كانت ومازالت النظرة العامة للقضية الفلسطينية تدور حول الأحقية الدينية والتاريخية وتلخصت الأطروحات والنقاشات بين المؤيدين لكل طرف حول هذين الجانبين اللذين أراهما يميعان القضية الفلسطينية؛ الأمر الذي يصب في صالح الجانب الإسرائيلي من وجهة نظري الخاصة، إذ يجعلنا نخوض في أمور تاريخية تبعدنا أكثر مما تقربنا من جوهر القضية الفلسطينية، والذي يتمثل من وجهة نظري، وهو الذي يجب أن نركز عليه أيضًا، وهو أن القضية الفلسطينية قضية إنسانية بالدرجة الأولى ويليه الجانب القانوني في الدرجة الثانية، هكذا يجب أن ننظر للقضية الفلسطينية ومن هذين المدخلين يمكن أن نساهم في خدمة القضية الفلسطينية بدلًا عن تمييعها بالخوض في الجوانب الدينية والتاريخية.

إن أهمية القضية الفلسطينية تنبع من كونها قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وأنا إذ أرى أنها قضية إنسانية، ألفت الانتباه هنا إلى ضرورة أن تكون كافة أوجه صور التعاطف والمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني من دافع إنساني بحت بالدرجة الأولى ذلك أن النظر إلى القضية الفلسطينية من الناحية الدينية بفتح الباب للجانب الآخر لتقديم حجج وأدلة تاريخية تثبت أحقيته لأرض فلسطين ما يجعلنا نعكف على تفنيد تلك الحجج والأدلة فيقوم الطرف الآخر بالرد، وهكذا نميع القضية باختزالها والنظر إليها كقضية دينية، وكأن الصراع هو صراع ديني، وليس صراعًا بين صاحب حق ومغتصب لئيم.

كذلك هو الحال إذا ما نظرنا للقضية الفلسطينية من الناحية التاريخية حيث يستم فتح الباب للطرف الآخر ليقدم أدلة وحجج تاريخية تثبت أحقيته للأرض، وإن كانت باطلة فإن الخوض فيها يجعل الأمر يبدو وكأنه صراع حضاري، الأمر الذي يجعلنا نغفل أن القضية الفلسطينية قضية إنسانية تتلخص في أصحاب حق ومحتل يستخدم كافة أدوات الإكراه وتقف من خلفه أعتى قوى الأرض مساندة ومؤيدة له.

أما الدرجة الثانية والتي تتبع الدرجة الأولى بطبيعة الحال، أن القضية الفلسطينية يجب النظر إليها من الناحية القانونية، وللقارئ أن يتخيل أن شخصًا ما يمتلك عمارة سكنية ورثها عن أبيه وجده، وفي أحد الأيام وعلى غفلة يظهر له شخص آخر يدعي أن هذه العمارة كانت لجده قبل ألفي عام، فإذا كانت القوانين في بعض الدول تمنح الشخص الذي استوطن قطعة أرض لمدة زمنية معينة قصيرة نسبيًا بالمقارنة بألفي عام يمكن تحديدها بحوالي 20 عامًا دون أن يظهر له شخص آخر يدعي ملكيته لهذه الأرض، وهنا أؤكد على عدم بروز شخص آخر يدعي ملكيته للأرض، فإن الأرض تصبح ملكًا لذلك الشخص.. فكيف بشخص يدعي ملكيته لأرض سكنها بشر قبل حوالي آلفي عام أو 500 عام حتى أظن الأمر لا يستقيم من الناحية القانونية للقارئ البسيط، فضلًا عن المتخصص في القانون.

لقد كان التركيز على كل من الجانب الديني، بالإضافة إلى الجانب التاريخي والتهميش، ولا أقول إغفال؛ لأنه وإن كان قد تم الخوض في كل من الجانب الإنساني والقانوني، إلا أنه لم يتم إعطاؤهما الاهتمام المستحق والتركيز على كل من الجانب الديني والتاريخي، سببًا رئيسًا من وجهة نظري لما وصلت إليه الحال فيما يخص القضية الفلسطينية.

إن الخوض والنظر للقضية الفلسطينية من الناحيتين الدينية والتاريخية يؤدي إلى تمييع القضية كما أسلفت سابقًا، ويظهر أكثر مما يفيد من وجهة نظري، ولذا يجب تغيير الخطاب الإعلامي والرسمي من الخطب والشعارات التقليدية التي لطاما ركزت على الجوانب الدينية والتاريخية في إثبات أحقية الفلسطينيين بأرضهم والانتقال إلى جوانب أخرى أراها أكثر فاعلية وتؤتي أكلًا أفضل من الجوانب التي تم التركيز عليها سابقًا كثيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد