لكن أكثر ما يسرها هو ثمار الاستكشاف والتأمل.

ومن أكثر ما يميز العقلية الرومانسية إيمانها بوحدة الفكر مع السلوك، فتجدها تفعل ما تؤمن به ولا تظهر بغيره، فتتمتع بذلك بنوع من الاتساق مع النفس. وأكثر ما يشغل الشخص الرومانسي هو نفسه فيجنح إلى التأمل الذاتي أو ما يُعرف بالاستبطان الذي يتأمل فيه الحالات الشعورية التي يمر بها، فيصل بانشغاله بها أعلى درجات الوعي الذاتي، والوعي الذاتي يتطلب رحلة استكشاف للنفس تأتي من خلال المرور بمواقف أو ظروف صعبة فلا يُعوِّض ذلك الكتب أو التعليم. فالشخص الرومانسي يهوى التجول في أعماق نفسه ليتعرف إليها حق المعرفة، والوصول إلى ما وراء ما تراه عينه من الأشياء فلا يكتفي بظواهر الأشياء.

ولدى الشخص الرومانسي حساسية مفرطة للأشياء يستشعر بها أدق التفاصيل التي ينصرف عنها غيره أو ربما لا يراها، وهو شخص قادر على إيجاد روابط بين الأشياء فيربط الشيء البسيط بالمعقد ليأتي بفكرة جديدة بعيدة عن الأذهان.

وهو شخص لديه مشاعر وأحاسيس فياضة بداخله موجهة نحو إعلاء قيم الحق والخير والجمال، فتراه يحب لغيره ما يحب لنفسه، وتراه يُقدر نبالة السلوك وحسن الخلق، وفي سعي مستمر لتنقية نفسه لينعم بالبراءة الرشيدة. وهو شخص يأبى التقليد ويعتمد طريقته الخاصة، وينفر من التصنع ويرتاح للعفوية والتلقائية.

لكن مع هذا كله دائمًا ما يشعر الشخص الرومانسي بالغربة وسط الناس فيميل إلى العزلة؛ لكن لما كان لزامًا عليه الانخراط مع الناس والحياة العامة واجهه الكثير من الصدمات منها ادعاء مبادئ والعمل بغيرها، وغلبة المادة على القيم عند أغلب الناس، وطغيان فكر القطيع ومحاربة التفكير الحر، وتقديم المصلحة الخاصة قصيرة المدى على المصلحة العامة بعيدة المدى. وعلى الرغم من استهلاك هذه الصدمات لمشاعره وتفكيره فإنها تمنحه فرصة لاختبار مدى تمسكه بقيم الحق والخير والجمال فيزداد إصرارًا على الدفاع عنها والعمل بها.

أليست الرومانسية مظلومة بعد هذا كله؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد