كواحد من مواليد الثمانينات شبه الكلاسيكية التي شهدت آخر موجات التحرر الثقافي في العالم، وبدء موجة أخرى من التحفظ الأخلاقي في مصر والعالم العربي كنت كديدن أبناء جيلي ومن سبقنا معتادين على ترسخ العديد من الثوابت بعينها سواءً كانت أخلاقية أم ثقافية أم اجتماعية، أو حتى فنية وترفيهية؛ وبينما قد لا يفيد المرور على «كليشيه» الثلاث قنوات اليتيمة التي وفرها التلفزيون المصري في عصر ما فبل «السات»، جيل كابتن ماجد وأغاني التسعينيات البائسة السريعة الوتيرة وحلقات العلم والإيمان والأفلام الكوميدية العربية عصر الجمعة، ولكن ما أود أن أذكره ها هنا هو تحولي بطريقة ما، وبمرور الزمن من صبي «مستمع مطيع» حافظ، ناسخ، مُمتثل لكل مُدخل إلى وعيي بشكل أولي شبه ساذج؛ إلى شاب له فكر مستقل، كوّنه بقراءات واطلاعات وتجارب، ثم إلى كاتب محترف يتعامل مع الحقائق بشكل نسبي متغاير غير متشدد وخلال تلك الرحلة التي استمرت ما يقارب 10 سنوات اختلفت مفاهيمي وانعكست رؤياي لبعض الأشياء، كان من بينها وأهمها، مع بزوع فجر ثورة 25 يناير، عندما أدركت أن حسني مبارك ما هو إلا رئيس اتهم بالفساد والتقصير، وليس (بابا مبارك) الذي يحنو على شعبه ويأخذ بيده إلى بر الرفاهية والأمان، ثم تلا ذلك ما تلاه عندما بدأ الوعي السياسي في التشكل، وأدركت أن هناك ما هو أكثر تطرفًا في تحوله، مثل التحول الفج لرمز الفن «المعارض» أو «المناضل» محمد صبحي من خانة (كل التقدير لذكاء الرجل وشجاعته وحسه الوطني) إلى خانة (وزير الأخلاق ووكيل الدفاع عنها وظهير معسكر الدولة العميقة).

وبخلاف الرجل انهارت أمامي العديد من الرواسخ التي قد لا يتسع المجال لذكرها جميعًا، ولكن منذ ما يقرب من الأعوام الخمسة وحتى اليوم عكفت بشكل ما وبشكل شخصي متتبعًا شغفي الخاص على البحث والتقصي في موضوع توظيف الدراما والفيلم في الترويج لسياسات الدولة المصرية، وصادفني العديد من الآراء والقراءات التي نوهت إلى أن أحد أهم الأفلام التي ساهمت في ترويج لقوى الدولة وقدراتها الأمنية في عهد جمال عبد الناصر في الخمسينيات كانت سلسلة أفلام الفنان الكوميدي الشهير المحبوب إسماعيل ياسين، إذ لم نفهم وقتها كأطفال لماذا يصر (سمعة) على التنقل في مغامراته الكوميدية ما بين البوليس والأسطول والجيش والبوليس السري والطيران؟ ليس لأي سبب بالطبع سوى لإظهار القدرات التي تملكها الدولة مدمجة في عمل (بروباجاندا) مستتر، ربما احتاجت إليه دولة الثورة في تثبيت مفاهيم القدرة الأمنية لاشعوريًا لدى الشعب، أو كرسائل للعالمين العربي والغربي وقتها بأن مصر الآن لها «كيان» يدعو للتفكير فيه قبل أية خطوات تصعيدية.

ولكن فيما بعد قرأت في مذكرات الفنان فريد شوقي أنه كانت هناك توجيهات مباشرة أحيانًا من الرئاسة المصرية بتوظيف أفلام بعينها كأداة للترويج، وجاء في حديث من مذكرات الممثل المصري فريد شوقي أنه قد جاءه تكليف مباشر من جمال عبد الناصر عام 1956 ببطولة فيلم وطني عن بطولة أبناء بورسعيد -فيلم بورسعيد- في المقاومة ضد العدوان الثلاثي، مما أوضح الصورة أكثر فأكثر، إذن فنجمي المفضل كان مؤيدًا مطيعًا للدولة وفكرها، وربما قد لا يبدو هذا سيئًا للغاية بالنسبة للبعض من الناس كفكرة (وطنية الفنان في تأييد سياسة بلده)، فكل إنسان أدرى بشطآن زورقه؛ ولكن ما أتكلم عنه هنا هو (تحول الرمز المترسخ) من نجمك المفضل خفيف الظل البعيد عن السياسة كل البُعد سواءً اختلفت أم اتفقت مع فترة حكم ناصر، خاصة وأن (سُمعة) له موقف شهير هاجم فيه الملك فاروق -الند الأول لمجلس الضباط الأحرار- وحاول أن يسخر منه بشكل غير مباشر عندما كان الملك فاروق يشاهد أحد فقرات النكت التي كان يؤديها إسماعيل ياسين في أحد مسارح العاصمة في الأربعينيات، وحاول أن يداعب الملك بسخرية وبدأ نكتة بقولة (مرة في واحد مجنون زي حضرتك كده…) وهنا انتفض الملك غضبًا وأمر بإلقائه في مستشفى الأمراض العقلية مدة 10 أيام!

وكان آخر مسمار دقه (سُمعة) في نعش ثوابتي، هو مقطع شهير انتشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع احتفالات الدولة بأعياد النصر 6 أكتوبر، المقطع الذي كان بمثابة صدمة للمصريين والعرب هي نكتة ممنوعة غير لائقة يلقيها إسماعيل ياسين أثناء فترة الستينيات -في الأغلب عقب النكسة- على مسرح الأندلس الشهير، وفيها يسب شيخ مسلم دين شخص صهيوني عابر ساعده في عبور الطريق في القدس عندما اكتشف الشيخ أنه غير مسلم بدلًا من أن يدعو له بقصر في الجنة! ولما حاولت البحث إن كان المقطع مفبركًا أم لا، أو أصوله أو حتى نسخة أخرى لهذا الحفل المسرب منه المقطع ومعنون (تلفزيون الكويت)؛ لم أجد له أية أصول أو حتى عناصر تساعد في التأكد من صحة النكتة غير اللائقة؛ برغم كرهي الشديد لكل صهيوني، وحتى عملًا بمبدأ (السخرية في الحرب طلقة)،

المقطع المنتشر مؤخرًا

جاءت النكتة بمثابة صدمة لي -بافتراض أنها حقيقة أصلية-، أن أرى نجمًا لطيفًا ضحّاكًا طريفًا مثل إسماعيل ياسين يسب دين أم أحدهم على الملأ في حفل عام، وسواء اختلفت أم اتفقت معي على مدى حرمانية المزحة؛ إلا أن المقصود هنا يأتي باكتمال صدمتي عن النجم الذي طالما أضحكني حتى استلقيت على قفاي فحسب، ولما تذكرت ما سبق أعلاه تجمعت في ذهني صورة تبدو مشوهة غريبة عن ما يعرف (بالثوابت الراسخة) في أمخاخنا، ولكم تكون بعض الأفكار الثابتة والمعتقدات أحيانًا هشة، قد تنكسر بمجرد نكتة من (سُمعة) حبيب الكل، ولما إنني أعلم أن هذا الرأي قد يجلب عليّ اللعنات من جراء اتهامات جاهزة (محاولة تشويه رمز كوميدي مصري) إلى (التطاول على الموتى) وحتى (التآمر على سياسة الدولة والانتماء لأعدائها) لذا أحب أن أقول الآن.. سوف يظل (سمعة) يضحكنى حتى أموت، سيظل هو عبقري الكوميديا الأول عندي، ولكن عذرًا.. لن يبقى (سُمعة) «رمزي» المفضل، ولا غيره للأمانة، وحتى إشعار آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد