منذ سنتين طلع علينا المدعو، عائض القرني، وهو يعتذر للمجتمع السعودي عن أخطاء وتشدد فترة الصحوة قائلًا: «وأنا الآن مع الإسلام المعتدل، المنفتح على العالم، الوسطي الذي نادى به سمو ولي العهد»، والتزم بضرورة المضي «من التعسير إلى التيسير، ومن التنفير إلى التبشير، ومن التقليد إلى التجديد». وكان هذا النكوص و«الردة» عن مواقف سابقة تحت مسمى المراجعات، جاء نتيجة ضغط واضح من السلطة الحاكمة التي صارت تتبنى توجهًا جديدًا بخصوص توظيف الإسلام في خدمة سياساتها الجديدة.

في مصر قبل الثورة وبعدها وأثناء فترة حكم الإخوان وبعد الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي وفض اعتصام رابعة بصورة دموية، شاهدنا كيف كانت مواقف الكثير من شيوخ السلفية تتناقض وتتغير بتغير الظروف. والأمس لاحظنا كيف وقف الشيخ محمد حسين يعقوب أمام المحكمة ضعيف الشخصية، غير قادر على تحمل مسؤوليته الأخلاقية ولا التعبير بشجاعة عن رأيه. وهو الذي طالما تحدث مثل غيره من المشايخ عن مواقف الرجال من السلف وثباتهم على الحق وتحملهم المحن.

والحقيقة لا شيء من كل هذا يجب أن يفاجئنا. فجل رجال الدين في أغلبهم هم رجال خطابة لا أكثر ولا أقل. فالتبجح بالشجاعة والثبات على المنابر يختلف عنه في الواقع.. لكن أغلب الناس ينخدعون بسهولة، ويعتقدون أن صراخ الخطباء دليل على شجاعتهم.

كذلك كثير من تلك الصورة المثالية عن الفقهاء ورجال الدين تكون عادة ناتجة من غلو الاتباع وانبهارهم الساذج بشيوخهم. وغالبًا ما تكون بسبب ادعاءات صادرة عنهم وعن أتباعهم تحمل الكثير من المبالغة دون أن تخضع للتمحيص والتدقيق.

ثبات ابن حنبل بين الحقيقة والخيال:

لعل أشهر الأمثلة على صناعة هذه الصورة المثالية هي تلك التي رسمها الحنابلة عن الإمام أحمد والتي تضخمت جيلًا بعد جيل حتى صارت نوعًا من الأسطورة تتحدث عن شخص يكاد يكون نبيًّا من الأنبياء. وأشهر عوامل تلك الأسطورة وسبب منشأها ما قيل عن ثباته عند امتحانه في مسألة خلق القرآن.

لكن كل ما قيل عن تلك المحنة والثبات المزعوم للإمام أحمد يبقى أمرًا مشكوكًا في صحته لثلاثة أسباب رئيسية. الأول: نظرًا إلى أنه صادر عن الأتباع والمريدين وعن خصوم المعتزلة. أي إنه جزء من السردية التاريخية المهيمنة لأهل السنة ومشايخهم. ثانيًا: لأنه جاء ضمن سيرة تحمل الكثير من المبالغة في تصوير الإمام ابن حنبل قديسًا من القديسين. و ثالثًا: لأنه لدينا من شهادات المعاصرين ما يناقض تلك الصورة و يدل على العكس تمامًا.

أحد أهم تلك الشهادات ما رواه الحاجظ المعاصر لابن حنبل، والذي يروي في رسالته عن خلق القرآن قصة مختلفة تمامًا لما حدث. وكيف أن ابن حنبل لم يثبت في حقيقة الأمر على رأيه وتراجع عن كلامه عندما مسه قليل من البأس. وأنه لم يُضرب إلا عندما أُلزم الحجة فرفض الجواب وأصر على العناد والكذب. وأن ضربه كان خفيفًا على عكس روايات الحنابلة وأهل السنة التي تزعم أنه كان يضرب حتى يغمى عليه وأنه كاد يموت من التعذيب لكنه ورغم ذلك ثبت على رأيه و لم يغير قوله.

رواية الجاحظ:

يقول الجاحظ في رسالة خلق القرآن : «وقد قال صاحبكم (يقصد ابن حنبل) للخليفة المعتصم يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمخلصين، إعذارًا وإنذارًا: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة، وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة! قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت، وجدتُ الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يَخَفْك على الإسلام ما عَرَض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة، ولا من طريق الاعتساف ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه الحال وسبيلك هذه السبيل.

وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره، ويعاينوا انقطاعه، فينقض ذلك استبصارهم فلا يمكنه جحد ما أقر به عندهم؟ فأبى أن يقبل ذلك وأنكره عليهم وقال: لا أريد أن أوتى بقوم إن اتهمتهم ميزتُ فيهم بسيرتي فيهم، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم الله فيهم، وهم ما لم أوتَ بهم كسائر الرعية، وكغيرهم من عوام الأمة، وما من شيء أحب إليَّ من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق، وما زال به رفيقًا، وعليه رقيقًا، ويقول: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق!

حتى رآه يعاند الحجة، ويكذب صراحًا عند الجواب. وكان آخر ما عاند فيه وأنكر الحق وهو يراه: أن أحمد بن أبي دواد قال له: أليس لا شيء إلا قديم أو حديث؟ قال: نعم. قال: أوليس القرآن شيئًا؟ قال: نعم. قال: أوليس لا قديم إلا الله؟ قال: نعم. قال: فالقرآن إذًا حديث؟ قال: ليس أنا متكلم.

وكذلك كان يصنع في جميع مسائله، حتى كان يجيبه في كل ما سأل عنه، حتى إذا بلغ المخنق، والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برئ منه صاحبه قال: ليس أنا متكلم !

فلا هو قال في أول الأمر: لا علم لي بالكلام، ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة، خضع للحق. فمقته الخليفة وقال عند ذلك: أفٍّ لهذا الجاهل مرة والمعاند مرة. وأما الموضع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، والجماعة بالقحة وقلة الاكتراث وشدة التصميم، فهو حين قال له أحمد بن أبي دواد: تزعم أن الله رب القرآن؟ قال: لو سمعت أحدًا يقول ذلك لقلت. قال: أفما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل، ولا من قاص، ولا في شعر، ولا في حديث! قال : فعرف الخليفة كذبه عند المسألة، كما عرف عنوده عند الحجة.

وأحمد بن أبي دواد، حفظك الله أعلم بهذا الكلام، وبغيره من أجناس العلم، من أن يجعل هذا الاستفهام مسألة، ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة. ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب، كما كشف لهم جرأته في المعاندة. فعند ذلك ضربه الخليفة. وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم . وزعم يومئذ أن حكم كلام الله كحكم علمه، فكما لا يجوز أن يكون علمه محدثًا ومخلوقًا، فكذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقًا محدثًا.

فقال له: أليس قد كان الله يقدر أن يبدل آية مكان آية، وينسخ آية بآية، وأن يذهب بهذا القرآن ويأتي بغيره، وكل ذلك في الكتاب مسطور؟ قال: نعم. قال: فهل كان يجوز هذا في العلم، وهل كان جائزًا أن يبدل الله علمه ويذهب به ويأتي بغيره؟ قال: ليس.

وقال له : روينا في تثبيت ما نقول الآثار، وتلونا عليك الآية من الكتاب، وأريناك الشاهد من النقول التي بها لزم الناس الفرائض، وبها يفصلون بين الحق والباطل، فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث. فلم يكن ذلك عنده، ولا استخذى من الكذب عليه في غير هذا المجلس، لأن عدة من حضره أكثر من أن يطمع أحدًا أن يكون الكذب يجوز عليه.

وقد كان صاحبكم هذا يقول: لا تقية إلا في دار الشرك. فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية، فقد أعمل التقية في دار الإسلام، وقد أكذب نفسه. وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه، وليس منكم. على أنه لم ير سيفًا مشهورًا، ولا ضرب ضربًا كثيرًا، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطًا مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مرارًا!

ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلًا بالحديد ولا خلع قلبه بشدة الوعيد. ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف ويحلمون ويطيش». انتهى.

وحسب كلام الجاحظ أعلاه، فابن حنبل استدعي للمناظرة فانقطع وامتنع عن الجواب بحجة أنه لا يخوض في مسائل الكلام. وأنه عندما جيء به للمناظرة لم يضيق عليه ولا تعرض للتهديد ولا قُيد بالحديد، بل نوقش في مسالة خلق القرآن فلم يستطع الجواب، وإنما أمر المعتصم بضربه بعدما أظهر عناده. وأنه «لم ير سيفًا مشهورًا ولا ضُرب ضربًا كثيرًا» ثم سرعان ما مال إلى الإقرار بخطئه. والجاحظ هنا ينكر بوضوح ما يروجه أتباعه عن عذابه الشديد وعن ثباته، فهو «أفصح بالإقرار مرارًا» حسب قول الجاحظ. و ذكر اليعقوبي أنه أقر بلسانه «إني أقول بقول أمير المؤمنين». وهذا أشبه بتصريح القرني الذي مفاده «إني أقول بقول سمو ولي العهد».

وأيًّا كانت حقيقة ما جرى بالضبط. فالفرق الوحيد هو أن اعترافات وتراجعات وتناقضات مواقف القرني، ومحمد حسان، والشيخ محمد حسين يعقوب، وغيرهم من المشايخ اليوم صارت مسجلة بالصوت والصورة. في حين تفصل بيننا وبين أحداث «المحنة» أكثر من ألف سنة، تجعلنا غير قادرين على معرفة ما حدث فعلًا بشكل يقيني. وهي ألف سنة سيطرت فيها سردية واحدة ومهيمنة على رواية قصة المحنة.

لكن إن أمكن للقدماء صناعة أسطورة ابن حنبل، فلم يعد اليوم في بإمكان أحد أن يبني أساطير مماثلة بالسهولة نفسها في عصر الصورة. الصورة التي حاربها الفقهاء طويلًا ثم استسلموا في آخر المطاف لإغراءاتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد