.C’est en copiant qu’on invente

Paul Valéry

يتعلق هذا الموجز بوضعية عشتها مع أبي، وهي كالآتي: طلب مني أبي مفتاح الباب ”الأصلي” للمنزل؛ لكي ينسخ عنه آخر، فاستجبت لطلبه هذا بلا تردد، فسلمت له ذلك المفتاح، وكلانا في المنزل المعني بذلك المفتاح. وبعد أن نسخ مفتاح الباب، أعاد لي المفتاح، لكنه ليس نفس المفتاح الذي سلمته له، بل سلمني المفتاح ”المنسوخ”. ماذا يعني ذلك؟ لماذا احتفظ بالمفتاح الأصلي وسلمني المفتاح المنسوخ، على الرغم من أن كليهما يفتحان الباب المعني؟ لاسيما إذا استحضرنا أن والدنا سلمني مفتاحًا واحدًا، ولم يخيرني بين هذا وذاك: بين الأصل والنسخة؟ بمعنى أنه فعل ذلك عن قصد ووعي، دون أن يخبرني بذلك.

لقد قذفت بي هذه الوضعية اليومية (نسبة إلى اليومي) إلى البحث فيما وراء يوميتها تلك، وإلى كشف واستكشاف ما تزخر به من دلالات ومعاني . فما هي الدلالة الرمزية لهذه الوضعية؟

إن الأمر يتعلق بمسألة الأصل والنسخة، بالجذر والفروع، بالكل والجزء، بالأب والابن، بالنص وظله، باختصار يتعلق الأمر بالمستنسخ والمستنسخ عنه. أو ليس الأب ابنًا لأبيه وأبًا لابنه؟ إذًا فلماذا هذا التدنيس للنسخة على حساب التقديس للأصل ما دام الأصل (الأب في هذه الحالة) نسخة لأصل آخر، سابق يثوي وراء أصالته تلك؟ أو ليس النص “الأصلي” نسخة سابقة أو بالأحرى ظل لنص قبلي؟

لاريب أن تلك الوضعية كتجربة يومية تجرنا إلى غيرها من الوضعيات اليومية التي لا تختلف عنها إلا من حيث السياقات . يكفي أن نشتري منتجًا ما (ملابس، أجهزة إلكترونية، أثاث، كتب، أغذية …) أو نتعامل مع إدارة ما ( مؤسسة تعليمية، بنكية…) أو أن نبحث عن عمل ما.. وغيرها من الوضعيات لكي يقفز إلينا ذلك الزوج: أصل/نسخة، “فري” /”مدرح (ميطاسيون)”، “بلدي”/”رومي”، عتيق/حديث، واللائحة طويلة.

ولكي ندرك ونعي تمام الإدراك والوعي بالمكانة الرمزية التي يشغلها ذلك الزوج المعني عمومًا، ومفهوم الأصل على وجه التحديد. فإذا توقفنا مع هذا الأخير سنجد أن الإنسان، كما هو الشأن بالنسبة للإنسان العربي بشكل عام وللإنسان المغربي بشكل خاص، يعلي من قيمة الأصل (وكل ما هو أصيل): كتطابق، هوية، اتصال، جنة، إيمان، ابن بار، حياة، يمين وكمقدس.

إن الأصل خير تيولوجي. أما النسخة فهي لعنة أبدية: انفصال، مسخ، تشوه، انحراف، كفر، جحيم، يسار ومدنس. إن النسخة شر تيولوجي. غير أن ذلك يختلف من سياق لآخر ومن وضعية لأخرى، فعندما يتعلق الأمر بالغذاء والطعام: يتم الحديث عن “البلدي” /”الرومي” أو عن “البوري”/”المسقي”، وعندما يتعلق الأمر باللباس نتحدث عن “الفري”/ “المدرح”، وهكذا دواليك.

هل لازال يا ترى، أمام التحولات المتعددة والمختلفة التي مست كيانات الإنسان المسمى عربي ومغربي، بالإمكان الحديث عن تلك الصورة التي تعلي من مكانة ومرتبة الأصل والتطابق على حساب النسخة والتعدد؟ أم أن تلك التحولات جعلت من تلك الصورة تسخر من ذاتها لكي تبين لذلك الكائن سذاجة فكرة الأصل التيولوجي نفسها؟ نعم، إنها كذلك. أو لم يصبح امتلاء الجيب أو بالأحرى الحساب البنكي من عدمه هو ما يحدد ذلك الأصل وتلك النسخة؟ إذا كان كذلك، فلماذا مثلًا للدجاج والبيض الـ”بلدي” قيمة مادية، في السوق، أكثر من الدجاج والبيض الـ”رومي”؟

لقد أصبح للأصل ثمنه (المادي). من هي الطبقات الاجتماعية التي تستهلك أي نوع من الدجاج والبيض، والحالة هذه؟ ألا يعكس ذلك نوع من الحنين والنوستالجيا إلى الأصل في ظل ندرته في الواقع المعيش والملموس، لكن ما موقع النسخة – طبق الأصل في كل ذلك؟ إن ما يميز تلك النسخة – طبق الأصل، بما هي نسخة (عن وثيقة أصلية، معترف بها من طرف السلطات المحلية المتمثلة في حالة المغرب في الملحقات الإدارية ”المقاطعات”) معترف بها، هو الاعتراف نفسه، على الرغم من أنها نسخة، فهي ليست بـ“مجرد نسخة”، إنها نسخة أصلية. وتستمد أصليتها تلك من سلطة الاعتراف، بالرغم من أنها ليست بأصلية، فإنها ليست بنسخة عادية كذلك: إنها تقع فيما بينهما، بين الأصل والنسخة.

ما هذا الفراغ وهذا التوتر؟ نعم، لم تتحمل تلك الثنائية الصمود أمام تلك الأسئلة التي فجرتها.

إذا كان المفتاح الأصلي يفتح الباب، فإن المفتاح المنسوخ هو أيضًا يفتح نفس الباب. إن المفتاح ليس بأصلي ولا بنسخة، إنه يقع في البين بين: يكون أصليًا في نفس اللحظة التي يكون فيها منسوخًا، ويكون منسوخًا في نفس اللحظة التي يكون فيها أصليًا. تمامًا ينطبق ذلك على المفتاح كما ينطبق على كل نص، وكتابة تدعي الأصالة والصفاء والطهارة. قد نتمادى في القول: إن النص، أي نص لا يكون أصليًا، إلا عندما ينسخ ويستنسخ، فالكتابة في أصلها استنساخ. فالنسخ هو ما يحيي النص ويمدده في أفق لامتناه. لعل كل كتابة في نهاية المطاف هي فوق كتابة كما يقول عبد السلام بنعبد العالي.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمر لايتعلق بـ“مجرد” نسخة، وإنما بالنسخة التي تخلخل الأصل عن أصالته. إنها الهامش الذي ينسل إلى فجوات المركز ويفجر أصالته في هامشيته. فالحقيقة إذًا ليست أصلًا بالضرورة، وإنما قد تكون توالد للنسخ. على هذا النحو نقول إن النسخة نسخ ونسخات، أي أن النسخة درجات في النسخ. إن النسخ تفرد.

أيها الأب: أنا لست نسخة منك ولك، كما أنك لست بأصل لي. أنا نسخة لك (ولأمي)، ولست نسخة لكما في نفس اللحظة التي تكونان فيها الأصل بالنسبة لي، ولا تكونان كذلك.

هكذا إذًا تتجاوز النسخة لعلنتها ودنسها. فحضور الأصل لا يعني غياب النسخة، كما أن غياب الأصل لا يحيل إلى حضور النسخة. إن النسخة ضرورية للأصل: تقيم في داخله. إنها إحياء له ومحركة لديمومته. وللبيولوجيا (الجينيتيك على وجه التحديد) هنا كلمتها: فأية صفة وراثية كانت صفة أو بالأحرى أية خلية لا تحيا ولا تتنفس، إلا من خلال الاستنساخ. فهل للإنسان أن يقذف به بلا نسخ واستنساخ؟

في ماذا يفيدنا ذلك؟ أو بصيغة أكثر عملية، ما الذي يمكننا أن نستخلصه من هذا المقال الموجز الشذري؟ ما يمكن استخلاصه، سواء من هذا النص أو ما قبله (ثقافة الواجهة)، هو الآتي: إن مركزية الحياة اليومية وكثافة اليوم le quotidien، في كيانات الإنسان المعاصر التي تزخر بالمعاني والرموز والدلالات، وتتنفس اللامعاني واللارموز واللادلالات، تفرض على السوسيولوجيا اليوم أن تبحث في تلك الكيانات التي يساهم اليومي اليوم بشكل مكثف ومركز في إنتاج وجودها: الحيوات الاجتماعية المعاصرة. ألا يجعل ذلك من السوسيولوجيا على سبيل المثال سيميولوجيا للحياة اليومية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك