في الوقت الذي يلهث فيه العالم وراء علاج لفيروس كورونا المستجد، تقف البشرية بأسرها مكتوفة الأيدي لا حيلة لها، منتظرة فرجًا من السماء يسري بأيدي مَن في الأرض. العيون تترقب النشرات الإخبارية واحدة تلو الأخرى، أعداد المُصابين في ازدياد، الخوف يحبس الأنفاس، دعوات وصلوات، ووابل من الجهود المبذولة من آلاف من الكوادر المُرهقة التي تأمل أن تضع الحرب أوزارها.
ولكن منذ بدء الجائحة بدأت تظهر «أعراض جانبية مُجتمعية» مرافقة لفيروس كورونا – كانت موجودة مُسبقًا لكن تفشي الفيروس سمح بتسلط الضوء عليها بشكل أكبر – وهذا أمر طبيعي، فعند الأزمات يظهر أفضل وأسوأ ما في النفس البشرية في آن واحد.
هذه الأعراض تُعد الوجه الآخر للكورونا، صورة جُزئية من المشهد الكلي متعلقة بنا نحن البشر، بسلوكنا وتصرفاتنا وردود أفعالنا على ما يحصل، بعيدًا عن المُصابين ومشاهد الجثث المتراكمة في إيطاليا، الوفيات المتزايدة في إيران، الحجر الصحي الديكتاتوري الذي يسحل فيه المرضى على وجوههم في الصين، لكن هذه المشاهد على فظاعتها لا تقل ألمًا عن أعراض المرض الجانبية المجتمعية التي نواجهها اليوم، إن جاز تسميتها بهذا الاسم.
التنمر بات في أوجِه وبشتى أنواعه، تنمر طال الأشخاص والأعراق والدول، أصاب المسؤولين عن القطاعات الصحية رغم جهودهم، تنمر على المصابين أنفسهم، على المعلمين في منصات التعليم الإلكتروني، على الرغم من بساطة معداتهم وتجهيزاتهم، تنمر شامل على كل شيء. منصات السوشال ميديا أصبحت راجمات صواريخ أرضية، فضلًا عن كونها بيئة خصبة لإشاعات واهية وعلاجات غير فعالة للمرض رغم أنها لم توجد لهذا، وتحديدًا في هذا الوقت.
وإذا كان التنمر أول الأعراض فالتمرد هو ثانيها، التمرد على القرارات الحكومية، كسر حظر التجول المفروض في بعض البلدان، التمرد الإعلامي بنشر الشائعات والأخبار المغلوطة في بعض المنصات الإعلامية، التمرد بالإصرار على إقامة التجمعات رغم منعها، التمرد الديني ورفض الفتاوى بإيقاف الصلوات والتجمعات الدينية من باب درء المفاسد والإصرار الأرعن على إقامتها.
التمرد الاقتصادي بداية من إرغام البعض على العمل رغم خطر الفيروس، أو طرد البعض لتخفيف النفقات، وصولاً الى الاتجار بحياة الناس برفع أسعار الكمامات والأدوية والسلع التموينية، وانتهاءً بأخطر أنواع التمرد وأصعبها فهمًا، وهو التمرد على قوانين الصحة والسلامة العامة، لتجد من يبصق على أزرار المصاعد، أو يعطس عمدًا في أوجه الناس، أو ينثر فيروساته في المواصلات العامة. ولو لم توثق عدسة الكاميرات هذه المشاهد لقلنا إن مُدعيها مجانين مؤمنون بنظرية المؤامرة.
كما ظهرت أعراض أخرى ساهم الجهل في تعزيزها، إذ تفشت بشكل مفاجئ نوبات هلع وذعر شرائي سقطت فيها الإنسانية بالضربة القاضية، وتحول البشر في العالم أجمع إلى وحوش متحركة تجر عربات المشتريات بيد وترمي بالأخرى فيها كل ما تقابله، عراك بالأيدي بين السيدات على البضائع، أصوات الشتائم تتعالى بين الرجال، ساعات تضيع في أدوار انتظار طولها بالكيلومترات وفي النهاية يقف كبار السن والفقراء أمام رفوف خاوية على عروشها لا يجدون ما يُقيتهم، وبعد عشرة أيام تجد حاويات قمامة مكدسة بالطعام العفن الذي لم يجد له مستهلكًا ولكنه وجد محتكرًا مشتريًا.
ولكن أتعلمون ما هو الغريب حقًا، إن هلع الشراء على أرض الواقع تُقابله سطحية عارمة واستهزاء بالمرض، فبالرغم من كافة التقارير الإخبارية وتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن الأغلبية الصامتة من المجتمع ما تزال تتبادل «الميمز» والنكات والفيديوهات المضحكة لا أكثر، ولا تأخذ المرض على محمل الجد، بل تستهين بأرقام المصابين التي تكون في بداية الشهر من فئة العشرات وما تلبث أن تقفز الى أربع خانات أو خمس في نهايته، ناهيك عن أعداد الوفيات المفجعة.
الجدية مفقودة، ولو ذهب الأمر الى أكثر من ذلك كما هو الحال في الدول التي أصبحت تُحدد الأحياء من الأموات، مَن سيُفصل عنه جهاز التنفس ليُعطى لمريض أصغر سنًّا ومن سيستمر، لشعرنا حينها بخطورة مآلات الأمور. هناك حيث الحرق هو أسرع الحلول للتخلص من الجثث التي بات من الصعب عدها، لا جنائز ولا وداع، هكذا فقط رحيل صامت في مشاهد مؤسفة بددت أكذوبة التفوق البشرية – وتحديدًا تفوق الدول الأوروبية طبيًا ومجتمعيًا على دول العالم الثالث – وأثبتت أننا كلما سواسية على هذا الكوكب في مواجهة المرض، وأن الإنسان ضعيف بفطرته.
وفي غمرة هذه المشاهد المؤلمة ألم الإصابة بالفيروس، وكي نقف على الحياد فإنه وكما كان هناك أعراض جانبية وخيمة، كان هناك أعراض مشرقة، فلا تستطيع حين ترى الكوادر الطبية بجهودها المبذولة الا أن ترفع القبعة لهم اجلالاً واحترامًا، ولا تستطيع إلا أن تتعاطف معهم حين تراهم ينامون جلوسًا بعد ساعات دوامهم الطويلة، يدًا بيد تعاونهم السلطات المحلية والهيئات الحكومية، وغرف إدارة الأزمات في كافة مناطق العالم.
يبتسم ثغرك حين ترى المتطوعين في شتى المجالات يمدون يد العون لمُحتاجيها، ويتكاتفون في هذه الظروف متخلصين من أنانيتهم، لافتات ترفع على بعض المحال التجارية – على قلتها – تحث الفقراء على عدم التردد في أخذ قوت يومهم مجانًا. مؤسسات وشركات كبرى تقدم دعمًا طائلًا لوزارات الصحة حول العالم لتساعدهم على تخطي الأزمة، أصحاب المحال التجارية يؤخرون سداد مستحقاتهم من الديون المترتبة على الناس تخفيفًا عليهم، أسر كثيرة اجتمعت من جديد على طاولة الطعام وأخذوا فرصة لتجاذب أطراف الحديث بعيدًا عن انشغالات الحياة اليومية، حجر منزلي يوفر فرصة للتعلم الذاتي، منصات عديدة أتاحت دوراتها وكُتبها بشكل مجاني، الكوكب يتنفس وغازات الدفيئة تنحسر نسبيًّا والكثير من الإيجابيات التي ترافق الجائحة قد تخفف نسبيًّا من آلامها.
وبين هذا وذاك، نقف في المنتصف وكلنا أمل في أن تنجلي هذه الغمامة بأسرع وقت وأقل خسائر ممكنة، ونعود الى سابق عهدنا في الحياة، ولكن بدرس قاسٍ لا يُنسى، مفاده مهما بلغنا مبلغًا عظيمًا في الطب والعلم والتكنولوجيا نبقى ضعفاء، ضعفاء جدًا، ولكن إلى أن يحدث هذا ونتجاوز سويًّا هذه المرحلة العصيبة، فلنحاول أن نتحرى الصواب فيما نفعل، نلتزم بالتعليمات، ونقوم بما تمليه علينا مؤسساتنا وقيادتنا، وأن نثق بهم، قليل من الجدية لن يضر، وكثير من الصبر سيكون نافعًا.
وتذكروا، نحن الآن في مركب واحد، إما أن ننجو جميعًا وإما نغرق جميعًا، لم نعد فرادى بعد الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد