أحمد رضا
أحمد رضا

للقضية أوجه ومشاهد عدة، تتجلى في ضمنها المشكلة الكبرى التي سببها العنصر الغريب الذي ظهر وسط العالم العربي والشرق الأوسط عمومًا في منتصف القرن العشرين.

هوية فلسطين

كانت منطقة فلسطين والتي أعتبرها «منطقة» لا دولة -وتلك أحد أكبر مشكلاتها التي سنتناولها فيما بعد- تحت الحكم العثماني (التام) منذ 1517م متزامنة بطبيعة الحال مع مصر التي ارتبطت بها وبسوريا ولبنان ومنطقة الأردن ارتبطًا وثيقًا، حيث لا نجد في تاريخ مصر أي حاكم يسعى إليها أو منها إلا واتجه إلى فلسطين يضمها، حيث تعتبر الجبهة الشرقية الأهم والأخطر منذ عصور بعيدة جدًا.

السمة الأهم لفلسطين في ظل الحكم الإسلامي عامة والعثماني خاصة هي أنها هادئة الكيان، أي أنها شبه كوزموبلوتية الطابع السياسي والاجتماعي أو متنوعه، حيث ينتشر فيها الناس من مصر والشام -التي هي جزء منه في أغلب صفحات تاريخها لولا تميزها- وغيرها من البلاد العربية علاوة على السكان الأصليين لها.

وذلك الهدوء جعلها تمتزج في الحكم العثماني بسلاسة شديدة، فتكاد لا تتخيل لها مستقبلًا بدون دولة الخلافة، والحق يقال إن ذلك كان الأعم على كل بقاع دولة العثمانيين، غير أن حملة نابليون على مصر وما سبقها وتلاها وزامنها من حملات إنجليزية حول مصر وفي الوطن العربي أنبتت شعورًا وطنيًا جارفًا في ثلاث مناطق هامة للغاية، ربما ساهمت تلك الأحداث في تنمية شعورها الوطني ذلك أو ساهمت فيه أسباب أخرى ربما كانت تلك الأحداث خارجها تمامًا، وهي:

١ – مصر، وهي الأبرز في كلا الطرفين، الأحداث والنتائج الوطنية.

٢ – الجزيرة العربية.

٣ – الشام، وقد ارتبط الشعور الوطني لدى منطقة الشام والهلال الخصيب بالمشروع المصري الذي سيلتحم بها في مرحلة ما.

عنصر الأرض والشخصية والعروبة

يتمثل الجانب الوطني لدي الشعوب في احترام الأرض وتقديسها في بعض الأحيان، وليس ذلك لأنها المكان الذي يأوي الشخص ويتعامل في نطاقه أغلب سنين عمره، وإنما لأنها الشخصية والواجهة الرسمية والثقافية للشعب، من آثار وثقافة وتراث شعبي حي يمثلهم.

لذلك طالب الشعب الفلسطيني دومًا بالأرض، لم يطالب بالاستقلال، نعم يعتبر نفسه محتلًا من غريب، ولكنه في المرتبة الأولى يعتبر نفسه معرضًا لحالة من الاغتصاب، ذلك الاغتصاب الوطني الذي قامت به الحكومة الصهيونية للأراضي الفلسطينية بالقوة، جعلت الشعب الفلسطيني أكثر إدراكًا لقيمة أرضه وأنها اجتُزئت ولم تتعرض للهيمنة وإنما للتقسيم وذلك ما لم يرضه.

شخصية ذلك المطلب الشعبي يتمثل في الهتاف الجماهيري وقت الاعتراض، وفي التمثيل الدولي للقضية وقت الحاجة، ومن الأخطاء التي ترتكب في حق فلسطين باعتبارها منطقة لها سيادة الثقافة هي اعتبارها «عربية» لا «فلسطينية».

بمعنى أدق، فإن كون شعب له ثقافة ولغة ومنطقة معينة لا يعني بالضرورة فقدانه لهويته الشخصية التي قد تتمثل في أقل ما يمكن في لهجته على الأقل والأمر يزيد بلا شك.

فالمطالبة بحرية فلسطين لكونها «عربية» يعقد الأزمة ولا يحلها، فذلك ينزع التشابك الوطني ولا يجعل لها سيادة محددة.

عصابتان.. المالك والمهيمن

في بادئ الأمر، كانت الجماعات اليهودية تحت الشعار الصهيوني منذ دعوة هيرتزل وحتى حرب ٤٨ مجرد عصابات متفرقة، تتعاون على نطاق الدول التي تركزت فيها كمصر والشام والكثير من الدول الأوروبية ودول الوسط والمغرب العربي الأفريقي، تركزت بعد ذلك في فلسطين وتحت الرعاية البريطانية باعتبارها أقلية متزايدة مسلحة، لها أربعة أذرع، اثنين لها واثنين للإنجليز، وكان المعروف عن فلسطين أنها منطقة تحبو نحو تحقيق السيادة النوعية كما فعلت سوريا ولبنان ومصر والكثير من الدول التي ذكرنا ويذكرنا التاريخ بأن مصيرها يتزامن مع مصير كل منها، حبت نحو تلك السيادة ولم تنلها في ظل البطش الإنجليزي بكل حركات الاستقلال التام بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن على الأقل، كان الشكل العام لفلسطين هو شبه دولة، لا تفرق كثيرًا عن أي دولة حاولت وقتها أن تستفيد من النموذج المصري «الفريد» في إنشاء برلمان وحياة دستورية نيابية، وبذلك كان العنصر اليهودي-الذي تعايش كأي عنصر في أي دولة متعددة الأجناس في محيط الشرق الأوسط العربي المنفتح على الآخر نوعًا ما وربما فرضًا- لا يمثل جبهة موحدة تحت سلطة نراها ونتعايش مع قضاياها بشكل واضح.

والآن بعد 69 عامًا مرت على توحيد جبهة الصهيونية في فلسطين من 1948 حتى تاريخ كتابة هذا المقال، تبدلت الصورة تمامًا، أصبح الجانب الصهيوني في حالة تعزيز كامل نبعت من الدفع السكاني والسياسي لليهود في المنطقة والأحداث المجاورة التي ترتبت في دول كمصر وبلاد الشام المختلفة على الموقف من اليهود في 48 جعلوا اليهود عمومًا ينزحون إلى تلك المنطقة مكونين جماعة أكبر وأكثر تنظيمًا تحت لواء العنصر اليهودي الأوروبي الذي تربى على الخطط الإنجليزية والفرنسية ولديه دهاء وخبرة الحلفاء بل والوسط أيضًا في التعامل مع الحروب بعد خبرة الحربين العالميتين.

فقدت فلسطين آخر فرص تشكيل الاستقلال وصارت في حالة تفرقة لا يسعهم حلها بعد الآن، وصار توحيد الصف أصعب مهمة باتت أصعب من تخليص الأرض، حيث تفرقت فلسطين بين جبهة كذا وجماعة كذا، وتحول أصحاب الأرض ذواتهم إلى العصابة التي تفرقهم طلقة طائشة، وتوتر الموقف العربي حتى شُل تمامًا خصوصًا بعد أن خرج الغريم الأكبر لإسرائيل (مصر) بعد معاهدة كامب ديڨيد، ثم مات بعد فشل تأخر موقفها من القضية الفلسطينية مع مقتل أنور السادات في 1981 مع شك لا يزول هل كان يوجد ما يمكن فعله أم لا، حتى اختفى الأمل الآن في أن ينصر أحد شعبًا لم يعط فرصة من البداية لتكون له سيادة، فكيف يطالب بتحرير أرض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك