«الآخرون هم الجحيم»، عبارة وردت بإحدى مسرحيات سارتر صاحب فلسفة الوجودية، والعبارة لها تحليلات فلسفية عميقة لا أهتم بها، ولكني أهتم بنفسي وبك أنت، كم مرة شعرت بصدق العبارة! كم مرة رددتها فى موقف معين ثم عدت وقلت: ولكن هناك آخر لا غنى لنا عنه!

طالما حدثك متخصصو التنمية البشرية أن لا تنتظر السعادة من آخر، ولا تسمح للآخرين أن يوجهوا حياتك، وأنت الذي يمكنه أن يسعد نفسه، إن انتظرت السعادة من آخر، فستظل تنتظر طوال العمر، كلام جيد، ولا أعارضه، على الإنسان دائمًا أن يعمل إرادته ليغير واقعه، ولا يكون مجرد ردة فعل له، ولكن هذا لا يعنى أنه ليس للآخر دور كبير في حياتي، فهل كان هابيل يمكنه تجاهل قابيل واستئناف حياته بسعادة؟ لا بد أنه حاول حتى قتله، هل لديه خيارات غير أن يموت!

فالآخر – شئنا أم أبينا له – دور كبير، فقد يكون بحياتنا آخر يدعمنا ويساندنا، وآخر يحاربنا، وآخر هو علة علينا، فهناك بشر أشبه بالكائنات الطفيلية، يعيشون على مجهودتنا، ويسرقون إبداعاتنا، يتركوننا لنعمل؛ ويحصدون معنا زرعنا، وقد يتطور بهم الأمر ليتحولوا إلى كائنات رمية تعيش على الموتى والجثث، فلا يتورعون عن قتلنا معنويًا، ويعيشون كل جمال بحياتنا عنا.

ولأن الله عندما خلق آدم خلق له زوجة، ولم يخلق له أمًا أو أخًا أو صديقًا، فهذا يوضح أن شريك الحياة هو أهم آخر في حياتنا حقًا، قد يرى البعض أنه خلق له زوجة لتستمر البشرية، ولكن هذا لا ينفى متانة تلك العلاقة وقوتها، وأنها أقوى العلاقات الإنسانية على الإطلاق.

وهنا تشمل علاقتنا بهذا الشريك مرحلتين، المرحلة الأولى التي يمكننا أن نسميها البدايات الرائعة دائمًا، مشاعر المراهقة القوية العفوية توهمنا أننا ننتظر من سيغير حياتنا، من سيأخذ بيدنا إلى غد السعادة، من سنتحدث إليه أحاديث طويلة لنخبره بكل ما نخبئ في قلوبنا، من سنتغير من أجله (فما أكثر الرجال الذين كانوا يقسمون أنهم سيقلعون عن التدخين عندما يجدون الحب الحقيقي والشريكة الدائمة، ولكنه أصبح يدخن أضعافًا مضاعفة بعد الزواج)!

ويكبر الإنسان وينضج، ولكن يقف حائرًا بين رغبة ملحة فى الزواج وعزوف وخوف شديد منه، بين حاجة ماسة للآخر الذي نستند عليه، وخوف من آخر يصبح مسئولية وعبئًا كبيرًا.

وهناك من يحسم أمره أنه لن يتزوج وسيعيش بلا مسئولية، بل سيستمتع دائمًا بالبدايات؛ لأنه لا ينوي أى يبتعد أية خطوة عنها، وقد اختار هذا زيف العيش، وهناك من يضيع عمره وهو واقف في المنطقة الرمادية، يصدق مراهقته وينتظر من سيأتي، ولا يقبل بالزواج لمجرد أنه طريق اجتماعى متبع، وهنا يبدو المشهد عبثيًا، وكأن لسان حال كل منهما يقول: هي تقف عند الشارع الخلفي وحيدة، الشارع مظلم، والأمطار تتساقط، ولكنها لا تتحرك، ولا تعرف أين تذهب، تنتظره فلا يأتي، هو يقف في الشارع الجانبي وحيدًا، لا يجد ظلًا، يذهب ويأتي، لا يعرف كيف يحتمي من الشمس، يبحث عنها فلا يجدها، إن لم يتقابل،ا فقد يضطر كل منهما لعبور النفق المظلم وحده، ولكن لازال بإمكانهما أن يتقابلا تحت ظلال شجرة التوت، ليعبرا معًا فوق جسر من التفاهم والمودة.

أما إن حسمت قرارك بالزواج فأنت بالمرحلة الثانية، إنها مرحلة أكثر وعيًا وأكثر صدقًا، فالحب بها ليس مشاعر ثائرة، بل هي مشاعر ناضجة اختبرتها السنوات لتؤكد متانتها، حقًا ستسمعهم يتحدثون عن هموم الأولاد والدراسة وعدم النوم والمسئولية، وكلها مشكلات حقيقية، ولكن عندما يرزقك الله بزوجة صالحة أو زوج صالح فهذا هو الوطن الحقيقي الذي تنتهي عنده كل محاولات الهروب، كما قال نجيب محفوظ، ويمكنك دائمًا أن تلوذ إليه.

فالجميع يحدثك عن الزواج أنه الشر الذي لابد منه، ولكن عندما أصدر د. جون غراي كتابه: الرجال من المريخ والنساء من الزهرة. أصبح هو الكتاب الأكثر مبيعًا، وإن كان هذا يدل على شيء، فهو يؤكد أن الغالبية العظمى يعرفون قيمة وأهمية العلاقة بين آدم وحواء، وأن مؤسسة الزواج هي مؤسسة الحياة وطالما أننا جميعًا لا نرغب في الفشل، فإننا سنسعى لمعرفة كل أسباب الخلاف لدحرها، ونقاط القوة لنتشبث بها، وأسرار العلاقة لنفهمها ونتجنب الصدام.

إن كنت تحب الحياة فأنت أبدًا لن تتخلف عن موعد شجرة التوت التي تبللها قطرات الندى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد