الفن في خانة الغريزة أولًا

إنه لمن المحزن لأي شخص أن يدرك في لحظة من اللحظات أنه مخدوع، مخدوع في كل ما يحب. أي مخدوع في كل ما هو جميل، فقد اكتشف إنسان العصر الحديث – كما يعتقد – أن الفن ما هو إلا شعور موروث لا يدري له أصل غير أجداده، اكتشف أن الفن ما هو إلا مجرد خرافة ناتجة عن وهم، وهذا فقط بسبب إيمانه نتيجة لمؤثرات علمانية تخللت داخل عقله أن العلم الوحيد الحقيقي هو العلم التجريبي، وأن إثبات أي شيء يجب أن يكون له تجربة مثبتة في معمل ما؛ كأن هذا هو أساس الإدراك، إلا أن فعليًا أغلب الإدراكيات الأولية لديه ليس لها أصل! إلا أنه فقط لم يلحظ ذلك.

فمثلًا: إيمانه بوجود الرغبة الجنسية لديه ليس له أصل! فلم يخرج على هذه الأرض حتى الآن تفسير واحد منطقي لغريزة الجنس لدى الإنسان، وأيضًا إيمانه بوجود الإله – كما هو الأغلب – يأتي بلا أساس، فكلنا نعرف بوجود رغبة ما لدينا في تصديق أن هناك قوة أكبر سميناها إلهًا بمرور الزمن، لكن يمكننا أن نفهم أن الرغبة الجنسية تنشأ لدينا لاستمرار نوعنا وأن رغبتنا في وجود الإله تنشأ لدينا لوجود إله بالفعل، أو لحاجتنا شعوريًا للإحساس بوجود قوة أكبر، لكن لم يوجد الفن؟ لم يوجد الجمال؟

الأساس الوجودي للفن

فلنفرض جدلًا أن الفن ما هو إلا وهم ليس له أصل سوى الوهم، وأن ما ندعيه “قطعة فنية”، سواء أكانت لوحة أو تمثال أو مسرحية أو غيره هي مجرد غاية لوضع ما يسمى لدينا الفن أمامنا فقط، ألن يكتفِ الإنسان بواحدة فقط؟ فقد وضع الإنسان الفن في نفسه أمامه كقطعة واحدة، لم يحتج غيرها إذًا؟ لم يطور من الفن إلى هذا الوقت؟ لم يستمر الأغنياء والمهتمون بالفن في اقتناء المزيد من القطع من مختلف الأشكال؟ فيقول عبد اللطيف الحرز في كتابه جدل التشكل والاستلاب نقلًا عن كتاب مشكلة الفن لزكريا إبراهيم: ”لو كانت القطعة الفنية غاية في ذاتها، لاكتفى الإنسان بقطعة واحدة”.

وفي نفس المصدر يؤكد على أن الأساس الوجودي للفن هو الفطرة قائلًا: ”وحتى الفنان حينما يتجه إلى المادي المحسوس، ويشتغل لصياغتها إلى قطعة فنية، فإنه ينطلق من تلك الفطرة الكامنة الملتهبة في حب الجمال اللامتناهي وعشق الكمال المطلق، فالفن هو تجسيدات ملموسة لقضية غير ملموسة وهو تجسيدات محددة، كعلامة على قضية اللامحدودة”.

وفي دراسة كاتبنا العظيم سعيد توفيق التي حاول فيها إثبات كون كل الفنون تمثيل بمعنى ما “الفن تمثيلًا” قال عن الفن بوصفه محاكاة تمثيلية: ”فالمحاكاة لتمثيلية تكون تمثيلا للكلي الذي يتم رفعه إلى حالة من الوجود المثالي بعد أن تخلص من عرضيته. فما هو العرضي أو العارض هنا؟ إن العرضي هنا هو – من جهة – يعني كل تلك المظاهر العارضة والحالات الجزئية التي يبدو عليها في الواقع الموضوع أو الشيء أو الشخص الذي يراد تمثيله أو إظهار حقيقته، بشرط أن نعي دائمًا أن هذا التمثيل للكلي أو للحقيقة لا يكون أبدًا تمثيلًا للكلي المجرد، وإنما لمعنى كلي أو دلالة كلية تتجلى في حالة عيانية ومشخصة، وكأنها قد تطهرت وتخلصت من جزئيتها وعرضيتها”. أي أن الفن هو رفع المادة في حالة من الوجود المثالي بالتخلص من العارض وتصوير الدلالة فقط في شكل محسوس للتعبير عن اللامحدودة.

الفن لحب الذات وأشياء أخرى

في عودة لكتاب جدل التشكل والاستلاب يقول:”لا يخفى أن الفنون كما كانت في مبدأ وجودها، إيفاء لغريزة الجمال الأصيلة في الإنسان، وبالآخرة إيفاء حب الذات لنفسه، فإذا أراد الإنسان أول الأمر أن يشبع تلك الغرائز الجائعة لديه،استخدم مثل هذه اللذائذ لإشباعها ومن هنا ولدت الفنون”. إذا فرضنا كون الفن فعلًا هدفه هو إيفاء غريزة الجمال للإنسان، فمن أين أتى الجمال؟! ما الجمال من الأصل؟

سأدع لول ديورانت الزمام كي يشرح لكم ما الجمال من استنتاجه:”الجمال هو أية صفة تجعل شيئًا أو شكلًا ممتعًا لمن يشهده؛ ولم يكن الشيء – من حيث الأصل والبداية – ليمتع الناظر لأنه جميل، لكن الأقرب إلى الصواب هو أن الرائي يسمي الشيء جميلًا لأنه يمتعه؛ وكل ما من شأنه أن يشبع رغبة عند الإنسان، يبدو لعينيه جميلًا، وعلى ذلك فالطعام جميل لمن يتضور جوعًا، بينما “أي امرأة فائقة الجمال” ليست حينئذ بذات الجمال؛ وقد يكون الشيء الممتع هو المشاهد نفسه، وقد لا يكون، وكلا الفرضين على درجة واحدة من قوة الاحتمال، ففي أعماق قلوبنا لسنا نرى شيئًا أجمل من أشكالنا.

ويبدأ الفن من تمجيد الإنسان لجسمه الرائع؛ أو قد يكون الشيء الممتع هو العشير من الجنس الآخر الذي يرغب فيه الرائي، وعندئذ يصطنع إحساسنا شدة وقوة إبداع هما شدة الشهوة الجنسية وقوة إبداعها؛ ثم يوسع من هالة الجمال حتى تشمل كل شيء يمس الحبيب من بعيد أو قريب، فتشمل كل صورة جاءت شبهة بصورتها، وكل الألوان التي تزينها أو تسرها أو تتحدث عنها، وكل الحلي والثياب التي تلائمها؛ وكل الأشكال والحركات التي تذكر بما لها من تناسق ورشاقة؛ أو قد يكون الشكل الممتع هو صورة الذكر المطاوب؛ ومن الجاذبية التي تجذب ضعف الإنسان نحو عبادة القوة يأتي إحساسنا بالفخامة – فتطمئن نفوسنا في حضرة القوة – وهو إحساس يخلق أرفع آيات الفن الجميل.

وأخيرًا قد تصبح الطبيعة نفسها – بمعونة منا – فخمة وجميلة في آن معًا، لا لأنها تشبه وتوحي برقة المرأة كله وقوة الرجل كلها فحسب، بل لأننا نخلع عليها مشاعرنا وما أصبناه من حظوظ، وحبنا لأنفسنا ولغيرنا، فنحن نستمتع فيها بمدارج صبانا، ونستمتع فيها بالعزلة الهادئة لأنها مهرب من عاصفة الحياة؛ ونحيا معها في تقلب فصولها الذي يكاد أن يكون إنساني المراحل: فيفاعة نضيرة، ونضج متقد وإثمار يانع، ثم انحلال بارد؛ ونرى فيها على نحو غامض أمًا وهبتنا الحياة، وستتقبلنا عند الموت”.

النقاط الفاصلة

إذًا الفن هو رفع المادة في حالة من الوجود المثالي بالتخلص من العارض وتصوير الدلالة فقط في شكل محسوس للتعبير عن اللامحدودة، كما سبق الذكر، ويستخدم في التعبير عن الجمال وتجريده وفي إرضاء حب الذات، والجمال يأتي من الحبيب والاحتياج والطبيعة والقوة وغيره كما سبق الذكر أيضًا، لكن – بعد كل ذلك – هل يمكن أن يكون الفن فعلًا مجرد وهم؟! هل يمكن أن يكون فعلًا نتيجة توارث وهم بعد وهم، دخل إلى خلال عقلنا فحولناه إلى معانٍ سامية هو ليس بها؟! أعني أن تكون القطعة الفنية بالفعل كانت غاية، لكن لكون القطعة الفنية تعبر عن نفسها فلا يتم الاكتفاء بها. لم لا؟

فبعض الديانات أيضا كالإسلام تحرم أنواعًا منه، كالمعازف والرسم. فبفرض صحتها لدى القارئ هل يمكن أن يسقط دين أساسًا منه؟ بمعنى أن الفن فرض لدينا منذ بداية المقال هو جزء من الفطرة كما الدين، فهل للدين أن ينفي صورًا من الفن تعبر دلالةً عن الفطرة التي هو مبنٍ عليها؟ ثم أنه من ولك يا قارئي العزيز الآلاف من البشر الذين لا يهتمون بالفن، بل ينفرون منه. فهل هذا يعني أنهم ليسوا مخلوقين على فطرتهم؟ فكونه وهمًا – أيا كانت الطريقة التي بها أصبح ذلك الوهم موجودًا في حياتنا – يساعد على القول بغير المهتمين بالفن فقد لا تدرك عقول أجدادهم هذا الوهم مثل عقول أجدادنا!

لست أعتقد أمرًا ولا أرجح شيئًا على آخر، فأنا مثلكم لم أحضر الخليقة منذ آدم كي أعرف، لكنني أردت ألا أواجه كوابيسي حول أكثر الأشياء التي أحبها في هذا العالم وحدي! ولك الاختيار بين هذا أو ذاك، بين الإيمان بالفن أو بالوهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جمال, فلسفة, فن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد