لا يختلف عاقلان على أن التحديات التي يواجهها الإسلام في هذا العصر –على اختلاف أنواعها– شديدة الضراوة والشراسة، ولا نبالغ إنْ قلنا بأن ما يتعرض له الإسلام من هجمات، لو تعرض لها نظامٌ وضعي من صنع البشر، لاختفى ولعفا عليه الزمن منذ القدم، ولكنه النظام الرباني الخالد، بمقوماته وخصائصه الفريدة، التي تمنحه القدرة على الحياة والاستمرار والبقاء، حتى في أحلك الظروف وأشدها.

غُيب الإسلام عن واقع الحياة وحركتها، إذ إنه فقد الوجود الفعلي، وعُزل في المساجد والربط والتكايا، وظهر -كما يريد خصومه- في صورةٍ بعيدة كل البعد عن طبيعته، إذ إن الصورة الحالية لا تعدو كونها تطبيقًا مباشرًا للنهج العلماني، الذي يقصي الدين بعيدًا، كما عبر الشهيد سيد قطب: « إنهم يريدون إسلامًا أمريكانيًا، إنهم يريدون الإسلام الذي يُستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يُستفتى في أوضاع المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية».

هذا التغييب الطويل المتراخي، نتيجة إصابة الأمة بلوثة الحضارة الغربية، واستقبالها للحلول المستوردة التي جنت الوبال على هذه الأمة، أدت إلى جهل الكثير من المسلمين بحقيقة دينهم وطبيعته، ومن ثم تطاوَل خصومه، وبثوا الشائعات والاتهامات حول طبيعته ومنهجه، ولأن الجهل استشرى واستفحل، فإنه من الطبيعي، أن تجد عددًا من الببغاوات، التي تأثرت بموجة التغريب والتشويه، لا زالت تكرر نفس الأسطوانة المشروخة، ولكن باسم الإسلام هذه المرة.

إن مشكلة الإسلام، تكمن فيمن لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا يعرف من القرآن إلا رسمه، ثم يبدأ بإطلاق صيحات مجنونة باسم الإسلام، تنادي إما بالقشور أو الشائعات التي لا أصلَ لها في الدين كله، والتي تفتح الأبواب للخصوم والمتربصين للنيل من الإسلام وأهله.

ولعل قضايا المرأة، من أبرز القضايا المفترى عليها من قِبل الجهلة المتحدثين باسم الإسلام، والتي تفتح الأبواب للمتربصين، الذين لا يحسنون إلا الكذب والتلفيق والادعاء على الإسلام بكل صفاقة وسوء أدب.

ومن هذه المفاهيم التي يجب أن تصحح:

حرمة صوت المرأة، كذب لا أصل له: روى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- «أن زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أمانًا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس، إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير المسلمين أدناهم». [1]

والشاهد في القصة، هل قال أحد المسلمين أن صوتها عورة؟

القوامة: لقد فهم الجهلة، أن القوامة تعني القهر، ونوعًا من أنواع السلطة العسكرية، ولونًا من ألوان الرياسة الفرعونية. إن قوله تعالى: «وأمرهم شورى بينهم» نزل في مكة، وعموم الآية يتناول شؤون الأسرة أيضًا. يقول الأستاذ أحمد موسى سالم: «إن القوامة للرجل لا تزيد على أن له بحكم أعبائه الأساسية، وبحكم تفرغه للسعى على أسرته والدفاع عنها ومشاركته في كل ما يصلحها،أن تكون له الكلمة الأخيرة ـ بعد المشورة، ما لم يخالف بها شرعًا أو ينكر بها معروفًا أو يجحد بها حقًّا أو يجنح إلى سفه أو إسراف، من حق الزوجة إذا انحرف أن تراجعه وألا تأخذ برأيه، وأن تحتكم في اعتراضها عليه بالحق إلى أهلها وأهله أو إلى سلطة المجتمع الذي له وعليه أن يقيم حدود الله». [2]

وجه المرأة ليس عورة: وللشيخ القرضاوي كتيب «النقاب للمرأة بين القول ببدعيته والقول بوجوبه»، ينتصر فيه للرأي القائل بأن وجه المرأة ليس عورة، ويرد على من يجنح إلى الرأي القائل بفرضيته.

منع النساء عن المساجد: ونقلوا مرويات منكورة، وتناسوا ما تواتر عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- وفي عهد الخلافة الراشدة من احتشاد النساء في المساجد عشرات السنين، إذ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». [3]

في ضرب الزوجات: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته»، ورد الشيخ الغزالي على هذا الحديث بقوله: «المتن المذكور مخالف لنصوص الكتاب، ومخالف لأحاديث أخرى كثيرة! وعدوان الرجل على المرأة كعدوان المرأة على الرجل مرفوض عقلًا ونقلًا وعدلًا، ولا أدرى كيف قيل هذا الكلام ونسب إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

إن من قواعد الجزاء الأخروي قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره» فهل الزوجة وحدها هي التي تخرج عن هذه القاعدة فلا يسأل الرجل «فيم ضربها؟» له أن يضربها لأمر ما في نفسه، أو لرغبة عارضة في الاعتداء؟ فأين قوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، وقوله: «فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف»، وأين قوله عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك». [4]

عمل المرأة: ذكر الإمام القرضاوي: «أن عمل المرأة في ذاته جائز، وقد يكون مطلوبًا طلب استحباب، أو طلب وجوب، إذا احتاجت إليه: كأن تكون أرملة أو مطلقة ولا مورد لها ولا عائل، وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذل السؤال أو المنة».

وقد تكون الأسرة هي التي تحتاج إلى عملها كأن تعاون زوجها، أو تربي أولادها أو أخوتها الصغار، أو تساعد أباها في شيخوخته، كما في قصة ابنتي الشيخ الكبير التي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص، وكانتا تقومان على غنم أبيهما: «قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَى يُصْدِرَ الرِعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ» (القصص: 23).  [5]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] رواه الحاكم (49/4)
[2] قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة ص155-156، دار الشروق
[3] رواه البخاري في (الجمعة) برقم (849)، ومسلم في (الصلاة) برقم (668) واللفظ متفق عليه.
[4] قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة ص174، دار الشروق
عرض التعليقات
تحميل المزيد