بعد مخاض عسير خرجت حكومة العدالة والتنمية الثانية من رحم المعاناة بتركيبة سداسية بعد الانسداد السياسي الذي عرفته المفاوضات بين الأحزاب فيما بات يعرف إعلاميًا بالبلوكاج الحكومي، والذي اقتربت مدته من نصف السنة. وهو الوضع الذي لم ينفرج إلا مع تعيين سعد الدين العثماني رئيسًا للحكومة محل عبد الإلاه بن كيران، وتجاوز الشروط التي وضعها هذا الأخير أثناء المفاوضات الحكومية، والمتمثلة في استبعاد الاتحاد الاشتراكي من المشاركة الحكومية.

وهو ما دفع إلى الاستنتاج أن البلوكاج الحكومي هو عبارة عن خطة مدروسة تروم تحقيق هدفين أساسيين:

أولهما إبعاد بن كيران من رئاسة الحكومة، ودفعه إلى العزلة السياسية للحد من شعبيته ونفوذه السياسيين، وثانيًا تحجيم موقع البيجيدي في الأغلبية بشقيها الحكومي والبرلماني بشكل لا يتناسب مع نتائجه الانتخابية ووزنه السياسي الحقيقي.

وإذا كانت هذه الخطة قد نجحت في تحقيق بعض المكاسب لبعض الأطراف السياسية على المدى القريب. فخسائرها على المدى البعيد لا تعد ولا تحصى؛ حيث أبطلت خطة البلوكاج مفعول الصوت الانتخابي وأفرغته من محتواه السياسي، وحالت دون تجسيد التوجه السياسي للناخبين في المشهد السياسي العام، وفي التركيبة المؤسساتية للدولة. ولم يعد الناخب مقتنعًا بدوره في اختيار من ينوب عنه في تدبير شؤونه، وهو يرى أن عملية تشكيل الحكومة والبرلمان تخضع لإرادات فوقية ولتحالفات نخبوية غامضة أفرزت في نهاية المطاف حكومة بـ6 أحزاب تشمل حتى الأحزاب التي عاقبها الناخب، وبوأها الرتب الأخيرة، ويهيمن على قطاعاتها الحساسة الوزراء اللامنتمون، أي الذين لم يصوت عليهم أحد، الرتبة الثانية وراء وزراء البيجيدي. الشيء الذي لا بد أن يكون له ارتداد سلبي على القناعات السياسية للمواطنين، خاصة تلك الفئة التي تؤمن بأطروحة التغيير السلمي من داخل المؤسسات.

إن إفراغ الانتخابات المغربية من مضمونها السياسي وتحويلها الى مجرد آلية لتوزيع المناصب وتدوير الامتيازات هي مهمة أنجزها طرفان لا ثالث لهما.

الطرف الأول هو ما سمي بالتحكم أو الدولة العميقة التي هندست التركيبة الحكومية وفق منطقها ورؤيتها. ولهذا فبتعبير أحد السوسيولوجيين المغاربة، فالمخزن دار خدمتو فقط لا غير، لأن هذا الأخير معروف بنزعته المحافظة والسلطة بطبيعتها تقليدية، لأنها تتشكل من منظومة علائقية من المصالح ناشئة ومتجذرة ومن الصعب اجتثاثها واقتلاعها، وبالتالي فمن الطبيعي أن توصد جميع الأبواب أمام أي تغيير قد يعصف بهذه المصالح.

أما الطرف الثاني فيتجلى في الأحزاب السياسية بما فيها تلك التي تقدم نفسها مدافعة عن المشروع الديمقراطي كحزب العدالة والتنمية مثلًا. فهذه لم تقدم آي شيء يذكر في إطار الدفاع عن الفكرة الديمقراطية. وبدت جميعها على أتم الاستعداد للتضحية بمبادئها وبالإرادة العامة للناخبين مقابل أن يكون لها موطأ قدم في الحكومة. إذن فالكل منغمس في التعبئة الخادعة لتسويغ عملية إجهاض إرادة الناخب.

فكيف يمكن اليوم إقناع الأغلبية الصامتة بجدوائية الانتخابات أمام هذا التحالف الحكومي الهجين، والذي لا تربطه بنتائج الاقتراع أية رابطة. تحالف حكومي لم يتأسس على برنامج سياسي أو مشروع مجتمعي. ولم ينعقد إلا بترخيص من مراكز القرار العليا، وذلك باعتراف الكثير من قيادات حزب العدالة والتنمية. فاليوم نشاهد أن الكل تحالف مع الكل مما يؤكد أنه لم تكن هناك تحالفات سياسية مبنية على اختيارات واضحة، بل مجرد تجمعات مصلحية موجهة لتقسيم الغنيمة الحكومية، فجميع الأحزاب يمينها ويسارها وإدارييها وإسلاميوها بدت أنها تعودت على منافع الدولة حتى أصبحت عاجزة عن الانفصال عنها أو بناء موقف سياسي مستقل عنها، وبالرغم من الترحيل القسري الذي تعرض له حزب الاستقلال إلى المعارضة، فقد أعلن أنه سيظل بدوره جزء من الأغلبية الحكومية.

إن المبررات التي ظل يقدمها رئيس الحكومة للدفاع عن التشكيلة الحكومية الجديدة لا تقنع أحدًا. ولعل خيبة الأمل وموجة الانتقاد والسخط التي اجتاحت الوسائط السياسية التي يعبر فيها المغاربة عن آرائهم: فيسبوك، ويوتيوب، خير دليل على هشاشتها وابتذالها، فالجميع يتساءل كيف لتحالف يجمع في طياته وثناياه الكثير من التناقضات والقليل من التقاطعات. تحالف تباعد بين مكوناته المرجعيات الأديولوجية والتوجهات السياسية ويفتقر إلى الحد الأدنى من التجانس والالتئام، كيف يمكن أن يفضي إلى حكومة تدير الشأن العام للمغاربة بروح الاستقلالية والمسؤولية وتتوفر على الفعالية والنجاعة.

إجمالًا يمكن القول إنه مع الإعلان عن حكومة البيجيدي الثانية يكون الحلم في التغيير السلمي عبر صناديق الاقتراع قد تبخر. فنحن على موعد مع طاقم حكومي يسيطر عليه.

حلفاء السلطة (الأحرار الدستوري والحركة والتكنوقراط ) الحاصلين على أغلبية المقاعد الوزارية والبرلمانية؛ مما يتأكد معه أن الإصلاحات الدستورية التي عرفها المغرب لم تحدث لحد الآن أثرها المرجو في ظل علاقات القوى الاجتماعية والسياسية القائمة وفي ظل هيمنة الدولة بأجهزتها المختلفة على مجمل الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، والتي تسعفها على تطويع القاعدة القانونية وتركيع الطبقة السياسية.

_حاتم حمزي _ باحث في العلوم السياسية _حاصل على الماستر _جامعة عبد المالك السعدي_طنجة _المغرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد