تُعتبَر القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، ولطالما تفاعلت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج بحماسة شديدة مع أحداثها الدامية، وأخبارها المؤلمة منذ تهجير أهلها منها، بعد نكبة 1948، ثم نكسة يونيو (حزيران) عام 1967، وعبر فصولها المأساوية المتعاقبة التي ما زالت جراحها تقطر ألما، وتنزف دمًا.

وتحتل القضية الفلسطينية كذلك مكانة رفيعة في قلوب المسلمين لما تحظى به من قدسية المكان لاحتضانها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، الذي وصف الله الأرض المحيطة به بالمباركة كما في الآية الأولى من سورة الإسراء.

كانت القضية الفلسطينية حاضرة في الحراك الشعبي العربي إبان العام 2010، وكان الاهتمام بها كبيرًا في هتافات الجماهير وشعاراتها، لكن حضور تلك القضية شهد تراجعًا ملحوظًا في محيطها العربي والإسلامي، وفقدت بعضًا من ألقها كقضية مركزية جامعة، ضبطت بوصلة العرب والمسلمين نحو عدو واحد لم يكونوا يختلفون على أنه العدو الأول والأخطر عليهم جميعًا.

فما هي أبرز أسباب تراجع حضور القضية الفلسطينية في محيطها العربي والإسلامي؟ وهل المصالحة بين سلطة رام الله، وحماس في غزة ما زالت ممكنة، أم أنه مسار بائس ولا بد من البحث عن خيارات أخرى؟ وكيف يمكن إعادة ألقها من جديد عربيًا وغربيًا؟

من أبرز أسباب تراجع حضور القضية الفلسطينية في محيطها العربي والإسلامي عدة أمور:

   1- دخول الدول العربية في سلام وتطبيع مع الاحتلال ممثلًا باتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ثم اتفاق طابا، والاتفاقيات الأخرى؛ ما أدّى إلى تراجع القضية على المستوى الرسمي، وانعكس ذلك على المستوى الشعبي.

   2- تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو، وانحسار دور القيادة الفلسطينية داخل قطاع غزة والضفة، وهو ما انعكس بشكل كبير على دور الجاليات الفلسطينية في الشتات.

   3- انكفاء العالم، بشكل عام عن القضايا الكبرى، وانغماسه في التفاصيل المحلية، والانشغال الإقليمي بعد انكسار موجة الربيع العربي كان له أثر خطير على القضية الفلسطينية وموقعها ومكانتها، في ظل التحريض الطائفي، والحروب المذهبية، التي استثمرها الاحتلال وأدواته الإعلامية في الترويج للظهور وكأنه حليف، وليس عدوًا، وأن العدو هو إيران فقط، وما ترافق معها من موجة تطبيع هي الأخطر منذ الاحتلال.

   تداعيات الربيع العربي ومآلاته أحد أهم أسباب تراجع اهتمام الجماهير العربية بالقضية الفلسطينية، لانشغالها بقضاياها المحلية، وهمومها المأساوية بعد تفجر أوضاعها الداخلية.

  4- الانقسام الفلسطيني الداخلي بين فتح وحماس، وجغرافيا بين رام الله وغزة، هشّم الصورة المثالية لتماسك الشعب، وقدم القضية النبيلة في سياق صراع سياسي تناحري؛ ما أضعف اللحمة، وفتَّ في عضد المفهوم الناصع للمقاومة، وكان له أثر كبير على ألق القضية الفلسطينية، وأفضى إلى تراجع حضورها عربيًا وغربيًا، لكن ذلك كله على مرارته، لا يقلل أبدًا من عدالة القضية الفلسطينية باعتبارها جرحًا نازفًا، وطعنة أخلاقية كبرى في خاصرة الزمن الكوني الذي أغمض عينية طويلًا عن الشر، وآزر في أحيان كثيرة القتلة.

   5- أضف إلى ذلك تعدد الدول المنكوبة بالحروب الداخلية، أو الثورات والثورات المضادة في الإقليم الشرق أوسطي الملتهب والمتفجر، وقد تعددت الجراحات والآلام، وما عاد الألم الفلسطيني وحده يحظى بقصب الاهتمام، مع أن المأساة الفلسطينية واحدة من أفدح التراجيديات في التاريخ. التراجيديا السورية المعاصرة التي زاحمت نظيرتها الفلسطينية، والتي يكاد المرء يشعر إزاءها بأن فلول المتوحشين الصهاينة أرحم من عصابات نظام الأسد وزبانيته والميلشيات االمتحالفة معه.

   6- كان لغياب الرموز التاريخية للقاومة الفلسطينية كالشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأيضًا الرئيس الراحل ياسر عرفات كان لذلك أثر كبير في خفوت الضوء على الألم الفلسطيني المفتوح، لأن القضايا الكبرى، ترتبط بهمم كبرى، وشخصيات ذات تأثير شعبي وعالمي ملهم.

المصالحة بين السلطة وحماس وآثارها على القضية

 المصالحة الفلسطينية لإخراج القضية من مأزق الانقسام الداخلي، في طريق متعثر، والفجوة كبيرة وتتسع، ولم يعد ممكنًا إتمام المصالحة في ظل وجود شخص محمود عباس.

   الخلاف بين فتح وحماس ليس خلافًا على وسائل، بل هو خلاف رؤى وبرامج بين سلطة ترفض المقاومة، ولا تؤمن إلا بالمفاوضات والتنسيق الأمني مع الاحتلال، وبين مشروع ركيزته الأساسية الكفاح المسلح والعمل المقاوم، ولن تكون هناك مصالحة إلا بقيادة جديدة لفتح تؤمن بضرورة المزاوجة بين العمل السياسي المستند إلى الثوابت الوطنية، وبين العمل المقاوم والكفاح المسلح.

وأعتقد أن اتفاقية 2005، أو ما عرفت بـ(اتفاقية الأسرى) تراعي الحدود المشتركة التي يمكن أن يبنى عليها مصالحة وطنية، وهذا قد يتحقق في حال غياب عباس عن المشهد السياسي.

كيفية إعادة الألق من جديد للقضية الفلسطينية في عمقها العربي والإسلامي:

   • الاهتمام بوسائل التواصل الاجتماعي، واستثمارها بطريقة جيدة ومدروسة، فهي من أكثر الوسائل تأثيرًا وفاعلية وتفاعلًا.

   • التركيز على التطاول الإسرائيلي المستمر على الإنسان الفلسطيني بطرق مزرية، وتوصيل صورة ومشاهدة للرأي العام الغربي، لكشف الوجه الحقيقي للاحتلال في تعامله المهين مع الإنسان الفلسطيني، لكسب تأييد الشعوب العربية والإسلامية، وتعاطف الرأي العام الأوروبي.

   • تداعيات السياسات الأمريكية على القضية الفلسطينية في عهد ترامب، وانحيازها السافر لإسرائيل، يجب أن يستفز الفلسطينيين، على اختلاف فصائلهم، للتوافق على مشروع وطني جامع، لمواجهة تلك الأخطار الجدية المحدقة بقضيتهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخها، فغياب المشروع الوطني الفلسطيني الذي يجتمع عليه الجميع، يزيد في ضعف القضية ويشتت جهود العاملين من أجلها، والمؤازرين لها.

   • صمت مجلس الأمن والمجتمع الأوربي تجاه انتهاكات الكيان الصهيوني وجرائمه أن يستفز ضمائر الشعوب العربية أيضًا ويحركها من جديد لدعم القضية ومؤازرتها.

   • توحد الإرادة الشعبية، واستعادة خيار المقاومة بأشكاله كافة، لأن العدو الصهيوني استمرأ الاستسلام والهوان، والتنازل الفلسطيني الرسمي على المستوى السياسي والتفاوضي، ولن يقبل إلا بتفريغ الأرض من سكانها الأصليين أو جعلهم عبيدا، وهو ما تأنفه الروح الفلسطينية المكافحة.

   • ركون السلطة الفلسطينية إلى التنسيق الأمني، والتعامل مع الكيان الصهيوني، هو مؤشر خطير، خاصة بعد نقل الرئيس الأمريكي ترامب للسفارة؛ ما يوجب على السلطة الفلسطينية البحث عن بدائل حقيقية وجدية.

   شرعنة المقاومة ينبغي أن يكون بديلًا عن التعامل مع الكيان الصهيوني والتنسيق الأمني معه، ردًا على شرعنة الاحتلال للاستيطان، ومضيه قدمًا فيه.

   نحن بحاجة للوبي ضاغط لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، وهذا اللوبي يرتكز على جهد شعبي ورسمي وإعلامي وجماهيري من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد