وسأبدأ بنفسي كي لا أكون مثاليًا يبيع الكلام.

هل أقبل الرأي الآخر بسهولة؟، لا، وأحيانًا أقبله بصعوبة.

هل أتقبل النقد الصريح؟، لا، وأنزعج منه غالبًا.

هل شعوري تجاه من يوافقني الرأي هو نفسه لمن يخالفني؟ لا وألف لا، فأنا أحب الأول وأنزعج من الثاني.

هذا كلام صريح، أعترف به لك قارئي الكريم لأوصل لك رسالة واضحة، أننا في أسرنا ومجتمعنا العربي والمسلم لم نتربّ على عقلية الاختلاف وأن نتقبل الرأي الآخر، بل تربينا على الجمود والتفرد بالرأي ومعاداة من يخالفنا ولو بأتفه الأمور.

ولما كبرنا وقرأنا وتعلمنا واكتسبنا الخبرة من الحياة، وجدنا صعوبة كبيرة في أن نتغلب على تربيتنا التي نشأنا عليها من الصغر والتي كانت تقوم على التفرد بالرأي وعلى أن (الرأي الصحيح) لون واحد لا يتعدد.

وأنا عن نفسي منذ أن انتبهت لهذا المرض الفكري عندي، لا زلت وسأبقى في ما تبقى لي من حياة أحاول مقاومته والتخلص منه جهد المستطاع، عسى ولعل.

كيف يبدأ هذا المرض؟

في مجتمعنا يتربى الطفل من صغره (بما يرى ويسمع من أبويه) على التمسك برأيه وعدم النظر في احتمال صحة الرأي المخالف له، بل إنه لا يقبل حتى الرأي غير المخالف إذا طرح بطريقة أخرى لا تناسبه.

وإذا راقبت الأطفال عندما يلعبون ستجد أن كلا منهم يحاول فرض قواعد للّعبة على الأطفال الآخرين، وأن يلعبوا كما يريد هو فقط.

ثم تأتي المدرسة لتقوي هذا الفكر الأحادي الجامد، فلا تكاد تجد سؤالًا في أغلب الامتحانات التي يمتحنها الطالب له أكثر من جواب، هناك في الغالب جواب واحد يحدد مصيرك إما درجة كاملة أو صفر. لذا فالمهارة الوحيدة التي يمارسها الطالب حتى يتخرج من الجامعة هي (الحفظ).

ويكبر الفرد في مجتمعنا وهو معتقد جزمًا أن العالم الحقيقي والصحيح هو الموجود في عقله فقط، وكل ما يخالفه هو خطأ أو قريب من الخطأ يجب تغييره.

وعندما يدخل الفرد في سوق العمل ويبدأ بكسب رزقه تترسخ عنده أحادية التفكير لما يراه يوميًا في تعامله مع أفراد المجتمع ممن هم مثله قد تربّوا على هذه العقلية.

وقد وُرِّثت هذه العقلية من السلف إلى الخلف وتضخمت بمرور الزمن وتعاقب الأجيال إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في عصرنا، وتمثلت بما شهدناه وعشناه من وحشية في التعامل مع المخالف، وأخطر صورها ما حدث باسم الدين وتحت شعاره.

أحيانًا يحاول بعض تجار الفكر والدين أن يُخفوا هذا المرض المتأصل في نفوسهم بإظهار خلافه تصنعًا، حتى إذا يئسوا من بيع بضاعتهم لك عادوا إلى شخصياتهم المريضة وبسرعة، فترى منهم الحقيقة التي أرادوا أن يخفوها بتملقهم ونفاقهم.

وقد مررت في حياتي بتجارب مضحكة مع أناس مثل هؤلاء، يسايرونك في الكلام ولا يجرؤون في البداية على التصريح بآرائهم كي لا تنفر منهم، فيظهرون لك أعلى درجات المثالية والتسامح لتطمئن إليهم، ويسمعونك المديح، ويؤكدون لك أن كلامك صحيح وأنهم يوافقونك الرأي الذي تراه، وهم في قرارة أنفسهم خلاف ذلك.

وبمجرد أن تثبُتَ على موقفك، ولا تتنازل لهم، ولا تسايرهم فيما يريدون، سترى منهم كما رأيتُ، موقفًا هزليًا إلى أبعد الحدود.

سيتحول الملاك في لحظات إلى شيطان، وينفض عنه ثوب الحمل الوديع، ويحاول أن يثبت لك أنه ذئب أغبر لا يمكنك مقاومته، وسترى منه من اللؤم ما لم يخطر لك على بال.

هذه العقلية التي لا تتقبل الاختلاف والرأي الآخر ولا تحترمه، من الأسباب الرئيسة المعوقة للمجتمع والتي تمنعه أن يتقدم في شؤون الحياة كلها.

لأن لكل إنسان بطبعه اعتداد برأيه ولا يتنازل عنه بسهولة، كما أن له نظرة للحياة لا تشابه نظرة الآخرين لها، والنتيجة ستكون تجاذبًا من الجميع وفي كل الاتجاهات المتعاكسة، والمحصلة من هذا التجاذب محصلة صفرية كما تقول لنا الفيزياء، ونتيجة ذلك بقاء المجتمع في تخلفه وركوده ومصائبه التي لا تنتهي.

وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، ففي مثل مجتمعاتنا ستؤول الأمور للقوي (بدَنِيًّا أو ماديًّا أو سياسيًّا)، أي أن المحصلة ستكون لصالحه.

ولعل هذا أحد أهم الأسباب التي تفسر لنا بقاء الديكتاتوريات وازدهارها في أوطاننا بشتى صورها ( ملكية – جمهورية – إمارة ) قد تختلف صور الحكم لكن النتيجة واحدة، دكتاتورية في الحكم وجمود في التفكير.

وهذه نتيجة طبيعية ومنطقية، لأن الكل في مجتمع الرأي الواحد يريد لرأيه أن يسود، وبذلك سيعادي الرأي المخالف له وينقضه ويقصيه إن استطاع، والمستفيد هو السلطة الحاكمة أو الجهة الأقوى في الدولة الفاشلة، والتي تغذي مثل هذا الفكر المتخلف وتدعمه لينمو أكثر .

والفكر الأحادي الجامد لا يتمثل في الأفراد فقط، بل تجده في كثير من الحركات والأحزاب والجماعات والجمعيات في مجتمعاتنا، فهي في الحقيقة ليست أكثر من ملل ونحل تحتكر الصواب لنفسها فقط.

لأن مجموع العقول الجامدة ينتج مؤسسة جامدة، فتجميع الأصفار لن يزيد من قيمة الرقم، ومهما تضخم سيبقى المجموع صفرًا.

لذا تجد حالة غريبة في مجتمعاتنا هي أحد أعراض مرض الجمود الفكري واحتكار الحقيقة وهي أن المؤسسات والجمعيات والحركات مهما كان عملها متشابهًا وهدفه واحد، لن تجدها تتعاون فيما بينها أو تتحد مع بعضها لترتقي بهذا العمل.

وقد جرت قبل سنوات محاولة لتشجيع التعاون بين الجمعيات الخيرية والتقى رؤساء هذه الجمعيات وكلهم من وجهاء المدينة وأخيارها، ورحب الجميع بالفكرة وأظهروا سرورهم ولم يعترض أحد، لكن الطريف في الأمر أن هذا الاجتماع لم يتكرر مرة أخرى، لماذا؟ أترك الجواب لذكائك.

هذه مزلة أقدام وأفهام، أخذتُ منها ومن أمثالها درسًا بليغًا وهو: أنك اذا أردت التغيير يجب أن تفهم أولًا أفكار من تتعامل معهم، وأن تفهم أفكار من حولك، لا تغرنك المظاهر ولا الكلام المعسول.

تغيير الأفكار أولًا ثم بعد ذلك كل شيء سهل وهين.

وأول خطوة في الحل هي أن نعترف بهذا المرض اعترافًا حقيقيًا وليس ظاهريًا باللسان لنخدع الآخرين بأننا أصحاب فكر متحرر وغير منغلق.

الاعتراف الحقيقي هو الذي يتبعه تدريب شاق للنفس على إذابة الجليد عن العقل والتخلص من اليبوسة في التفكير، ومن بدأ بهذا التدريب فعلًا يعرف كم هو صعب وشاق لكنه ليس مستحيلًا.

الخطوة الثانية هي اختبار متكرر لعقلك ومشاعرك، لتعرف هل بدأتَ فعلًا تستجيب وتتواضع للرأي الآخر ولا تنزعج بسرعة ولا تُستفز؟ وتكون مستعدًا لدراسة وجهات النظر التي تخالفك حتى لو لم تقبلها؟

والخطوة الثالثة أن تدرب نفسك على احترام الرأي الآخر، وإذا قررت أن لا تحترم الرأي الآخر فوطن نفسك على أن لا تنزعج إذا لم يحترمك المقابل، فكما تدين تُدان.

وههنا قاعدة مهمة تستحق أن نستحضرها دومًا وهي: إن احترام الرأي الآخر ومناقشته لا يستلزم دائمًا أن تقبله أو أن تؤمن به.

وعدم فهم هذه القاعدة هو الذي يمنع الكثيرين من التخلص من مرض الجمود العقلي، إذ يعتقدون أن احترام الرأي المخالف يعني أنك توافقه قطعًا.

يجب أن يكون الاحترام للرأي الآخر حاضرًا دومًا.

ويجب أن يكون الاستعداد للدراسة والمناقشة الجادة حاضرة دومًا.

أما القبول والإيمان به فهذا يعتمد على أشياء إضافية أخرى كثيرة.

وإذا كان الاحترام حقيقيًا والمناقشة جادة، فلن تحصل معارك ومصائب بين المختلفين، حتى لو لم يتم الاتفاق على شيء.

فليست الغاية من مكافحة وباء التفرد بالرأي والجمود العقلي أن نصبغ الناس بصبغة واحدة ونحملهم على رأي واحد، والا عدنا مرة أخرى إلى المربع الأول.

غايتنا أن نشيع احترام الرأي الآخر، والاستعداد الجاد لمناقشته، أكرر (الجاد) وليس الظاهري لغرض الخداع والهروب من الواقع.

فاذا شاع في المجتمع هذان الأصلان في طرائق التفكير، سنتخلص من وباء التفكير الأحادي الجامد، وسنتقبل الاختلاف بيننا بلا اتهامات باردة لا قيمة لها، وبلا صراع قد تسيل فيه دماء،

وسنبدأ بالخطوة الأولى نحو بناء المجتمع السليم والحضارة الصحيحة.

الفهم هو الحل..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغيير, فكر, مجتمع
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

قصة المنغلق
شارك 1
منذ 9 شهور
عام