مقدمة

كان للخسارة التي تكبدتها الجيوش العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة عام 1948، الدور الكبير في السعي للنهوض مجددًا لمواجهة الغزو الصهيوني لفلسطين، فبعد خسارة الفلسطينيين لجزء كبير من أراضيهم إبان النكبة وتهجيرهم منها كان هناك عدة أنوية لتشكيل حركة وطنية فلسطينية كحركة القوميين العرب (تأسست في أعقاب نكبة 1948) واتحاد طلبة فلسطين (عام 1959) والتي تبنت كلتاهما خيار المقاومة لتحرير فلسطين، تبعها في عام 1965 تأسيس حركة فتح التي تبنت الخيار نفسه حتى عام 1993.

على الرغم من فلسطينية هذه الأحزاب والائتلافات، إلا أنها كانت في ظل الأنظمة العربية، أي أنه كان للأنظمة العربية قدر معين من الهيمنة عليها، ولم يكن لديها الحق في تقرير مصيرها واختيار سبل المقاومة التي تراها مناسبة، احتاجت الحركة الفلسطينية إلى استقلالية وكيانية لتستطيع بذلك تقرير مصيرها ومصير الشعب الفلسطيني التي تمثله، وعليه تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطيني (م. ت. ف) بعد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس عام 1964 لتكون الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين في المحافل الدولية.

ضمت المنظمة في بداية تأسيسها حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كما وتبنت الكفاح المسلح طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين حتى عام 1974 فقد خرجت المنظمة بفكرة إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مؤقتة على الأراضي المحررة من فلسطين، والتي قوبلت بالرفض من بعض الأحزاب الفلسطينية، وفي عام 1988 تبنت المنظمة خيار حل الدولتين، دولة فلسطينية تضم المناظق المُحتلة عام 1967 وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية، ودولة يهودية (إسرائيل) تقام على الأراضي المُحتلة عام 1948، استمرت منظمة التحرير على هذا النهج التنازلي حتى عام 1993 وتوقيع اتفاقية أوسلو بعد عدة لقاءات سرية بين قيادات حركة فتح باسم منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي، ليختفي بذلك دور منظمة التحرير وتبدأ مرحلة انفراد السلطة الفلسطينية في الحكم، وهنا تثور مسألة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية في ظل استمرارية وجود الكيانيين.

التمثيل: تمثيل الشعب الفلسطيني والمفاوضات

نص الميثاق الوطني الفلسطيني على أن تكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد لكافة الفلسطينيين في داخل فلسطين وفي الشتات، «تكون هذه المنظمة مسؤولة عن حركة الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تحرير وطنه في جميع الميادين التحريرية والتنظيمية والسياسية والمالية وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين على الصعيدين العربي والدولي». (المادة 25)؛ مما يعني أن منظمة التحرير بفصائلها مجتمعة هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ولا يحق لفصيل واحد من فصائل المنظمة الانفراد في تمثيل فلسطين في المحافل الدولية أو الاتفاقيات، وعلى الرغم من حدوث بعض الاصطدامات بين فصائل المنظمة، إلا أنها ظلت ملتزمة بمواد الميثاق الوطني، حتى بدأت حركة فتح بالتفرد باتخاذ القرارات عبر خوضها لقاءات سرية مع الاحتلال الصهيوني بتعزيز أمريكي لينتهي الأمر بتوقيع اتفاقية أوسلو، وتهشيم قاعدة الكفاح المسلح للمنظمة .

بعد تشكيل السلطة الفلسطينية عام 1993 وتسلمها للإدارة المدنية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، أحدث ذلك شرخ في التمثيل الفلسطيني، حيث أصبحت منظمة التحرير تمثل الفلسطينيين عامة في الداخل والشتات، بينما اقتصر دور السلطة الوطنية على تمثيل الفلسطينيين في نطاق مناطق الحكم الذاتي.

تتمثل إشكالية التمثيل المذكورة آنفًا، أدت وبشكل كبير إلى تهميش لاجئي الشتات إلى حد كبير، فمسألة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات أحيلت إلى ما يسمى بالحل النهائي للسلام أي أنها غير مطروحة في الوقت الحالي، على سبيل المثال لا يحق للاجئي الشتات المشاركة في الانتخابات الفلسطينية رغم أنهم يشكلون أغلبية الشعب الفلسطيني، وليس هناك أي قرار بحقهم سوى قرار 194 (عام 1948)، عدا عما يعايشه اللاجئون الفلسطينيون من الحروب في الوطن العربي، كسوريا والعراق، ولا يتم اتخاذ أي موقف من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، أو منظمة التحرير بسبب خضوعها لسياسة السلطة الوطنية.

أدت هيمنة السلطة الوطنية على المنظمة إلى تقليص دورها في تمثيل اللاجئين وإعانتهم، فدائرة اللاجئين في المنظمة لا تحظى بالتمويل الكافي للقيام بدورها، فضلًا عن عدم قدرتها على إصدار قرارات دون العودة إلى قيادة السلطة.

هناك جدل آخر في مسألة التمثيل بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية ألا وهو قضية المفاوضات، من المعروف أن منظمة التحرير هي المسؤولة عن اتفاق أوسلو في المحافل الدولية وأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعليه فيجب أن تكون هي من تدير الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وليس السلطة الوطنية ممثلةً برئيسها، ولكن بهيمنة حركة فتح بقيادة السلطة الفلسطينية على منظمة التحرير، حيث استطاعت أن تدير دفة المفاوضات إلى جهتها والانفراد في تمثيل وتقرير مصير الشعب الفلسطيني خارج صفوف منظمة التحرير ومكوناتها؛ مما زاد حالة القضية الفلسطينية تأزمًا وضياعًا. وبهذا الصدد، يذكر إدوارد سعيد في كتابه (أوسلو2: سلام بلا أرض) سخرية أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية حول أخطاء المفاوضين الفلسطينيين بوصفه أنهم لا يعرفون على ماذا هم يفاوضون بأنهم لا يملكون خرائط أو مرجعية ومنهجية معينة للتفاوض، «فإن المفاوض الفلسطيني الذي يجب أن يرجع في كل كبيرة وصغيرة إلى عرفات أصبح فريسة سهلة للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية»؛ مما يدل على سيطرة حركة فتح بقيادة ياسر عرفات ومهندسي أوسلو الآخرين على المفاوضات والمصير الفلسطيني.

سيطرة فتح على منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية

أعلنت حركة فتح عن تأسيسها (رسميًا) عام 1965 عقب العملية الفدائية التي نفذها الذراع العسكري للحركة (العاصفة) أي بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت حركة فتح تعارض المنظمة في منهجها وتدعوها لنهج ثوري أعنف وأكثف، كما وعارضت المنظمة النهج الثوري لحركة فتح.

رغم معارضة المنظمة لحركة فتح إلا أن الأخرى استطاعت حشد شعبية كبيرة لها بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب يونيو (حزيران) 1967؛ مما ساعدها بالتأثير على لجان المنظمة والمطالبة بإصلاحات للمنهجية المقاومة في المنظمة بعد الخسارة وأن تقوم تلك الإصلاحات على الكفاح المسلح، طالبت حركة فتح بتنحي أحمد الشقيري من رئاسة اللجنة التفيذية لمنظمة التحرير؛ مما أدى هذا الضغط أخيرًا بتنحيه وتعيين يحيى حمودة رئيسًا بالوكالة إلى حين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني.

اكتسب ياسر عرفات في تلك الفترة شعبية كبيرة في الشارع العربي والفلسطيني بعد تحقيق الانتصار في معركة الكرامة؛ مما هيأ له فرصة بالدخول وحركته إلى منظمة التحرير بشكل رسمي، وتم اختياره عام 1969 ليصبح رئيسًا لمنظمة التحرير ورئيس لجنتها التفيذية ومجلسها العسكري، ولم ينته الأمر حتى تم الإعلان عن انضمام حركة فتح إلى المنظمة بشكل رسمي والتأكيد على النهج الثوري للمنظمة كما ورد في ميثاق المنظمة البند الثامن، «المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين، ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية، سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل – منظمات وأفرادًا – جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح».

بدأ توجه فتح بالانحراف عن المحور المقاوم والكفاح المسلح بالاتجاه نحو التسوية السلمية كحل للقضية الفلسطينية؛ مما نتج عنه لاحقًا توقيع اتفاق أوسلو باسم المنظمة وبقيادة حركة فتح، فتوجهت المنظمة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1994 أي بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية لممارسة أعمالهم داخل حدود فلسطين الانتدابية، في تلك الفترة بدأت علاقة فتح بالتشابك والتداخل في المنظمة والسلطة وظهرت ازدواجية أعضاء الحركة كأعضاء في المنظمة والسلطة الوطنية فياسر عرفات كان الأمين العام لحركة فتح ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية، واستمر هذا الحال بعد رحيل ياسر عرفات إلى باريس للعلاج باختيار عضو اللجنة المركزية وأمين سر منظمة التحرير محمود عباس لتولي رئاسة المنظمة، ومن ثم رئاسة السلطة الوطنية عام 2004.

إذًا فهناك علاقة متداخلة ومتشابكة بين منظمة التحرير وحركة فتح وهيمنة واضحة من الأخرى على السلطة الوطنية؛ مما أدى إلى تهميش أحزاب المنظمة وتقليص دورها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.

نقل اختصاصات منظمة التحرير للسلطة الفلسطينية

كما أُسلف سابقًا، أصبح من الواضح بأن السلطة الفلسطينية أقصت منظمة التحرير من ساحة القضية الفلسطينية وقلصت وجودها حتى أقصى حد، فضلًا عن ذلك فإن السلطة الفلسطينية وكوادرها أصبحت تقوم بالأعمال التي يجب أن تقوم المنظمة بها ممثلة عن أطياف الشعب الفلسطينية كاملًا.

إن السلطة الفلسطينية هي من تقوم بإدارة المفاومضات مع الجانب «الإسرائيلي» والمسؤولة عن العلاقات الخارجية مع الدول العربية والأجنبية، فضلًا عن أنها لم تعمل بموجب قرار المجلس المركزي الذي ينص على تكليف اللجنة التنفيذية في اختيار أعضاء الحكومة وتشكيل السلطة دون الرجوع إلى اللجنة التنفيذية أو حتى إبلاغها.

تعديل الميثاق الوطني

شَكل الميثاق الوطني الفلسطيني منذ عام 1964 الدستور الذي يحوي مبادئ الشعب الفلسطيني الهادفة للتحرر من الاستعمار الصهيوني وظل الميثاق مُبرزًا للهوية الفلسطينية المُقاومة لهمجية الاحتلال وعنجهيته، حتى توقيع اتفاق أوسلو 1993 الذي سعت بنوده لإلغاء أي مادة في الميثاق تعترف بحدود فلسطين الكاملة أو بحق الشعب الفلسطيني في استعادة كامل أرضه المسلوبة. وبالفعل فقد استطاع الاحتلال الصهيوني باستخدام تمثيلية المفاوضات إعادة تشكيل الميثاق الوطني، وقد أصبحت كيانية الميثاق تتناسب مع سياسية السلطة الفلسطينية في التسوية السلمية للقضية الفلسطينية.

في الجلسة الحادية والعشرين للمجلس الوطني في غزة بتاريخ 17-21 أبريل (نيسان) 1996 اجتمعت أطياف منظمة التحرير لإجراء تعديلات على الميثاق الوطني وقد تغيب عن هذا الاجتماع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية، فضلًا عن معارضة حركة المقاومة الإسلامية لتلك التعديلات على الميثاق، ومع ذلك فقد حظي القرار بإيجاب الأغلبية من المشاركين في الجلسة، وعليه فقد تم تعديل وإلغاء عدة مواد من الميثاق سيتم التطرق إلى بعضها تفصيلًا.

المواد الملغية من الميثاق الوطني

المادة 6: اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين.

المادة 7: الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقائق ثابتة، وإن تنشئة الفرد الفلسطيني تنشأة عربية ثورية، واتخاذ كافة وسائل التوعية والتثقيف لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفًا روحيًا وماديًا عميقًا، وتأهيله للنضال، والكفاح المسلح، والتضحية بماله وحياته لاسترداد وطنه حتى التحرير واجب قومي.

المادة 8: المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية، سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادًا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح.

المادة 9: الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك إستراتيجية، وليس تكتيكًا، ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدمًا نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه، وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه.

وقد تم إلغاء كل من المواد التالية أيضًا: 9، 10، 15، 19، 20، 21، 22، 23، 30، أي أن كل المواد المتعلقة بهوية الشعب الفلسطيني ونضاله لتحرير كامل أرضه قد تم اقتلاعها من الميثاق الوطني، غير ذلك فقد تم إدخال بعض التعديلات على مواد أخرى بحيث تم إلغاء المقاطع التي تعارض عملية السلام بين السلطة والاحتلال الصهيوني.

المواد الملغاة هي:1، 2، 3، 4، 5، 11، 12، 13، 14، 16، 17، 18، 25، 26، 27، 29.

خاتمة

يظهر لدينا بشكل واضح بعد طرح الإشكالات السابقة بأن السلطة الفلسطينية قد فرضت هيمنتها على منظمة التحرير الفلسطينية، وتمادت بذلك لدرجة أن المنظمة أصبحت ممثلًا شكليًا للشعب الفلسطيني ولا تستطيع أن تؤدي دورها في ظل وجود تلك العلاقات المتشابكة بينها وبين السلطة الفلسطينية، وبأنه يجب التخلص من تلك الهيمنة لإعادة بناء المنظمة لتضم تحت سقفها جميع أطياف وفصائل الشعب الفلسطيني، ومتمسكةً بحقها الشرعي في تحرير كامل أرض فلسطين، وذلك السبب الذي وجدت من أجله، فاستمرار إضعاف المنظمة ما هو إلا تحطيم لسنوات من الكفاح المسلح والتضحيات والنزوح في عملية سلام عقيمة لا وضوح فيها ولا أفق لتنفيذها حتى هذا اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد