لا يوجد دائمًا تفسير لكل شيء، مقولة كنت قرأتها للكاتب الرائع إرنست همنجواي واليوم فقط أصدقها، فالحياة تثبت لنا ذلك يومًا بعد يوم. لماذا لم تدخل تخصصًا لطالما حلمت به؟ ولماذا رفضت من وظيفة سعيت إليها وتمنيتها دومًا؟ لماذا كتب عليك أن تعيش على أرض جدباء لا تشعر نحوها بأي انتماء؟ ولماذا كثيرًا ما يثقل الحزن عليك حتى يبلغ عنان السماء؟ لا تفسير يا صديقي وأنا آسفة.

لكن صدقني، لو كانت الحياة تسير كما نريد لما تمنينا الجنة، وهنالك قصة عن فتاة عاشت طفولة قاسية، حيث توفيت والدتها وهي صغيرة جدًا ثم عطف عليها خالها، وأخذها لتنشأ معه هو وأسرته، لكن تشاء الأقدار أن يموت بعد فترة، فتجد نفسها وهي طفلة تتلقى سوء المعاملة نفسيًا وجسديًا من زوجة خالها وأطفاله، ثم تمر السنوات العجاف، وتذهب لتعيش في مدرسة خيرية، لكن من سوء حظها تواجهها صعاب كثيرة وتنتشر عنها الإشاعات الكاذبة وحتى صديقتها الوحيدة تموت هي والعديد من زملائها من جراء التيفوئيد، وبعد 6 سنوات طالبةً تعمل سنتين معلمةً، ثم تقبل أن تعمل معلمةً خاصة لتدريس فتاة تسكن في قصر.

ذات يوم وهي في طريقها تمارس روتينها الاعتيادي، ترى حصانًا ينزلق على الجليد، والفارس الذي عليه يقع، فتساعد الأخير على النهوض، وما أن تصل حتى تكتشف أن هذا الفارس لم يكن إلا صاحب القصر، وتمر الأيام ويطول الأخذ والرد بينهما، ويحب أحدهما الآخر، ويصارحها برغبته في الزواج منها، ولكن حينما يكونان على وشك الزواج تكتشف أنه متزوج من امرأة مجنونة وهي محبوسة في أعلى القصر فتواجهه حينها، ولا ينكر بل يعلل الأمر بأن أباه قد خدعه وهو حديث السن وأقنعه أن يتزوج تلك المرأة لثرائها، فتهرب. وتواجه ظروفًا شديدة القسوة من الجوع والبرد وكونها بلا مأوى، واضطرت لفترة أن تتسول لكنها تشاهد أفراد أسرة عمها، وبينما هي تحاول دخول المنزل، وفيما يرفض الخادم أن يدخلها، تقع مغشيًا عليها، وبعد أن يدخلوها المنزل يحسنون إليها وتبقى معهم، تكتشف بعد فترة أن عمها قد ترك لها ثروة قبل وفاته، لكنه لم يترك للإخوة الثلاثة أبناء عمومتها شيئًا، فتصر هي على تقسيم المال الذي ورثته بينهم مؤكدة أنهم أسرة، ويطلب ابن عمها منها الزواج بدافع الواجب، وتذهب معه إلى الهند حيث إنه قديس ويريد الذهاب للتبشير هناك، فتقبل أن تسافر معه كأخت لكنها ترفض الزواج منه.

وفي النهاية يغلبها الحنين فتعود إلى القصر بعد فترة طويلة، فتراه قد أحرق بالكامل ثم تعرف أن الزوجة المجنونة هي من أشعلت النيران وانتحرت، وتفزع هي من فكرة أن يكون هو (الفارس الذي أنقذته سابقًا) قد مات، لكنها تعلم أنه حي وفقد بصره ويده، ويخاف أن يطلبها للزواج فترفضه لوضعه الصحي، لكنه يتقدم إليها بعد أن يتأكد من حبها له، ويتزوجان ويسترد بصره مع أول مولود لهما. إنها رواية جين إير.

هل ترى معي روعة القصة، بعد كل الصعاب تأتي البهجة ولا بد أن تتذوق الحزن حتى نعرف طعم الفرح، وليس بالضروري أن تكون فترة من حياتنا كئيبة أن نفترض أن بقيتها هكذا، أتعرف حكاية الرجل الذي  ذهب إلى الطبيب متألمًا وحينما سأله الطبيب عن مصدر ألمه، قال: إني إذا لمست بإصبعي هذا قدمي أتالم، وإذا لمست بنفس الإصبع أيًّا من أنحاء جسدي فإنني أتألم بشدة، فقال له الطبيب: هل فكرت يا سيدي أن إصبعك مكسور! فستظل تتألم حتى تعرف السبب فتعالجه.

وكما قال شخص متفائل قديمًا: «الحياة سفينة تغرق، لكننا سنغني في قوارب النجاة» لذا فلا بأس أن تحزن قليلًا، فالحزن كما قال علي بن أبى طالب هو «زكاة القلب» لكن لا تنس أن تتخذ الفرح رفيقك الدائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد