رغم ضجة التحقيقات المستمرة يكاد يتنفس الأمير الشاب الصعداء وتمر المرحلة الأخطر من سقطته الكبرى بأقل الخسائر الممكنة، خسر كثيرًا ولا شك وإن اقترب من النجاة بنفسه رغم كل شيء.

بجلباب ملطخ بالدماء نعم وبعد أن انمحت صورة الإصلاحي وليبرالي البادية التي دفع كثيرًا في سبيل تسويقها لعموم الغرب لكن منذ متى يبالي حقًّا طغاة الشرق الأوسط بذلك الهراء طالما الطريق إلى العرش ما زال ممكنًا.

ترقب الجميع خطوات الرئيس التركي في التعامل مع الحدث بدءًا من خطابه الذي توعد فيه بكشف الكثير من تفاصيل مقتل خاشقجي، بدا الخطاب مخيبًا للآمال تقريريًا يطرح تساؤلات أكثر من إجابات فلا يشفي صدرًا وليس به جديد ليتبعه بتصريحات مقتضبة تحوي معلومات أكثر اقتضابًا يلمح فيها ولا يصرح أو ينتقد التعاون السعودي الضعيف في مسار التحقيقات ناعتًا إياها بالمسرحية التي تهدف لإنقاذ شخص ما على حد قوله، على الرغم من العلم اليقيني للكافة بأن الجانب التركي يمتلك منذ البداية تسجيلات وافية بالتفصيل لعملية الاغتيال ومنفذيها تفضح حتى في سياقها المحرضين كانت كفيلة بحسم الأمور منذ بداياتها دون الالتجاء إلى مسار التحقيق الطويل، فماذا حدث وما هي الأسباب التي جعلت رجل تركيا القوى رغم ما يملك في جعبته من أدلة يتراجع عن إعطاء الضربة القاضية لولي العهد السعودي والإطاحة به من المشهد السياسي برمته موصومًا بدماء صحفي مغدور.

1: الإطاحة بولي العهد هزة صعبة التحقيق

يخرج رجب طيب أردوغان للعالم بكل ما لديه من معلومات موثقة عن اغتيال خاشقجي، أمام التسجيلات والأدلة الدامغة التي يتم تداولها على نطاق واسع وتثبت تورط محمد بن سلمان تتعقد الأمور أمام النظام السعودي ويصبح لا مهرب أمامه سوى تقديم كبش فداء أكبر شأنًا بكثير من موظف برتبة وزير بالديوان الملكي أو بعض منتسبي الجيش أو حتى نائب جهاز المخابرات فمصداقية النظام بأكمله وبأجهزته أمام المجتمع الدولي أصبحت على المحك، تسارع هيئة البيعة بالانعقاد واختيار الأمير خالد بن سلمان وليًا لولي العهد مع التمهيد لعزل ولي العهد وإبعاده عن الصورة، وربما إذا شطح بنا الخيال أكثر وأكثر واستمر الوضع حينها في التفاقم والغليان كنا سنرى محمد بن سلمان في مشهد سريالي مؤقت حتى تهدأ الأجواء مشابه لرؤية الرئيس حسني مبارك خلف القضبان إبان عز ثورة يناير رحمها الله، ولكن ماذا بعد، وماذا كانت ستجني تركيا من كل هذا، وهل حقًا كان سيتم معاقبة ولي العهد، فحتى لو خرج أردوغان بدلائل إدانته على الملأ ليس هذا مما يمكن أن تراه في ممالك ما تزال تجل حكامها فوق الدساتير وتنادي بطاعة ولي الأمر تحت أي ظرف ودون أدنى قيد وشرط، عن طريق جيش من رجال الدين يعتلون المنابر الأكثر قدسية للمسلمين كما رأينا من داخل الحرم المكي نفسه في خطبة الجمعة التي أعقبت اغتيال جمال خاشقجي.

2: شوكة في حلق التحالف السعودي الإماراتي ستستمر طويلًا

دور مؤثر وفاعل لا يمكن إغفاله يتمتع به الآن المحور السعودي الإماراتي في أغلب ملفات الشرق الأوسط الساخنة ومناطقه، فأمام التراجع غير المسبوق للدور المصري المشغول بمشاكله الداخلية المتفاقمة وأزماته الاقتصادية المتشعبة والإصلاح الاقتصادي الذي يزيدهما تفاقمًا وتشعبًا وأمام قدرة المحور المذكور غير المحدودة في التأثير على سير حوادث شرق أوسطية عدة عن طريق العمل المخابراتي القذر والتمويل السخي لأطراف بعينها في بؤر الصراع علاوة على العلاقات الاقتصادية الضخمة التي امتدت لسنوات عدة مع أبرز رجال الإدارة الأمريكية الحالية حتى من قبل الدخول إلى البيت الأبيض كصهر الرئيس جاريد كوشنر مسئول أبرز الملفات الشرق أوسطية ومهندس صفقة القرن وأحد أبرز المقربين من ترامب وصولًا لترامب نفسه، صال وجال المحور المذكور في أغلب مناطق الصراع وامتدت أيديه إلى ملفاته الكبرى ليصبح المنافس الأوحد للمارد التركي صاحب الطموح الإقليمي الواسع والراغب في استعادة الكثير من المجد العثماني البعيد، ليأتي حادث كهذا يعلم أردوغان جيدًا ومنظري السياسة الخارجية التركية استحالة عقاب محمد بن سلمان عليه ليصبح من الأجدى تطويع الحدث لترويضه وتحجيمه وجعل تلك الجريمة بمثابة ورقة ضغط وشوكه دائمه في حلقه لا فكاك منها ولا مهرب، يستطع أردوغان بعدها إضعاف وتفتيت ذلك التحالف السعودي الإماراتي الخطر بدلًا من إقصاء ولي العهد عن المشهد بما لا يفيد الأتراك، بل وبما يستعدي النظام السعودي بكامله فلا يعد ذلك بالعمل السياسى القذر، ولكنه فقط استخدام أفضل الخيارات المتاحة للتعامل مع المشهد الراهن.

3: معاقبة ولي العهد على جريمة خاشقجي حدثت بالفعل

صورة مغايرة تمامًا لما أنفق الأمير أمواله طيلة أعوام سابقة في سبيل تحصيلها أصبحت هي السائدة منذ مذبحة القنصلية في أغلب أرجاء العالم الحر، اندرج رسميًّا في سلك قاتلي الشرق الأوسط وسفاحيه وأضحى رجل المنشار الكهربائي بعد أن كان منذ أسابيع قليلة خلت رجل الإصلاح والتحديث، وصمة مبكرة في غير وقتها لرجل في مستهل حياته السياسية ستثقل حركته كثيرًا وهو ما زال يخطو طريقًا محفوفًا بالمخاطر نحو العرش يتربص به الدوائر فيه كثيرون حتى من داخل أسرة آل سعود نفسها بعد ما فعله فيها وفى كبار رجالها ومن يدور في فلكهم من ذوي الثراء فمن استضافته الشهيرة لبعضهم في الريتزكارلتون إلى تحجيم البعض الآخر وتقليص نفوذه نجح ولي العهد في صناعة العديد من الأعداء الخطيرين.

سياسة تضييق الخناق على ولي العهد واستغلال موقفه الرديء لجعله طيعًا سهل الانقياد بدأت بشائرها بعودة الأمير أحمد بن عبد العزيز أخ الملك سلمان الأصغر وأحد السديرين السبعة الفرع الأبرز في الأسرة ومعارض تنصيب ولي العهد منذ البداية بعد ضغوط أمريكية بريطانية لعودته والحصول على تأكيدات من ابن سلمان بعدم المساس به، تأكيدات أعطاها ولي العهد رغم أنفه على ما يعلمه من نوايا ذلك العائد المحصن الذي سيصبح لابن سلمان كالنار تحت الرماد، وسيصبح لأل سعود الحانقين من فقدان جل نفوذهم كالعلم يفيئون إليه.

يستمر فريق التحقيق التركي في كشف ملابسات جريمة القنصلية ومن ورائها رغم معرفتهم منذ البداية بمن ورائها ومعرفتنا بمعرفتهم من ورائها ومعرفة ولي العهد بمعرفتهم، ومعرفتنا أنه هو من ورائها في ما يبدو أنها سياسة لاستنزاف ابن سلمان لآخر قطرة داخل جسده الثخين خاصة بعد تحول الجريمة إلى فضيحة دولية، وتردي سمعة الديكتاتور المبتدئ إلى الحضيض.

لا يمكن التكهن بمسار الأحداث القادمة ولا ما سينتهي إليه مسار التحقيق وإن تأكدت تقريبًا نجاة ولي العهد فحدث جلل كإقصاء أمير عن عرش مرتقب في بلدان الشرق الأوسط لا يبلغ تمامه إلا كالصدمة في البداية عند ذروة اشتعال الاحداث تحت ضغط غليان الرأى العام وليس الآن بعد أن هدأت الأمور نسبيًّا وتناسى الناس وكثيرا ما نسوا. – ورطة كبرى اقترب محمد بن سلمان من تفاديها فعسى أن يكون أكثر حرفية في عملية التصفية القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد