عندما جلست أول مرة بين يدي الأستاذ الدكتور مشهور الحبازي، في برنامج الدراسات الإسلامية المعاصرة، لنيل درجة الماجستير، أخذ يتحدث عن الخلافة العثمانية بحرقة العارف الذي يدرك تمامًا حجم ما وقع على تلك الخلافة من ظلم وهضم وتزوير، ومن ثم تعاقبت اللقاءات فازددت يقينًا أنه يشخص الحالة كما هي، إذ نعاني من عدم القراءة مع أننا أمة اقرأ كما هو معروف، ثم جلب الأدلة المتضافرة والموثقة المثبتة لحقيقة ما قامت به تلك الخلافة خدمة للدين والأمة منذ تأسيسها، وكنا نجد في كل وثيقة ما يدحض أقوال المفترين ويرد على شبهاتهم الملفقة، وهكذا تجد نفسك في نهاية المطاف أمام تاريخ حديث تم التلاعب به عمدًا، فمثلًا هناك رسالة من السلطان محمد رشاد، المعروف بمحمد السادس، إلى الشريف حسين قبل الحرب العالمية الأولى بحثت عنها بصورة مضنية ولم أقف عليها، حتى في الموقع المؤسس للاحتفال بمئوية ما عرف جزافًا بالثورة العربية الكبرى لم أجد لها ذكرًا.

تعتبر الحالة المتردية التي نعيشها الآن تكرارًا للحالة نفسها التي سبقت لنشوء الخلافة العثمانية وظهورها، لكنها تمتاز بترد وذل أكبر وأعمق، فالدويلات موجودة لكنها لا تتخذ الإسلام مناطًا لحكمها، والحكام موجودون لكنهم يدينون بالولاء للغرب الاستعماري لأنه سبب وجودهم وراعيه، والشعوب لم تعد لديها تلك الحالة الوجدانية والشعورية التي تنظر للحاكم بغير شرع الله على أنه مستبد ظالم يجب الخروج عليه ، وصارت الشعوب محصورة ولاء وعقلًا ووطنية ودينيًّا في الأقطار التجزيئية الناتجة من الاستعمار الغربي، فصار كل قطر عربي وإسلامي تجزيئي هو الأول عند ساكنيه، والشعب المجاور هو شعب آخر لا يمت إلى جاره إلا بالتوصيفات الناتجة من الحكم الشمولي الديكتاتوري في الدويلات العربية المصطنعة، ومما زاد الطين بلة انحياز رجال الدين الرسميين في بلدانهم إلى نزوات الطغاة المسماة «مصالح وطنية علياُ، وهذا ربما يشكل الفرق الأكبر إذا ما قارنا حالة التردي هذه بالتي سبقت نشوء الخلافة العثمانية وظهورها، حيث تجد الكثير من علماء السلاطين يعمقون العداء في صدور الشعوب للدولة العثمانية العلية، ويربطون بها كل رذيلة وتخلف وسبة، بل وصل الأمر أن وصفوا الخلافة العثمانية بالاحتلال العثماني للبلدان العربية.

تاريخيًّا لا يمكن أن نحكم على قرن من الزمان من خلال عام واحد؛ فلا بد ولا مناص من دراسة القرن كاملًا وتمحيص الروايات عنه ومقارنتها، ومن ثم الوصول إلى نتيجة. فلا ينكر عاقل منصف أن الخلافة العثمانية قد أفاقت الأمة من سباتها، وأعادت لها مجدها، وأهم إنجاز لها هو توحيد الأمة بعد أن كانت شلوًا ممزقًا، وغرضًا يتلاعب به الطامعون والغزاة، ولا يمكن أبدًا اتخاذ فترة حكم القوميين الأتراك كحجة على الخلافة العثمانية، فهم في منزلة العدو المحارب لا الصديق، وهم نتيجة ضغوطات استمرت قرونًا ، وكانوا مبضع القتل للخلافة في يد الغرب بأطماعه وأحقاده الدفينة، أي أن ما يحتج به من محاولات التتريك وإلغاء اللغة العربية وغيرها من إجراءات بعد منتصف القرن التاسع عشر هي قرارات وسياسات القوميين الأتراك المدعومين من الغرب، والمنفذين لسياساته، وفي تفاصيل التاريخ ما يثبت القول السابق.

والغريب العجيب أن نشوء القومية التركية المحاربة للخلافة واكبه نشوء القومية العربية، وفي نفس الفترة وبنفس الأهداف، أي أن مشروع هدم الخلافة العثمانية وإلغائها كان هدفًا مشتركًا بين القوميين الأتراك والعرب في تقاطع عجيب غريب ربما يحتاج إلى دراسة تفصيلية للوقوف على حقيقته، والأعجب أن القوميين العرب اتخذوا سياسات أترابهم الأتراك -وربما شركائهم- للانفصال عن الخلافة العثمانية في كيان عربي واحد موحد، وكان الغرب قد صنع محمد علي في مصر وفصل مصر عن الخلافة، وضخم من محمد علي وجعله نهضويًّا صاحب مشروع حضاري، لكن الغرب منعه من حكم الشام والحجاز وأرغمه بالقوة على الانكفاء داخل مصر على أن يكون الحكم وراثة في نسله. إذن فالعرب القوميين شركاء في إنهاء الخلافة العثمانية متذرعين بممارسات أترابهم في القومية من الأتراك، وجاء بعد ذلك عبث بريطانيا في الإقليم وعقول قادة العرب من خلال مكماهون في المراسلات الدبلوماسية ولورنس العرب على الأرض وجيشه العرمرم من المغرر بهم من القبائل؛ مما يعني خلاصة أن بعض العرب وأغلبهم من الأعراب كانوا سببًا مباشرًا في هدم منارة الخلافة العثمانية، وبعضنا الآن يحتفل بذكرى الخيانة العربية الأكبر على مر التاريخ، معتقدًا أن الدول التي نعيش فيها الآن أفضل من الكيان الواحد الذي كنت تتنقل فيه من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لا تخشى إلا الله تعالى وقطاع الطرق من الأعراب الأوشاب، فهل القومية العربية أفضل من الخلافة العثمانية الإسلامية؟ اللهم لا. وهل حكم الطغاة العرب باسم الثورة والقومية والمشيخات أفضل من حكم خليفة مسلم؟ اللهم لا وألف لا.

إن الحملة المسعورة التي يشنها في هذا الوقت الطغاة وأبواقهم على الخلافة العثمانية، ليست جزافًا ولا رميًا بلا غرض، وإنما هي محاولة لتكريس العداء وتعميقه بين المسلمين في العالم؛ وبالتالي منع أي محاولة للوحدة الإسلامية في المستقبل، تلك الوحدة التي تعني زوال الطغاة، وسقوط أحزابهم وعروشهم، وانتهاء فترة وجودهم، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه من التنكير والدونية والغوغائية والغزوات الباحثة عن الطعام والجواري. لذلك تجد من يمعن في تزوير التاريخ المتعلق بالخلافة العثمانية، وتجد من يصفق له ويبرر. لكن لا يمكن إخفاء الحقيقة الناصعة، ولا يمكن أيضًا طمس إنجازات استمرت قرونًا للحفاظ على حكم الغلمان الطغاة المستبدين صنيعة الغرب وجواريه في كل المواقف؛ لذلك أدعوك إلى قراءة التاريخ المتعلق بالخلافة العثمانية الإسلامية لتدرك حجم ما تعرضت له من مؤامرات ودسائس، ولتقف على حقيقة خيانة بعض العرب وتحالفهم مع المستعمر لإنهاء الخلافة العثمانية الإسلامية، وأعدك أنك ستجد ما يهولك ويصدمك. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد