انتشرت في هذه الآونة الأخيرة حملات كثيرة لتشويه صورة الخلافة العثمانية ووصفها بالاحتلال، وللأسف توجه بعض النخبة في ذلك المنحى، واتبعوا ما تتلوا شياطين الغرب على مؤرخيهم، فهل قامت الدولة العثمانية باحتلال الجزائر؟

ظلت حركات الجهاد الإسلامي ضد الإسبان والبرتغاليين غير منظمة حتى ظهور الأخوين خير الدين وعروج بربروسا واستطاعا تجميع القوات الإسلامية في الجزائر وتوجها نحو الهدف المشترك لصد أعداء الإسلام عن التوسع في موانئ ومدن شمال أفريقيا.

يقول الدكتور الصلابي: «وقد اعتمدت هذه القوة الإسلامية الجديدة في جهادها أسلوب الكر والفر في البحر، بسبب عدم قدرتها على الدخول في حرب نظامية ضد القوى المسيحية من الإسبان والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا، وقد حقق هؤلاء المجاهدون نجاحًا أثار قلق القوى المعادية، ثم رأوا بنظرهم الثاقب أن يدخلوا تحت سيادة الدولة العثمانية لتوحيد جهود المسلمين ضد النصارى الحاقدين».

وقد حاول المؤرخون الأوروبيون التشكيك في طبيعة الحركة الجهادية في البحر المتوسط ووصفوا دورها بالقرصنة.

لعب الأخوان بربروس دورا بارزا في مقاومة أطماع إسبانيا والبرتغال في الممالك الإسلامية في شمال أفريقيا، ولقد أبدع الأخوان في الجهاد البحري ضد النصارى، وكانت لهما في القرن الـ16 مراكز مهمة، في شرشال ووهران والجزائر ودلي وبجاية وغيرها، وقد قويت حركة الجهاد البحري بفعل انضمام المسلمين الفارين من الأندلس بعد سقوط غرناطة والعارفين بالملاحة وفنونها والمدربين على صناعة السفن.

يرجع أصل الأخوين المجاهدين إلى الأتراك المسلمين، وكان والدهما يعقوب بن يوسف من بقايا الفاتحين المسلمين الأتراك، وأمهما سيدة مسلمة أندلسية.

اتجه الأخوان بربروس إلى الجهاد البحري منذ الصغر، وقدد حقق الأخوان انتصارات عديدة على القراصنة الصليبيين، الأمر الذي جعل السلطان الحفصي في تونس يستنجد بهم من الإسبان. مما أسهم في تكوين قاعدة شعبية مكنتهما من حكم الجزائر وبعض المناطق المجاورة. وتمكنا من تحرير وهران وجيجل وبجاية وغيرها.

بعد مقتل عروج بربروس في إحدى المعارك، اضطر خير الدين للبحث عن تحالف يعينه على الاستمرار في الجهاد والمقاومة، فاستجب العثماني سليم الأول لطلب بربروس، وقاما بالتصدي معا للإسبان والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا في المنطقة.

ولم يكن من الممكن للأخوين أن يقوما بهذه الفتوحات لولا تشجيع السلطان العثماني ودعمه إلى جانب دعم شعوب المنطقة، وقد سبق أن فشلا في دخول بجاية أمام نفس القوات المعادية.

سكان الجزائر يرسلون رسالة استغاثة للسلطان العثماني سليم الأول:

قام الدكتور عبد الجليل التميمي بترجمة وثيقة تركية محفوظة في دار المحفوظات التاريخية باسطنبول-طوب قابي سيراي- تحت رقم 4656، وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة موجهة من سكان الجزائر عام 1519م، بأمر من خير الدين بربروس عرضا لقضية الجزائر وطلبا للمساعدة.

كما فند خير الدين في مذكراته، المقولة التي ما فتئ الباحثون الغربيون يشيعونها، والمتمثلة في أنه فرض نفسه حاكمًا وسلطانًا على الجزائر، بينما يبين أنه قبل ولاية الجزائر بناء على توسلات ملحة وعديدة من أعيان وعلماء مدينة الجزائر وغيرها ممن كانوا يرسلون إليه الوفود يرجونه أن يقدم عليهم ويتولى إدارتها بنفسه.

ذلك لأن الأهالي لم يكونوا يرضون بالخضوع لأحد سواه. فقد رفضوا ولاية انب القاضي في الجزائر، مثلما رفض أهالي تلمسان قبلهم ولاية الزياني الذي تحول إلى ألعوبة في يد الإسبان. فلم يكن لخير الدين من خيار سوى الخضوع لضغوط العلماء والأعيان والقبول بأن يكون حاكما على الجزائر، وهذه الشهادة بلا شك تخرس الأصوات التي لم تتوقف دون خجل، عن ترديد أسطوانة الاستعمار العثماني للجزائر.

وهكذا، سارع السلطان سليم الأول إلى منح رتبة بكار بك إلى خير الدين بربروس، وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة في الجزائر، وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية، وأصبح أي اعتداء خارجي يعتبر اعتداء على الدولة العثمانية، وقام السلطان العثماني بإرسال قوة من سلاح المدفعية، و2000 من جنود الإنكشارية ، ومنذ ذلك الوقت بدأ الإنكشاريون يظهرون في الحياة السياسية والعسكرية للأقاليم في شمال أفريقيا.

استمرت انتصارات خير الدين على الإسبان، وبعد استيلائه على البينون، أسس ما يعرف بنيابة الجزائر، ومنذ ذلك التاريخ أصبح ميناء الجزائر عاصمة كبرى للمغرب الأوسط، وكل شمال أفريقيا فيما بعد، ويعتبر خير الدين أول محدد لحدود لإقليم الجزائر (دولة الجزائر اليوم).

واستمر التواصل بين خير الدين والسلطان سليمان القانوني بعد وفاة سليم الأول، والتقيا في إسطنبول وخرج خير الدين بجيش جديد، وقام بالهجوم على السواحل الجنوبية لإيطاليا وجزيرة صقلية.

ولم يكن خير الدين بربروس قادرًا على تحقيق ما يريده لولا ما قام به شعب الجزائر المجاهد، وما كان شعب الجزائر ليصل إلى أهدافه لولا توافر قيادة حازمة. وقد توافرت ثلاثة عوامل مهمة للنصر: شعب مجاهد في سبيل الله، وتطبيق رائع للعقيدة الإسلامية، وقيادة على درجة عالية من الكفاءة. بذلك انتصر شعب الجزائر، وبذلك انتصر خير الدين بربروس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد