مرت 25 سنة على التوقيع التاريخي لاتفاقات أوسلو‏ في حديقة البيت الأبيض الأمريكي في سبتمبر (أيلول) 1993. وعلى الرغم من رؤية الكثيرين لها -بكل عيوبها وغموضها- بوصفها إنجازًا تاريخيًّا، إذ كانت أول اتفاق سلام مباشر بين طرفي الصراع الأصليين: الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فإن الحقيقة أنها كانت وهمًا كبيرًا، ولم تخلف سوى خيبة الأمل ومصطلحات خادعة مثل «ضوء في نهاية النفق».

«إيلان بابي» المؤرخ الإسرائيلي المخضرم يقول إن هناك خرافتين مرتبطتين باتفاقيات أوسلو‏: الأولى أنها عملية سلام حقيقية، والأكذوبة الثانية أن ياسر عرفات قوضها عمدًا بإشعاله الانتفاضة الثانية ضد إسرائيل، والتي اعتبرتها عملية إرهابية وليست انتفاضة شعبية. الخرافة الأولى نتجت من الرغبة الشديدة لدى بعض الأشخاص في الطرفين لإيجاد حل للقضية، لكن لم يكن هناك في الواقع أي مقومات للنجاح في مساعي الحل.

كانت بنود الاتفاقية مستحيلة التنفيذ، والادعاء بأن ياسر عرفات لم يحترم التعهدات الفلسطينية الموقعة في الاتفاقية؛ هو محض افتراء، فالرجل لم يكن يستطيع فرض التزامات يستحيل الحفاظ عليها قيد التنفيذ. وعندما فشلت تلك الأطراف في تحقيق الرغبة في الوصول إلى حل حقيقي بدأت لعبة إيجاد شماعة يلقى عليها اللوم بالفشل، وكان عرفات هو الأنسب.

ويضرب «بابي» مثالًا بما كان يسمى الترتيبات الأمنية، فالحقيقة أن هذه الترتيبات كانت تحول السلطة الفلسطينية -أو بالأحرى منظمة فتح تحت قيادة عرفات- إلى مجرد متعاقد أمني ينفذ الرغبات الإسرائيلية داخل الأرض المحتلة، وأن يكفل أيضًا منع وجود أي أنشطة مقاومة لانتهاكات الاحتلال. كان الإسرائيليون يريدون أن يقبل عرفات بتفسيرهم الخاص بالتسوية النهائية دون نقاش: دولة فلسطينية عاصمتها قرية أبو ديس في الضفة الغربية، مقتطع منها وادي الأردن والكتل الاستيطانية الكبيرة التي زرعت في قلب الضفة، ومناطق أخرى في محيط القدس. وكان موقف المنظمة دائمًا كما يصوره إدوارد سعيد: «سنقبل أي شيء طالما أنك تعترف بنا».

دولة فلسطينية بدون سياسة اقتصادية خارجية مستقلة، وما هو مسموح لها بالداخل مقيد بالرغبات الإسرائيلية، باعتبارهم موظفين فقط لديها، مثل إدارة النظام التعليمي، وتحصيل الضرائب، وإدارة البلديات، وحفظ الأمن تحت رقابة «التنسيق» الإسرائيلي، وصيانة البنى التحتية داخل تلك المناطق. كان تنفيذ مثل هذه المطالب رسميًّا يعني الاتفاق على إنهاء النزاع دون الحصول على شيء، بل والقضاء على حقوق أساسية مثل حق العودة للاجئين الفلسطينين الذين شردوا وطردوا عام 1948، كان يقضي على أي مستقبل للقضية وحقوق فلسطين.

كان الأمر بالضبط كما وصفه إدوارد سعيد في مقالته الطويلة المنشورة في مجلة لندن ريفيو في أكتوبر (تشرين الأول) 1993، أن الاتفاقية هي أداة لاستسلام الفلسطينيين، وأنها أزاحت الشرعية الدولية جانبًا، وأضعفت الحقوق الوطنية الأساسية للشعب الفلسطيني. ولا يمكن أن تقدم حق تقرير المصير الفلسطيني الحقيقي؛ لأن ذلك يعني الحرية والسيادة والمساواة، وليس الخضوع الدائم لإسرائيل، وهذا بالطبع ما ترفضه الأخيرة.

يضيف سعيد أن الكتلة الحرجة لنسيج اتفاقيات أوسلو‏ كانت هي فكرة التدرج في التنفيذ، فالقضايا الرئيسية في النزاع مثل وضع القدس، وحق العودة، ووضع المستوطنات اليهودية داخل الكيان الفلسطيني المفترض، كلها مسائل جرى تأجيلها لما يسمى بالفترة الانتقالية الخامسة أو الوضع النهائي.

وما حدث على الأرض كان مجرد تجربة متواضعة في الحكم الذاتي، بدءًا بقطاع غزة ومدينة أريحا في الضفة الغربية، وسرعان ما لقي حتفه وباء كل شيء بالخسران. ولم يذكر النص الموقع عليه أي وعد بدولة فلسطينية مستقلة، رغم تنازل الفلسطينيين عن 78% من فلسطين التاريخية مقابل حلم بالاعتراف بهم وبدولة على 22% فقط من أرضهم. وفي النهاية خسروا ما تنازلوا عنه ولم يحصلوا على الثمن. وفي خضم البهجة نسي الجميع أن إسرائيل لا تدفع ثمنًا لما تحصل عليه مقدمًا.

التدريج والتقسيم الزمني كان خطة صهيونية ماكرة منذ البداية، لم ينتج منها سوى المزيد من إراقة الدماء والفشل المعهود في تحقيق السلام. ويؤكد المؤرخون أن القادة الفلسطينيين لم يطلبوا تقسيمًا زمنيًّا أو مكانيًّا في أي وقت أو مرحلة من المفاوضات، بل كانت دائمًا فكرة إسرائيلية، ومع الوقت ازدادت نسبة الأراضي التي يطالب بها اليهود تبعًا لازدياد قوتهم في المفاوضات بتنازل الفلسطينيين أمامهم، وابتلاع العالم لفكرة التقسيم ودعمها دوليًّا.

كانت إسرائيل هي التي تحدد مقدار المساحة التي ستتركها للفلسطينيين، بل وأيضًا ماذا سيفعلون بها. ولم يكن الوعد بإقامة دولة فلسطينية سوى سراب، وما تم هو ترجمة المبادئ التي وردت في الاتفاقات المختلفة حسب الهوى الإسرائيلي، وخلق واقع جيوسياسي جديد على الأرض. ولم يعد يشمل التقسيم فقط الضفة الغربية وقطاع غزة بين اليهود وأصحاب الأرض الأصليين، بل وتقسيم كل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات تشبه الجبن السويسري المليء بالثقوب، على حد تعبير المعلقين السياسيين وقتها.

ومع ضعفهم وقلة حيلتهم وعدم وجود بدائل أو دعم قوي لهم، قبلت الأطراف الفلسطينية فكرة التقسيم واعتبرتها أقل الأضرار التي ممكن أن تحدث. كانت الحقيقة على الأرض أن عملية أوسلو‏ لم تكن مسعى عادلًا للسلام، بل حلًّا وسطًا وافق عليه شعب مهزوم ومستعمر، أجبره المعتدي المحتل على قبول حلول تتعارض مع مصلحته، بل وكما يؤكد «إيلان بابي» تعرض وجود الفلسطينيين نفسه للخطر. لا يوجد أي سبب في التاريخ يقول إن السكان الأصليين في أي مكان قد تطوعوا لتقسيم وطنهم مع المحتل المستعمر، سوى أنهم تعرضوا لضغط شديد وإكراه بقوة غاشمة وسط صمت، بل وقبول عالمي بما يحدث لهم.

في النهاية أدرك عرفات وهو يلفظ أنفاسه أنه كان ضحية للعبة محكمة، وضعت نهاية للأمل الفلسطيني في مجرد الحصول على حياة طبيعية كباقي البشر، وحكمت عليهم بالكثير والمزيد من المعاناة في المستقبل. كانت لعبة غير أخلاقية من محتل اعتاد على لعبها من وقت لآخر، وبنجاح منقطع النظير. ولا يعتمد فيها سوى على عقول لا تستوعب دروس التاريخ، ولم تتعلم في صغرها أنه إذا «برز الثعلب يومًا في ثياب الواعظينا.. فمخطئ كل من ظن أن للثعلب دينا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد