عندما تأتي ذكرى سبتمبر (أيلول) «الأسود» من كل عام، تنوح الأحزان الحبلى بحزن يولد، ومصاب لا يبلى، وينكأ الجرح العربي دمًا بلون سواد ذكرى تلك الأيام.

لم يكن الأسود في أيلول فقط ما حل بالعروبة من هوان بعدما ارتكبت بالأردن مجازر أودت بحياة آلاف العرب من الفلسطينيين والأردنيين، ثم ما آلت إليه الأمور من طرد للمنظمات الفلسطينية من الأردن، وما حل بالمقاومة الفلسطينية بعد ذلك حيث طوردت إلى أن تفككت بعد أن سقط السند، وانهار حصنها الحامى.

كان السواد المدلهم فى أيلول ما مثلته أحداثه من حجر للزاوية في بناء عملية اصطياد الرئيس عبد الناصر والوصول إليه ثم قتله بالسم، فاستحق أيلول أن يوصم بالسواد مرتين، أولاهما بانكسار شوكة المقاومة الفلسطينية بالأردن، واثنتيهما بالفرصة التي سنحت لتنفيذ خطة الخلاص من عبد الناصر أثناء انعقاد مؤتمر القمة لحصار الأزمة ووقف الاقتتال بين الأردن ومنظمة التحرير.

لم يكن التآمر بعيدًا عن ما حدث في «أيلول الأسود» حين أرادت الرجعية العربية خلق الأزمة وإدارتها، فهي من ناحية كانت معنية بالقضاء على المقاومة الفلسطينية وتشريدهم، ومن ناحية أخرى كان بحاجة لشغل عبد الناصر بهذا النزاع ومنعه من التفرغ لإعداد الجيش لمحاربة إسرائيل، ومن تلقى الدعم المنتظر خلال المعركة من الفلسطينيين من خلال الجبهة الأردنية، حيث لم يكن عبد الناصر يعول على الملك حسين في أن يدعم جهود المعركة المنتظرة.

وقد تولت السعودية تشجيع الأردن على ضرب المنظمات الفلسطينية هناك عبر رسالة بعث بها الملك فيصل للملك حسين، وهى الوثيقة التى نُشرت فى كتاب «عقود من الخيبات»[1]، وكانت قد صدرت بتاريخ الثالث من يناير عام 1969م وحملت الوثيقة الرقم 421 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى والتى جاءت كما يلى:

”صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حفظه الله، يا صاحب الجلالة، سبق لي أن تحدثت لجلالتكم – كشقيق يسره ما يسركم ويضره ما يضركم – عن الحالة التي وصل إليها الأردن الشقيق، بوجود ما يسمى (المقاومة الفلسطينية)، وأفصحت لجلالتكم عن يقينى القاطع أن هذه (المقاومة) سوف تستغل ضدكم وتتحول من اسمها الظاهرى (مقاومة فلسطينية) إلى (مقاومة) ضدكم وضد شعبكم إن أنتم تهاونتم بترك حبالها على الغوارب.

والآن وبعد أن اتضح لجلالتكم أمرها جليا، فإنه لا يسعني إلا أن أكرر نصحى للإستفادة من هذا الوقت السانح لجلالتكم بمبادرة القضاء المبرم على هذه (المقاومة)، فبادروا أيها الأخ العظيم قبل أن يحدث ما نتوقعه بين يوم وآخر، وما نخشى عقباه باستبدال بحكمكم لا قدر الله حكم هذه (المقاومة الفلسطينية)، ومن ثم يأتي دورنا نحن، حين يتحول الأردن من دولة شقيقة إلى وبال ثورة علينا، فننشغل بمحاربة ثورتين شيوعيتين، واحدة فى جنوب مملكتنا والأخرى فى شمالها، حيث يصبح الأردن الشقيق كالجنوب المسمى باليمن الديمقراطى، والذى لم نزل نتعاون وإياكم فى مكافحة من أفسدوه .

فإن لم يصبح الأردن دولة شيوعية بانتصار (المقاومة لا قدر الله)، فإنه سيصبح بالتأكيد ولا محالة دولة ناصرية أو بعثية أو قومية، وكل هذه التسميات وإن اختلفت مجاريها، فإنها تصب فى قعر بؤرة واحدة، هي بؤرة الهدم ضدنا، وضد أصدقائنا الأمريكان والإنكليز وأنصار النظام الغربى.

لذلك فإنني أعرض مجددا على جلالتكم – كشقيق لكم – رأينا النهائى ورغبتنا الملحة، بالقضاء على كل هذه الزمر المفسدة المجتمعة في الأردن باسم (مقاومة إسرائيل)، بينما – يشهد الله – أن شر إسرائيل لا وجود له، أمام شرور تلك الزمر المفسدة.

وبهذه الرسالة، ما أردنا إلا تكرار عرض خدماتنا لجلالتكم بتحمل كافة المصروفات، وما ستتكلفونه من مال وسلاح وذخيرة فى سبيل مقاومة (المقاومة).

وإلا فإننى وأسرتى الصديقة التي ترى في هذا الرأي، وتقره كما تعلمون، سننضم جميعًا ضدكم، لنشكل الطرف الأخر لمقاومتكم ومقاومة هذه (المقاومة) غير الشريفة لأننا بذلك لا ندافع عن كيانكم فقط، بل عن كياننا أيضا .

وبانتظار الرد من جلالتكم، أدعو الله أن يحميكم من كل مكروه وأن يأخذ بيدنا لإحباط كل ما يحيط بنا من أخطار المفسدين الملحدين.

أخوكم المخلص.

فيصل بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية”

انتهى الاقتباس عن الوثيقة التى لا ندرى أن كان عبد الناصر قد أُعلم بمضمونها إلا أن المُثبت من أحاديث «هيكل» أن هناك رسالة من الرئيس عبد الناصر تم توجيهها إلى الملك الأردني حسين يحذره فيها من مغبة اصطدامه بفصائل المقاومة الفلسطينية ويهدد بالتدخل لوقفه عند حده، وينذره أنه لن يسمح لأحد أيا كان بتعطيل معركته الرئيسة مع إسرائيل بسبب معارك فرعية يفتعلها البعض.

إلا أن ذلك لم يردع الملك حسين الذي باشر بذكاء شديد توريط الفلسطينيين فى ارتكاب الدواعى التى من شأنها تبرير الصدام معهم، وللأسف انجرت المنظمات الفلسطينية إلى ذلك بتجاوزات لا مسؤولة مورست على خلفية تلك النشوة التي تحققت بعد انتصارهم بمعركة الكرامة[2]، حين هاجمت إسرائيل مواقع للفدائيين بزعم قيام الفصائل الفلسطينية بمهاجمتهم انطلاقًا من الأراضي الأردنية.

وعندما أصدر الرئيس عبد الناصر قرارًا بتعيين السادات نائبا له فى 20 ديسمبر 1969، كان القرار مفاجئًا وغير متوقع خاصة وأنه قد صدر عقب زيارة الملك فيصل لمصر، والتى كان ظاهرها التشاور مع عبد الناصر قبل حضور مؤتمر القمة بالرباط، وبحنكة من إعتاد المساومات استطاع الملك فيصل أن يقنع عبد الناصر بتعيين السادات نائبًا له حين واجه عبد الناصر قائلًا: ”أقول لك بصراحة إننا لكي نعترف بجمهورية اليمن لابد أن يكون السادات نائبك الأول، فهو صديقنا القديم، وأنت تعرف هذا، ووجوده ضمانة لنا”[3]، وقد عبر السادات عن ذلك الدور للملك فيصل حينما كتب فى مجلة «أكتوبر» فى العدد رقم 29 بتاريخ 15 مايو 1977 بالصفحة التاسعة، بعنوان «البحث عن بداية» جاء فيه: وكان للمرحوم فيصل مواقفه التى لا تنسى…”[4].

أفلح فيصل فى أن ينتزع مرامه، فقد كانت مصر متورطة بالفعل فى اليمن بما يكفى ليقبل عبد الناصر إيقاف تلك الحرب مقابل ذلك الثمن الزهيد – أو هكذا ظن – فتعيين السادات نائبا له «كتكتيك» واستخدامه كورقة ضمن أوراق فى معركته مع السعودية، والتظاهر بالسير فى ركب فيصل كأحد خطط الخداع والتمويه للمعركة مع إسرائيل التي يقوم ناصر بالإعداد لها، كانت كلها توافق هوى عبد الناصر وتخدم خطته.

وظن عبد الناصر مخطئًا أنه يمسك بخيوط اللعبة جيدًا فالقرار قابل للإلغاء بالوقت الذي يراه مناسبًا، ولكن عبد الناصر الذي لم يكن في مخيلته أن السادات سيخلفه، خانه التقدير حينما أستبعد أن تكون هذه الخطوة قد جاءت لتعجل باغتياله قبل أن يقيل السادات – كالمتوقع – بعد أن يستنفد الغرض الذي عُين من أجله، ولم يدرك عبد الناصر أن تمكين السادات نائبا له ثمنه حياته هو شخصيا. وفى ذلك يقول حسين الشافعي في مذكراته أن أنور السادات فُرض على جمال عبد الناصر قبل وفاته، وأن تعيينه نائبًا للرئيس يمثل محاولة انقلاب.

وفي يونيو 1970 حدثت صدامات عنيفة في عدة مناطق بالأردن على إثرها قامت عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باحتلال مدينة الزرقاء، ليستمر التوتر بين الجهتين قائمًا حتى السادس من سبتمبر (أيلول) 1970، حين قامت الجبهة بخطف ثلاث طائرات بعد إقلاعها من مطارات أوروبية[5]، حوّل الخاطفون اتجاه طائرتين منها إلى الأردن وأجبرتها على الهبوط في مطار تم إعداده في منطقة الأزرق الصحراوية شمال شرق الأردن، فيما حوّلت وجهة الطائرة الثالثة إلى القاهرة حيث عمد الخاطفون إلى تفجيرها.

وبعد مرور ثلاثة أيام على ذلك الحادث تم خطفت طائرة أخرى أُخذت إلى المهبط ذاته. حيث طلب الفدائيون الفلسطينيون إطلاق سراح رفاق لهم معتقلين في سجون أوروبية، فى سجون إسرائيل، وعندما رُفض مطلبهم عمدوا في 12 أيلول (سبتمبر) وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية إلى تفجير الطائرات الثلاث بعد إطلاق سراح ركابها، وفي 14 أيلول وفي تحد للملك حسين دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إقامة سلطة وطنية في الأردن، ليبدأ الصراع العسكري بين الجيش الأردني وفصائل المقاومة الفلسطينية، حيث أُعلن عن تشكيل حكومة عسكرية وتعيين المشير حابس المجالي قائداً للجيش وحاكمً عسكريًا عامًا، ووكّلت تلك الحكومة أمر تحرير الرهائن، وتصفية الفصائل الفلسطينية داخل المدن.

واحتدت الأزمة بما مكن من إشغال عبد الناصر عن إقالة السادات المتوقعة، وهو ماكان عبد الناصر قد عزم عليه بالفعل أو ربما كان عازماً عليه منذ البداية، ووفق ما أكده محمود الجيار سكرتير الرئيس عبد الناصر الذي نشر في مذكراته قوله: ”علم السادات بقرار إقالته وتعيين عبد اللطيف بغدادي نائبًا بدلًا عنه، في إطار حركة تغييرات لم تتم بسبب إرهاق عبد الناصر من تداعيات أيلول الأسود”.

وتحركت الرجعية العربية بما يضمن بقاء السادات نائبًا أوحد تمهيدًا لأن يحل محل عبد الناصر بطريقة (شرعية)، تحجب صعود المنافسين الأقوى لمنصب الرئاسة، فبدأ من يوم 17 أيلول 1970 أخذت المدفعية والدبابات الأردنية تقصف بعنف مواقع المنظمات الفلسطينية، وبدأت الدبابات والمجنزرات باقتحام المخيمات، حيث حدثت معارك ضارية قتل فيها الآلاف من المسلحين الفلسطينيين.

حينها دعا عبد الناصر لقمة طارئة عُقدت بالقاهرة برئاسته حيث انهمك فى المباحثات وإصدار التكليفات لوقف المجازر وإنقاذ المقاومة الفلسطينية التي واجهت معارك غير متكافئة مع الجيش الأردني المدرب والمسلح جيدًا، وكان عبد الناصر قد سعى أولًا لوقف إطلاق النار تمهيدًا لمباحثات تفضي إلى صلح بين الأردن والمنظمة، فأرسل الفريق صادق الذي لم يفلح فى إقناع طرفي النزاع بوقف إطلاق النار، فقررت القمة تشكيل وفد برئاسة الرئيس السوداني جعفر نميري وعضوية الباهي الأدغم رئيس وزراء تونس‏،‏ والشيخ سعد العبد الله الصباح‏ وزير الدفاع الكويتي بالإضافة إلي الفريق محمد صادق، كممثلين للقمة العربية المجتمعة بالقاهرة‏،‏ بهدف إقناع الملك حسين وعرفات بقبول وقف إطلاق النار والإجتماع بالقاهرة للمصالحة، وقبل انطلاق الوفد نحو الأردن اجتمع عبد الناصر مع الفريق صادق مصدرا له الأمر بإحضار ياسر عرفات حيا إلى القاهرة‏،‏ لكن الوفد فشل فى مهمته وكذلك الفريق صادق الذي لم يستطيع الوصول إلى ياسر عرفات الذي كان يدير المعارك من مخبأ سرى.

وفي محاولة أخيرة أرسل عبد الناصر الوفد مرة أخرى بزعم تكليفه بتقصى الحقائق، بينما كانت مهمته الأساسية هي إخراج ياسر عرفات من الأردن بأية طريقة، وعند وصول الوفد قام الرئيس جعفر نميري ببث بيان عبر الإذاعة الأردنية جاء نصه كالتالي: ”الأخ المناضل ياسر عرفات‏،‏ باسمي شخصيًا ونيابة عن الوفد الذي وصل إلى عمان هذه الليلة نرجو منكم أن تقترحوا علينا كيف يمكن الاتصال بكم ومكان وموعد الاجتماع وبأية وسيلة متاحة‏،‏ وبما أن الأمر هام وعاجل أرجو تحقيق ذلك حالًا‏..‏ نكرر حالًا وشكرًا”، وظل راديو عمان يكرر النداء بعد ذلك عدة مرات.

وبعد حوالي الساعة‏ ‏رد عرفات على النداء ببيان أذيع من راديو اللجنة المركزية في دمشق قال فيه‏:‏ “سيادة الأخ الرئيس اللواء أركان حرب جعفر محمد نميري‏،‏ سمعت نداءكم الموجه إلينا من إذاعة عمان من أجل لقاء عاجل وفوري يجمعنا‏،‏ وتلبية لندائك ليكن الاجتماع الليلة وفي حدود الساعة الواحدة‏،‏ ونقترح أن تصلوا سيادتكم عبر الطريق الموصل من فندق الكرمان إلى مدرسة عالية إلى مقر سفارة الجمهورية العربية المتحدة في جبل اللويبدة‏،‏ ويصلكم مندوب من طرفنا ليرافقكم إلى مقر الاجتماع‏.‏ لقد عممنا على قوات الثورة في جبل اللويبدة لتأمين وصولكم وعدم التعرض لسيادتكم وسيكون أكثر أمنا لمسيرتكم لو شددتم علي الطرف الأخر بالتقيد بوقف اطلاق النار في جبل اللويبدة هذه الليلة وإلى أن نلتقي بكم لكم التحية من إخوانكم المناضلين”.

وبصحبة ضابط الاتصال المصري‏ بالسفارة الاردنية توجه الوفد للقاء ياسر عرفات‏ في ثلاث سيارات مصفحة إلى منطقة جبل اللويبدة‏‏ الخاضعة لسيطرة الجيش الأردني‏ على التماس مع الفدائيين الفلسطينيين الذين كانت مواقعهم على مسافة كيلومتر واحد‏ من موقع السفارة المصرية بعمان.

ثم وصل مندوب ياسر عرفات‏ الذي قام بأخذ وفد القمة العربية إلى المقر السري لعرفات، حيث تقرر أن ينتقل الجميع إلى مقر السفارة المصرية، وبالفعل تمكن وفد القمة من الخروج من مقر القائد الفلسطيني وهو بصحبتهم، دون أن ترصد ذلك العيون،‏ ودون أن يتمكن أحد من معرفة أن عرفات بين أعضاء الوفد، ثم تولى الفريق صادق تنفيذ باقى المهمة وهي إخراج عرفات إلى القاهرة تنفيًذا لأوامر عبد الناصر فطلب الفريق صادق منه أن يصعد إلى الطابق الثالث من السفارة‏،‏ وأصدر الأمر لضابط الاتصال، وهو أحد ضباط المخابرات الحربية‏ أن يقوم عرفات بتسجيل بيان يذاع بصوته في وقت تم تحديده من إذاعة المقاومة‏،‏ يهاجم فيه الأردن‏،‏ ويعلن استمرار القتال حتى يتم الاتفاق الكامل على وقف إطلاق النار،‏ واعترض أبو عمار‏،‏ كيف أفعل ذلك؟ فطلب منه الفريق صادق أن ينفذ ما طلب منه وأنه شخصيًا يضمن النتيجة النهائية‏،‏ ثم ذهب الفريق صادق مع الوفد للقاء أخير مع الملك حسين، وأثناء الاجتماع دخل إلى القاعة ياوران الملك حسين ومعه جهاز تسجيل إدارة الملك‏،‏ فسمع الجميع صوت ياسر عرفات وهو يهاجم فيه الأوضاع بشدة ويعلن استمرار القتال حتى يتم التوصل إلى إيقاف حقيقي للمعارك‏.‏

وانتهى الاجتماع بقرار العودة إلى القاهرة وعاد الوفد إلى السفارة المصرية وفي عودتهم لاحظوا قصفًا شديدًا على المنطقة التي التقوا فيها من قبل بياسر عرفات في جبل اللويبدة‏.‏ وكان الفريق صادق قد طلب من الملك إجلاء عدد من المصريين الذين حاصرتهم الأحداث ليعودوا معه، وتوافد على السفارة عدد من السيدات المصريات وتم تجهيز سيارات لنقلهن إلى المطار، وطُلب من ياسر عرفات أن يحلق ذقنه لترحيله إلى القاهرة فعارض عرفات الاقتراح بشدة‏،‏ وأكد أن المخابرات الأردنية ستكتشف الأمر‏،‏ وأنه لن يفلت حيًا من هذه المحاولة‏،‏ فقال له الفريق صادق إن هذا هو قرار الرئيس عبد الناصر‏،‏ وإن وجودك حيًا خارج الأردن هو أفضل مخرج للمحافظة على الثورة الفلسطينية، ثم استعار صادق ‏عباءة الشيخ سعد العبد الله الصباح وألبسها لعرفات‏،‏ وطلب من إحدى المواطنات المصريات أن تركب السيارة هي وابنتها ومعها ياسر عرفات‏،‏ وكأنهم أسرة يتم إجلاؤها.

نجحت المهمة وأصبح عرفات فى مصر أمناً، ثم أذيع خبر وصوله إلى القاهرة، وعندما علم الملك حسين أسقط في يده ولم يجد مناصًا من أن يتصل بعبد الناصر ويخبره أنه وافق على حضور القمة ليصل في اليوم التالي للقاهرة.

وفي مساء‏ يوم 27 أيلول تم التوصل إلى اتفاق شامل بين الحكومة الأردنية والمقاومة الفلسطينية‏، وبذلك نجح عبد الناصر في وقف تلك المذبحة التي أطلق عليها أيلول الأسود‏،‏ وتم إنقاذ ياسر عرفات والمحافظة على المقاومة الفلسطينية‏، ولكن بعد أن دفع عبد الناصر الثمن حياته، حيث أعلن عن وفاته في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 1970.

كيف تم الوصول إلى عبد الناصر:

كان موت الرئيس عبد الناصر وهو سن مبكرة (52 عاما) بعد إعيائه المفاجئ أثناء توديع أمير الكويت بسبب بنوبة قلبية حسب الصياغة الرسمية لسبب الوفاة أول ما طُرح من علامات الاستفهام حول أسباب الوفاة الحقيقية، حيث برزت شهادة مهمة عن الحالة الصحية للرئيس عن طبيبه الروسي «يفجيني شازوف» كبير أطباء الكرملين والمشرف على علاج عبدالناصر الذي قال متعجبًا: إنه لم يكن في حالة خطرة تبرر موته المبكر والمفاجئ! لنصل إلى وجهة نظر مفادها أن سجل عبد الناصر المرضى قد استغل لإخفاء جريمة القتل وهو ما عبر عنه الدكتور كمال خلف الطويل[6] حين قال: إن ”التاريخ المرضي للرئيس عبد الناصر تم استخدامه جيدًا لإقناع الجميع أن وفاة عبد الناصر طبيعية بسبب مرضه، ولكن المرض لم يكن سبب الوفاة!”

وقد أُثيرت حالة من الجدل الواسع حين ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل ضمن برنامج «تجربة حياة» الذي بُث في سبتمبر 2010، أن السادات أعد قهوة مسمومة لعبد الناصر، وذلك في ذكرى مرور أربعين سنة على وفاته، حيث روى أنه عندما احتدت المناقشة بين الرئيس عبد الناصر وياسر عرفات وبدا على وجه الرئيس عبد الناصر التعب والضيق من عناد ياسر عرفات، قال له أنور السادات: أنت محتاج فنجان قهوة يا ريس، أنا اللي هعملهولك بيدي، ثم نحى أنور السادات السفرجى محمد داوود الرجل المختص بعمل القهوة للرئيس عبد الناصر، ودخل بمفرده المطبخ الموجود بجناح الرئيس عبد الناصر بفندق الهيلتون وصنع بيديه فنجان قهوة للرئيس عبد الناصر، لكن هيكل عاد ليقول: ”حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أقطع برأي بأن وفاة عبد الناصر لم تكن طبيعية إن لم تكن هناك أدلة، حتى وإن كانت هناك شكوك”، وزاد هيكل فقال: “أعتقد، من الناحية العاطفية والإنسانية، أنه لا يمكن أن يقدم السادات على قتل عبد الناصر”.

ويقول «السناوى» أنه سأل هيكل مباشرة ”هل تعتقد أن عبد الناصر مات مسمومًا؟” فأجاب: ”ليس عندي يقين، والجزم في مثل هذه الأحوال خطأ فادح، الوثائق تقول إنهم كانوا يريدون الوصول إليه بالسم، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم نالوا منه فعلًا”، وبعد أن استمع السناوى لواقعة فنجان القهوة التي رواها هيكل قال: ”سألت هيكل: هل يمكن أن يكون السادات قد فعلها؟” فأجاب: ”والله لا أعرف”، مضيفاً ”هناك أسباب أخلاقية وسياسية وعملية تمنع تورطه في مثل هذا العمل.. لكني رويت مارأيت!”.

ما قاله هيكل يبدو خارج السياق الذي ميز نهجه ككاتب سياسي رفيع الطراز، فالرجل لم يعهد فيه أنه يكتب للتسلية، وحتى وفاته ظل هذا السلوك الذي مارسه بخصوص الادعاء ونفيه مستهجنًا لم تُفهم مراميه، ولم يعط هيكل أو مريديه تفسيرًا لذلك المنحى الذي بدا غريبًا ومستنكرًا، إلا إذا كان ما دعاه لذلك هو التخلص من أية ملاحقة قانونية تثار عن طريق أهلية السادات، وهو ما حدث بالفعل حينما انتقلت الشكوك إلى أسرة الرئيس جمال عبد الناصر وعبرت عنها الدكتورة هدى فى مقال نُشر في مجلة «الإذاعة والتليفزيون» بعنوان «السادات قتل أبي». قالت فيه: ”إذا كان أبى قتل بالفعل فالسادات هو القاتل الأساسي وليس شريكًا في القتل، لكني أؤكد أن الأمر ليس مؤكدًا وليس لدى دليل”، لتتلقف ابنة السادات «رقية» ما جاء بالمقال وتقوم بتحريك قضية ضد «هدى» لتحصل رقية – كالمتوقع – على حكم قضائي بالتعويض، بعد أن قدمت «رقية» سببًا واهيًا لتكذب ما جاء بالرواية فقالت: ”أبي لم يكن يعرف أن يُعدّ القهوة من أساسه”.

وما بين اتهام هيكل للسادات بقتل عبد الناصر بدس السم له فى القهوة وبين إعفائه من التهمة لأسباب ادعى هيكل أنها أخلاقية، قال هيكل بخيانة السادات وعمالته نافيًا عنه كل ما هو أخلاقي، عندما اتهمه بالخيانة العظمى بإفشائه سر العملية (عصفور) لكمال أدهم المنسق الإقليمي لنشاطات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى الشرق الأوسط ومدير المخابرات السعودية وأخو زوجة الملك فيصل والذي نقل المعلومات على الفور إلى للأمريكيين؛ ما أدى إلى كشف العملية وإنهائها، وقد عرض هيكل ذلك بأن قال: كان يعلم بسر العملية (عصفور) عشرة أشخاص في مصر كلها، وأن السادات لم يعلم بسر العملية (عصفور) بأوامر من الرئيس عبد الناصر (وهو ما يستدل به على عدم ثقة الرئيس عبد الناصر بالسادات أو اشتباهه بعمالته)، وأن السادات ظل حتى بعد وفاة عبد الناصر لا يعلم بسر هذه العملية إلى ما قبل انقلاب مايو 1971 م، الأدهى أن هيكل بسقطه أخرى قد اعترف بأنه هو من أطلق السادات على العملية التي كان يصفها بالكنز الثمين والذي لا يقدر بثمن! أما عن ادعاء هيكل بوجود أسباب سياسية وعملية تمنع السادات من الإقدام على قتل عبد الناصر، فينفيه النتائج السياسية والعملية التي حصدها السادات والسعوديون ومن خلفهم الأمريكان والصهاينة من اختفاء عبد الناصر.

هذا الاتهام تلقفه بعض الباحثين والكتاب ومنهم يوسف القعيد الذي نشر في «الدستور» مقالًا ختمه بتعليق مثير حين قال: ”الذي حدث بعد ذلك من تغييرات جوهرية في سياسة الحكم يجعلني أشك بقوة في أن السادات قد استعان بأميركا لتنفيذ المؤامرة على حياة جمال عبد الناصر”.

مات عبد الناصر أو قتل فى سبتمبر (أيلول) الذي اتشح بالسواد ولم يزل حتى عم السواد كل الشهور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] عقود من الخيبات - حمدان حمدان،- الطبعة الأولى 1995 - دار بيسان - الصفحات من 535 إلى 537.
[2] هي المعركة التي اندلعت عام 1968م عندما حاول جيش الاحتلال الإسرائيلي التوغل فى الأراضي الأردنية شرقي نهر الأردن منطلقا من الضفة الغربية المحتلة، فتصدى له الفدائيون مع الجيش الأردني واستطاعوا هزيمتهم عند حدود قرية الكرامة .وفيها تكبد العدو الصهيوني خسائر قدرت ب 70 قتيلا و100 جريح بالإضافة للخسائر فى العتاد.
[3] المصدر السابق – ص 16.
[4] من قتل عبد الناصر- الأسرار الكاملة لدور آل سعود فى اغتياله أحمد على – دار الحرية للدراسات الإنسانية – الطبعة الأولى – 1994م- ص20.
[5] فرانكفورت بألمانيا، وزيورخ فى سويسرا، من أمستردام هولندا.
[6] طبيب عربى أمريكى من أصل فلسطيني، عضو مركز دراسات الوحدة العربية – عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي – كتاب في التاريخ السياسي للعالم العربي وتاريخ العلاقات العربية الأمريكية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد