المسلسلات والأفلام والأخبار وبعض البرامج الثقافية الترفيهية جل ما كنت أعرفه عن الشكل الظاهري لمجال الإعلام،  ولكن ما أن دخلت في هذا السلك وبدأت أبحث في خباياه وتفصيلاته، حتى تبدلت آرائي، وتحولت أفكاري وعرفت ما لم أكن أعرف عنه، وعزمت على الغوص والبحث فيه أكثر. حيث إن ما نواجهه في حياتنا اليومية من أمور كثيرة لا يخلو معظمها من حرب، أو لوثة فكرية استبدت في عقولنا منذ زمن ليس بالقريب ولا القصير، ولا أغفل في هذا الجانب إهمالنا وتقصيرنا، ولا أريد أن ألقي اللوم على الإعلام، وأصف ضعفنا على أنه بسبب الإعلام وحده، إذن لقال القارئ العزيز ما نعانيه سببه ضعف في ديننا وإرادتنا وعدم تفوقنا في أدنى العلوم حتى! نعم لديك الحق، ولكن الإعلام أو الحرب الفكرية تتصدر الأمور التي تسببت بضعفنا وتفريطنا وما نعانيه، وما سنكون عليه في المستقبل، إن لم نتدارك تقصيرنا في شتى المجالات، ومن بينها الإعلام.

إذ تبين لي أن ما نواجهه نحن المسلمون مؤخرًا معظمه أزمة فكرية، استهدفت كافة أفراد المجتمع بمن فيهم الطبقة المثقفة، ولا يخفى على أحد منا أن الغرب سعى من خلال مؤسسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمحاربة العرب بشكل عام، والمسلمين منهم بشكل خاص على مر السنين، ولمّا لم يكن له بد من استعمال أداة توازي الأدوات العسكرية والاقتصادية، أداة لها ذات المفعول، ولربما أعمق وأدوم، وأقصد بشكل خاص أنه عزم على محاربتنا بسلاح جديد غير تقليدي من الأسلحة التي حاربنا بها، وأثبتت فشلها بعد فترات قصيرة، أو طويلة، كالسلاح العسكري.

فقد لجأ إلى سلاح جديد مزروع فينا ونحبه: القرية الصغيرة، أو الإعلام، وبرأيي الشخصي: فإن النجاح بإتقان هذا العلم يؤتي ثمارًا جيدة، بل ممتازة، ولا يفهم من كلامي هذا أنه هو من أوجده؛ إذ العلم قديم، ومصطلحاته موجودة في القرآن الكريم منذ أربعة عشرة قرنا، حيث قال الله عزوجل: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر، والأذان هنا هو: الإعلام، ولكن أصلّه وأخرج قواعده كي تكون منهجًا محددًا وطريقًا واضحًا يقتفي أثره من أراد الولوج في هذا الفن، وقد استفاد منه غاية الاستفادة، ومما ساعده على ذلك تسارع الثورة التقنية التي شهدها العالم في القرون الأخيرة، من الراديو، التلفزيون، الإنترنت، مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية… إلخ.

ومن هذا المنطلق قررت أن أكتب رؤيتي التي تكونت من خلال قراءاتي المستمرة وإطلاعي الدائم في هذا المجال، ولا سيما أنني أدرس هذا التخصص، ولا أغفل في هذا القصد دور بعض الإعلاميين المسلمين الذين تبنوا القضية، كالمخرج: مصطفى العقاد صاحب فلمي الرسالة وعمر المختار، حيث ذكر في مقابلة أجريت معه حول فيلم الرسالة عام 1976 «لقد عملت الفيلم لأنه كان موضوعًا شخصيًا بالنسبة لي، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام. وأنه دين لديه 700 مليون تابع في العالم، هناك فقط القليل المعروف عنه؛ مما فاجأني. لقد رأيت الحاجة بأن أخبر القصة التي ستصل هذا الجسر، هذه الثغرة إلى الغرب».

الإعلام

مجموعة الأفكار التي ستسود في حياة الأفراد أو المجتمعات المهيأة نفسيًا لاستقبال هذه الأفكار التي تروج لها المصادر التي تتحكم في الرأي العام وتمسك زمام الأمور، خيرًا كانت، أو شرًا، بغض النظر لأي جهة كان أو لأي سياسة يتبع.

ولنذكر بعض الأمثلة التي توافق ما يرمي إليه مقالنا:

 1- أمريكا، أول عملية دعائية حكومية في العصر الحديث، حيث كانت أثناء إدارة الرئيس ويلسون الذي انتحب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1916 وفق برنامج انتخابي بعنوان سلام بدون نصر، وكان ذلك في منتصف الحرب العالمية الأولى.
في تلك الأثناء كان المواطنون مسالمين لأقصى الدرجات، ولم يروا سببًا للانخراط والتورط في حرب أوروبية بالأساس، بينما على إدارة ويلسون التزامات تجاه الحرب، ومن ثم كان عليها فعل شيء حيال هذا الأمر، فقامت الإدارة بإنشاء لجنة للدعاية الحكومية أطلق عليها: لجنة كريل، وقد نجحت هذه اللجنة خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهيستريا والتعطش للحرب، والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني، وخوض حرب، وإنقاذ العالم!

2- خلال حرب العراق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2004 استطاع مراسل قناة (NBC) الحصول على واحدة من اللقطات التي خرجت على وسائل الإعلام آنذاك، حيث التقط هذا المصور مقطع فيديو لأحد الجنود الأمريكان وهو يجهز على جندي عراقي جريح بعد انتهاء أحد المعارك في الفلوجة، كان هذا الفيديو اتهامًا للجيش الأمريكي بارتكاب جرائم حرب، ولكن سارع الجيش الأمريكي إلى وسائل الإعلام لإيصال جانبه من القصة، وبرر ذلك بأن الإرهابيين الذين يقاتلهم في العراق يتبعون تكتيكًا وهو التظاهر بالموت أو الاستسلام أو العجز، وحين يقترب الجنود الأمريكان منهم يقوم الإرهابيون بتفجير أنفسهم، وكانت هذه الرواية كفيلة لإخراج الجيش الأمريكي من المأزق.

ومرورا بأفلام هوليود التي تبث رسائل مسمومة إلى الشباب، بطريقة تعبر فيها عن ثقافتهم وتعمل على تغيير ثقافة شبابنا وتقلل من قيمة مجتمعهم، إذ تعكس المفاهيم بكليتها، فحسب شهادة البروفسور (جاك شاهين رحمه الله) أستاذ الاتصال في جامعة (إلينوي الجنوبية) والمستشار السابق لشبكة (CBS) التلفزيونية لشؤون الشرق الأوسط، فإن نحو 25% من الأفلام التي أنتجتها هوليود في تاريخها تحقر بشكل أو بآخر العرب، إذ شاهد الأستاذ شاهين نحو ألف فيلم هوليودي مما أنتج بين عامي 1896 و2000، ولم يستطع أن يجد أكثر من 12 حالة إيجابية فقط للعرب والمسلمين، إلى جانب 52 حالة يصنفها على أنها معتدلة من وجهة نظره، في حين تبقى الأفلام المتبقية ذات صور سلبية ومسيئة!

حيث لا تكاد صورة العرب والمسلمين تخرج عن إطار الصور النمطية القليلة المعروفة، والأمر كما ذكرنا آنفًا لا يقتصر على تشويه صورة العرب والمسلمين، إذ لربما لا يتقبلها الشباب أو يصحو لها، أو أنها لا تمس اهتمامتهم بشكل شحصي في ظل سباتهم هذا الذي هو أشبه بالسكر، فهم في حالة يقظة دون الوعي.. ولكن حين يمس الموضوع الشباب بشكل شخصي وملاذاتهم وما يغريهم، نشهد من خلال الأفلام الكثير والكثير من الأفكار المريبة، والتي تدفع بهم إلى جاهلية حمقاء، أو التطبع بأخلاق وثقافة ليس مرغوبًا فيها بالبلد المنتج لها أحيانًا.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد