السياسات السعودية-الإماراتية تجاه القضية الفلسطينية باتت بحاجة لحذر وانتباه كبيرين ودراسة مستفيضة لمعرفة أبعادها والتي تحمل في ثناياها ثلاثة ملفات مهمة؛ الملف الأول الرئاسة الشرعية لمنظمة التحرير المتمثلة في الرئيس أبي مازن، والملف الثاني حركة حماس، والملف الثالث العلاقات السعودية-الإماراتية-الإسرائيلية التي تعيش أزهى عصورها تحت مبرر وقف الغول الإيراني الذي يسعى للهيمنة على المنطقة عبر دعم الخلايا الإيرانية في الدول العربية المتعددة تحديدًا الخليجية منها، يبدو أن هذا الصراع يقدم خدمة كبيرة لإسرائيل لم تحلم بها، فلا داعي لأن تحارب أعداءها فهم يتكفلون بالإجهاز على بعضهم البعض من غير إراقة دم أي إسرائيلي ومن غير أن تخسر إسرائيل فلسًا واحدًا، كم هي سعيدة إسرائيل وهي تراقب الانهيارات المتسارعة في سوريا والعراق ومصر الدول الثلاث العربية التي كانت تقلق إسرائيل أكثر من غيرها.

من المعروف أن العالم العربي كان قد انقسم إلى محورين قبل عام 2011 الأول محور الاعتدال الذي تقوده السعودية وكانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية محسوبة على هذا الخط، والمحور الثاني الذي تقوده سوريا عربيًا بالتحالف مع إيران وكانت حماس من ضمن هذا المحور، عديد من الدول العربية كانت خارج نطاق هذين المحورين، من أحد الطلبات الغريبة التي طلبتها السعودية من حماس هو إعلانها أنها منظمة «عربية» فلسطينية والتأكيد على عروبتها بسبب علاقاتها القوية مع إيران، المضحك في الأمر أن حماس على لسان خالد مشعل أعلنت ذلك في مؤتمر صحفي لها في جدة تلبية للرغبة السعودية، قادت السعودية المصالحة الفلسطينية عام 2007 وحصل اتفاق مكة الذي انفجر بعدها بأشهر قليلة، يبدو أن للإمارات رؤية أخرى، من وقتها بدأ التوتر الحمساوي الإماراتي عقب اكتشاف حماس لشحنة أسلحة إماراتية كبيرة كانت قادمة لرجال دحلان في غزة 2007، اتهمت حماس الإمارات بإرسالها وفدًا طبيًا يحتوي على عملاء لتحديد أهداف للمقاومة وإعطاء تردداتها للطائرات الإسرائيلية عام 2014 لقصفها، كانت العلاقات الإماراتية الحمساوية والإخوانية تتسم بالجيدة والمسالمة، سيفصل دحلان من فتح ويطرد، يبدو أن الإمارات فضلت رجلها على القيادة الشرعية للمنظمة، وسيصبح الرجل صاحب تأثير أمني واسع في الإمارات.

 عملت الإمارات ومؤخرًا السعودية على محاولة إزاحة أبي مازن، وصلت خلال السنوات الماضية أموال كثيرة للضفة الغربية من الإمارات لمجموعات الفلتان الأمني في محاولة لزعزعة الأمن الاجتماعي الفلسطيني الهش أصلًا، عالجت السلطة هذه القضايا بلا رحمة وإلا لتحولت مخيمات شمال الضفة الغربية إلى أشبه بمقديشو العاصمة الصومالية زمن الحرب.

التطبيع مع إسرائيل ومصير حماس-حزب الله-أبي مازن المشترك

أما الملفت أكثر فهو الغزل الإسرائيلي-السعودي الذي برز للسطح بشكل قوي جدًا هذا العام، ابتدأ من خلال حملات تويترية يقودها مثقفون سعوديون مثل تركي الحمد وبشكل أقل سياسيون وموظفو دولة سابقون بارزون مثل الدكتور أنور عشقي، تلميحات خطيرة من قبل الحمد وعشقي عبر وصف إيران بالعدو الأول وعدم العداوة لإسرائيل إلا للتضامن مع الشعب الفلسطيني وتقوم خلايا إلكترونية كبيرة بدعم موقف الحمد تحديدًا عبر وصف الشعب الفلسطيني بأقدح الأوصاف وكيل الاتهامات والتركيز على فساد القيادة الفلسطينية وسرقتها أموال التبرعات السعودية والسب والشتم بلا مناسبة أو أي حدث يستدعي ذلك، عدا عن الحملة الإعلامية السعودية على حماس ووصفها بالإرهابية، كتب الصحفي السعودي مؤخرًا مقالًا نشرته صحيفة عكاظ السعودية وصف الصحافيين الفلسطينيين العاملين في الجزيرة بالمرتزقة وصف المفكر عزمي بشارة بالمرتزق وكان العنوان حول التطبيع السعودي مع إسرائيل والذي لم يُدِنه إنما قال إنه لم يحدث بعد لأنه لا علاقة رسمية معلنة أو فتح سفارات، للكاتب السعودي الفار من بطش ابن سلمان في واشنطن وجهة نظر أخرى حيث كتب في تغريدات عديدة له على تويتر حول الهجمة الشرسة على الفلسطينيين حيث كتب في إحدى تغريداته أن البعض يكتب عن فلسطين وكأن جيوشنا مرابطة فيها أو حولها فلم يبق صامدًا في القدس غير أهلها فاتركوهم وشأنهم وتفرغوا لأوطانكم.

لكن عقب اجتماع الدول العربية وتأكيدهم على أن حزب الله إرهابي رفضت حماس ذلك قطعيًا لأنها تستشعر أن أي ضربة لحزب الله سترتد عليها سلبًا وقد يليها الدور، تمامًا كنظرة النظام السوري عند الغزو الأمريكي للعراق، يبدو أن صفقة القرن التي طفت للسطح تستلزم قلع حماس عسكريًا عبر حرب لكن إسرائيل تدرك مدى خطورتها ولا تريد أن تتحول إلى قاتل مأجور لصالح السعودية لا سيما أن إسرائيل غير معنية بالإنهاء الكلي لأي من فتح أو حماس لأن الانقسام يخدم كثيرًا المصالح الإسرائيلية، ولم يعد الفلسطينيون الشيء المخيف لإسرائيل عقب الانقسام الدموي عام 2007 وما تبعه، لكن يبدو أن المصلحة السعودية-الإسرائيلية تسلتزم تحييد أبي مازن والإطاحة به لخلق قيادة بديلة ترضى بهذه الصفقة وترضى بالتنازل علانية ورسميًا عن القدس.

لا أحد يتمنى الحرب لكن يبدو أن حزب الله وحماس بات يربطهما أكثر من علاقات سياسية وتعاون أمني وعسكري فرغم اختلافهما في الملف السوري إلا أن مصيرًا قدريًا بات يربطهما أكثر من أي وقت مضى، أي هزيمة عسكرية لأي منهما ستنعكس على الآخر بشكل كبير وقد يكون الانعكاس فوريًا، وهزيمة حزب الله أو حماس أو كليهما سترتد سلبًا وبشكل كبير على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لكن يبدو أن شيئًا ما لا نعرف تفاصيله حصل بين القيادة الفلسطينية والسعودية بسبب مهاجمة عزام الأحمد مسؤول ملف المصالحة في حركة فتح مع حماس حيث فتح النار بشكل مفاجئ مؤخرًا على إيران عبر قناة العربية وهاجم تنظيم الجهاد الإسلامي حليف إيران في الأراضي الفلسطينية الأمر الذي بدا وكأنه عوائق إضافية أمام المصالحة النهائية على الأرض.

الدور السعودي والقطري وحالة الفراغ العربية وتأثيره على القضية الفلسطينية

لا توجد دولة عربية لا تعيش أزمة من نوع ما، الدول المركزية العربية تعيش أزمات خطيرة جدًا تهدد أمنها القومي والاجتماعي والسياسي، ثلاث دول عربية مركزية هي سوريا والعراق ومصر تعيش أزمات خطيرة قد تهدد كيان الدولة بكينونته ووجوده خاصة سوريا والعراق وهذا ما يسمى في العلوم السياسية الفراغ السياسي، احتلت السعودية مكانة العراق بعد عام 1991، ويمكننا القول اليوم إن الإمارات احتلت مكانة سوريا، بات الثالوث العربي مشكلًا من هذه الدول الثلاث التي تحاصر قطر التي عملت على مدار الأعوام العشرين الأخيرة على خلق هالة سياسية وإعلامية وقانونية خاصة بها، لعبت قطر دورًا كبيرًا في الساحة اللبنانية عقب حرب تموز والسودانية عقب حرب دارفور والساحات التونسية والليبية والمصرية واليمنية بعد أحداث الربيع العربي، أطلق خصومها عليها في إطار حملتهم الدعائية ضدها مصطلحًا جديدًا في علم السياسة (Qatarism) حيث روج هذا المصطلح الذي يعني القطرية نسبة لدولة قطر كمفهوم مرادف لدعم الإرهاب وخلق المشاكل للدول والتحريض عليها إعلاميًا وسياسيًا.

لكن يبدو أن المصطلح خدم سياسة قطر أكثر مما أضر بها، لقد ساهم خصومها بنشر هذه السياسة التي طالما سعت قطر لخلقها بشكل مستقل عن الصورة النمطية المطبوعة في أذهان العالم عن أبوية السعودية على دول الخليج وتبعيتها لها، ما زالت قطر لاعبًا قويًا داخل الأراضي الفلسطينية فهي تتمتع بعلاقة قوية مع حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، فيما ما زالت تتمتع بعلاقات ممتازة مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، زارها أبو مازن مرات عديدة العامين الأخيرين وفي ذلك رسالة ضمنية من أبي مازن إلى كل من السعودية والإمارات، لم تؤيد أي من حماس أو منظمة التحرير الإجراءات السعودية ضد قطر والتزمت منظمة التحرير الحياد فيما أدانت حماس الحصار علانية، الأمر الذي وضع حماس والمنظمة في نفس السلة من وجهة النظر السعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد