نردد دائمًا أن أكبر فوائد التاريخ أخذ العبرة والعظة من سير الأولين وتعلم الدروس والاستفادة من تجارب السابقين؛ لكن هل بالفعل نأخذ العظة والعبرة ونجعل من التاريخ معلمًا لنا ينير أمامنا الطريق؟

«إن كنتو نسيتوا اللي جرى هاتوا الدفاتر تتقرا».

مثل شعبي إلا أنه لا يخلو من تلميح لطريقة استفادتنا من التاريخ، فالمثل يمهد لوصلة من التذكير بالماضي الدنيء وقلة الخير وكأن الدفاتر لا تُقرأ إلا من أجل فضح ماضي الآخرين، لا لنتعلم منهم بل لنعيرهم. وهكذا الكثير منا يرى في التاريخ مادة كبيرة تحوي العديد من أخطاء الشخصيات والرموز التي لا يحبها، وهؤلاء لا نجدهم يقبلون على التاريخ إلا ليثبتوا صحة وجهة نظرهم في كره شخص ما بالبحث عن أخطائه.

وإذا تركنا هؤلاء وذهبنا إلى مدارسنا وكيف نتعلم فيها التاريخ، فسنجدنا أمام قاعدة ورثناها كابرًا عن كابر:

«التاريخ مادة حفظ مش فهم».

وكأن من يريد النجاح والتفوق في تلك المادة لا عليه إلا أن يلغي عقله ويطلق لسانه ليصبح مرددًا يضع الأسماء والتواريخ في جداول ليسهل عليه حفظها، ومن ثم كتابتها في ورقة الإجابة، وكان ربك بالسر عليمًا.

وهناك أيضًا مثل سيء جدًا لمن يتعاملون مع التاريخ كقصص وحكايات تكون مادة للتسلية وتمضية الوقت، لا مادة للتعلم والفهم وتبصر أحوال الأمم وطرق رقيها وعوامل سقوطها، فالتاريخ  ليس رواية إنما هو بالدرجة الأولى خبرة وتواصل مع جذور الأمور والأحداث.

والتاريخ هو نفسه ذلك المسخ المشوه الذي نراه في الأفلام والمسلسلات، يأخذ المؤلف خطًا تاريخيًا ويبدع منه قصصًا وروايات لا مكان فيها للتاريخ بل هي أبعد ما تكون عن التاريخ.

أرأيتم كيف نتعامل مع التاريخ بمنتهى الاحتقار وكيف نظلمه؟ ولكن التاريخ القارئ للحضارات والعارف بخبايا الأسرار لعله قرأ البيت القائل:

وإذا بليت بظالم كن ظالمًا .. وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل

وقد قرر التاريخ أن يعمل بهذا البيت؛ فنجد أن التاريخ يخفي عنا الحقائق ويزور نفسه أو يسمح للآخرين بتزويره، فالتاريخ ليُكتب لابد أن يكون كاتبه موضوعيًا لأقصى حد، وهو ما يخالف النفس البشرية خاصة إذا وجدت أن كثيرًا من المؤرخين كانوا يرتبطون بشخصية الحاكم، لذا فلابد أن يظهر ذاك الحاكم في كتابتهم كالملاك بينما أعداؤه شياطين.

هكذا إذن يتعامل معنا التاريخ؛ يترك نفسه لمن يزورونه لأنه يعرف أن هناك من سيستخفون به، ولعلنا هنا لابد أن نقول أنه ليس تاريخنا فحسب -أمم الشرق – هو التاريخ المزور، فالتزوير شمل كل تاريخ العالم حتى أننا نجد الفيلسوف الفرنسي أناتول فرانس يقول «كل كتب التاريخ التي لا تحتوي على أكاذيب مملة للغاية» في دلالة واضحة على أن التاريخ لابد فيه من التزوير، وأن الذكي فقط هو من يتعامل مع تلك الأكاذيب بعقلية ناضجة ويكتشفها، لذلك نجد وجهة النظر الأخرى دائمًا حقيقة أمام حقيقة ودليل يقرع دليلًا فليس لنا أن نغتر دائمًا بقول تشرشل «التاريخ يكتبه المنتصرون». نعم التاريخ يكتبه المنتصر لكننا أيضًا نجد أن تاريخ الضحايا موجود. ربما كان المنتصر يزوّر التاريخ فترة ما لكنه لن يستطيع أن يمحو الحقيقة لأن الحقيقة خُلقت لتبقى، لكن نحكم عقولنا وضمائرنا في فهم الحدث التاريخي، ولكي نتعامل مع أي موقف تاريخي ونريد فهمه علينا أن ننتبه إلى الحكم عليه بظروف ومعايير وقته وليس بمعايير وقتنا، فنحن من نحتاج لدراسة وفهم التاريخ لأنه لا مستقبل لمن لا تاريخ له، لذلك لابد أن يكون هناك أمل في أن نتعامل مع التاريخ بما يليق كي يأتي اليوم الذي يرضى فيه عنا التاريخ ويكشف لنا حقائقه وألغازه، ولا يكون ظالمًا طالما أنه ليس بمظلوم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد