إن المتتبع للقضية الفلسطينية وما آلت إليه من تشتت داخلي وتحالف إقليمي ودولي لإبرام اتفاق ينهي الصراع مع إسرائيل دون الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، يدرك أن الفترة الحالية ليست فترة عابرة تمر بها القضية عبر قرن من الزمن بدءًا بالحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة العثمانية وصولًا إلى الإعلان الأمريكي للقدس عاصمة لإسرائيل، وقد تشكل هذه الفترة بداية ضياع الحق التاريخي للفلسطينيين أو انقضاضهم نحو حل مختلف.

سرد تاريخي

غالبًا ما يبدأ الحديث عن القضية الفلسطينية من بداية القرن العشرين أي مع هزيمة المملكة العثمانية وقيام النظام العالمي الجديد وأنظمة الحكم في البلاد العربية (حقبة تاريخية)، ومن الصعب العودة بالحديث إلى ما قبل ذلك – حتى وإن حاول الصهاينة ذلك – تبعًا لوضوح السياق التاريخي لأحقية الشعب وملكية الأرض للفلسطينيين آنذاك، لكنّ دخول الحركة الصهيونية على خريطة الأقليات المنبوذة ورغبتها في إقامة كيان مستقل لها ومحاولتها الدؤوبة لتغيير وقائع التاريخ وسرقة ممتلكات الشعوب اعتمادًا على قوة المال وقوى الاحتلال العالمية وفي المقابل ضعف العرب وتشتتهم جعل من رواية الصهيونية كذبة حقيقية جرى تصديقها من قبل الكثيرين.

توالت بعدها الأحداث لتطبيق هذه الرواية على الأرض، جاءت قوات الانتداب بشرعية سايكس بيكو لتمهّد الطريق أمام عصابات الصهيونية لتهجير الشعب واحتلال الأرض ثم إقامة كيانهم الذي خططوا له في أروقة بازل دون أي تأخير يذكر ووسط نجاح منقطع النظير.

ولم تفلح المحاولات الفلسطينية الجادة وحتى العربية الخجولة آنذاك في إيقاف هذا المشروع الصهيوني الناجح، الذي استمر حتى النكبة والنكسة واضعًا الأرض الفلسطينية بالكامل تحت إمرة «شلومو»، في حين ساعد انتقال الحالة الفلسطينية من التشتت إلى الانتظام – عبر ثورات متواصلة كان منها ثورة 65 واصطفاف المقاومة الفلسطينية عبر أحزاب وفصائل وجبهات سببت الانتفاضة الأولى والثانية ومرت بجدلية أوسلو التاريخية – في منع هذا المشروع من التمدد أكثر وأكثر، بل وقد يعتبر الانسحاب الإسرائيلي من غزة حتى لو حدث نفذ من طرف واحد إلا أنه يعد تراجعًا تاريخيًا نسبيًا للمشروع الصهيوني.

القضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني!

هذا المشروع تواصل بعد ذلك بطريقة مختلفة، حيث اهتم كليًا بتصليب روايته التاريخية الهشة أصلًا وتغيير معالم القدس والضفة تاركًا غزة تواجه ويلات الحصار والعدوان الثلاثي منهِكًا مصنع الوطنية الفلسطينية كما يسميه البعض في حين أن الفلسطينيين على ما يبدو أصبحوا مساعدين ولو بغير قصد لهذا المشروع عبر انقلاب حماس العسكري على السلطة في غزة والمستمر للعام الثاني عشر، ومن جهة أخرى فرض حكومة الوفاق التي تتبع الرئيس إجراءات عقابية على قطاع غزة بدعوى عدم تمكين الحكومة في القطاع ولسخرية التاريخ أن الطرفين يدّعيان هدف الحفاظ على المشروع الفلسطيني من وراء ذلك!

القوى العالمية والقضية الفلسطينية

ما تحقق مؤخرًا بعد وصول ترامب لسدة الحكم بالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ناقلة سفارتها إليها وطرح الرئيس الأشقر لصفقة القرن فيما تعد مكافأة لإسرائيل يبدو أن هذه الصفقة تلاقي دعمًا عربيًا أكثر منه أوروبيًا.

أوروبا التي تقف مؤيدة خجولة لحل الدولتين –الميت إكلينيكيًا– لا تكاد تلعب دورًا حقيقيًا في هذه المعادلة التاريخية، وهل هي تريد هذا فعلًا أم إنها تلعب دور رفع العتب ليس إلا.

الصراعات الجانبية!

لا يمكن للمرء هنا أن يغفل الصراعات الإقليمية والدولية المستعرة، مصالح مصر الجارة مع الإمارات ومن خلفها السعودية الداعم الأكبر ماليًا للفلسطينيين في وجه النفوذ القطري التركي الممول الأكبر لغزة ترسيخًا لحكم حماس وإرضاء لإيران حسب ميزان القوى المعروف عربيًا والذي سمي قبل مدة بمحور الممانعة ضد محور الموالاة ويبدو أن أصحابه يتهربون منه حاليًا.

أين تقف القضية الفلسطينية بين كل هذا؟

وفقًا لكل ما ورد، لا شيء يبدو على الأغلب مبشّرًا للفلسطينيين عدا نجاحاتٍ مرحليةٍ يخرج بها الشعب تارة وصانعو القرار الفلسطيني تارة أخرى دون خطة وطنية واضحة، بدايةً من صدور قرار إلزامي من محكمة لاهاي الدولية ببطلان جدار الفصل العنصري فيما يتبعه لاحقًا اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية على حدود 67 واقعة تحت احتلال إسرائيلي، إلى جانب صمود محفوف بالمخاطر من القيادة الفلسطينية في وجه الصفقة الأمريكية سابقة الذكر بمقومات شعبية مشتتة.

في غزة ترى التناقض الغريب بين المقاومة المسلحة التي تنتهجها حماس ومن معها وبين الشعب الذي يتطلع لتحسين الوضع الاقتصادي ويصب جام حشوده على الحدود الشرقية للقطاع متظاهرًا أو على معبر رفح مهاجرًا، وفي الضفة ترى المقاومة الشعبية وشبه دولة المؤسسات وصمود المقدسيين وسرطان المستوطنات فيما يبدو على أنه صراع محتدم على ملكية الأرض والتاريخ.

دوليًا، تقف الإنجازات التي تحققها حركة مقاطعة إسرائيل عاملًا هامًا في ضرب الرواية الصهيونية للصراع مرتكزة على الوعي النسبي لشعوب العالم ووقوفه المتواصل إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة فيما تأتي المبادرات الفردية – رياضيًا وفنيًا وثقافيًا وتعليميًا … إلخ – من هنا وهناك بارقة أمل لشعبٍ قابلٍ للحياة!

ماذا بعد؟!

بعد كل ما ذكر، نرى أن هناك اختلالًا شاملًا وواضحًا في الميزان لصالح المشروع الصهيوني، اختلالٌ يقوده لمواصلة النجاح والاستعجال في خطوة قادمة مستغلًا كافة الظروف المحيطة، تلك الخطوة التي يقدرّها محللون أنها ستنهي القضية الفلسطينية في طريق صنع السلام مع الدول العربية للدخول في مرحلة قادمة قد تكون الأهدأ في مسيرة الصراع العربي الصهيوني تمهيدًا لما يخبئه هذا المشروع من توسعات محتملة.

ما هو القادم؟

يبدو أن فصل غزة عن الضفة سياسيًا أصبح أمرًا حتميًّا لا مفر منه، القيادة الفلسطينية لغزة والضفة لا تكاد تتنازل عن مصالحها جلبًا للوحدة والشعب مغلوبٌ على أمره ينتظر في غزة انفراجة اقتصادية، أما في الضفة فتنذر المظاهرات الحالية ضد العقوبات بإشعال فتيل أزمة تزعزع هياكل السلطة وتقود لاحقًا لحكم ذاتي مقتصر على البلديات على أن تبقى السلطة بشكلها الضعيف كما يراد لها.

ويبدو أيضًا أن البلاد العربية قد أتمت تجهيز المشاريب احتفالا بالعلاقات المرتقبة مع إسرائيل، والتي بدأت بوادرها بالظهور مع مشاركة وفود عربية في أنشطة رياضية وثقافية صهيونية سواء في داخل إسرائيل أو خارجها.

التساؤل الكبير!

في حال لم يطرأ أي مستجد سلبي أم إيجابي يؤثر بشكل كبير على مجريات الأحداث يأتي التساؤل الكبير: ما الذي يجب على الفلسطينيين فعله؟ تغليب المصلحة الوطنية العليا في وجه مصلحة التنظيمات؟ وكيف؟ بالانتخابات؟ مجلس وطني جديد؟ تمكين الحكومة؟ جولة مصالحة جديدة؟ من الذي سيحسم الجدال والخطوة المقبلة؟ حراك شعبي؟ ثورة جماهيرية؟ وكيف يمكن للفلسطينيين قلب الطاولة على المشروع الصهيوني وعدم الانجرار وراء خططه؟ وهل هذا ممكن أصلًا؟!

خارج الحدود!

جرّب الفلسطينيون كافة أشكال النضال الوطني، ولم يحدث لشكلٍ أن تغلب عل شكل آخر بالمطلق أو أن تسيّد شكل وجه النضال لفترة طويلة على شكل آخر، وأعطى الشعب كل فصيل وقته ليدلي ما في جعبته من مقومات تحرر بل وترك كل قائد بأن يمضي في خطته منذ البنود العشرة وحتى الحكم الذاتي وصولًا إلى حل الدولتين وما الناتج؟

على الشعب الفلسطيني أن يمارس دوره الثوري بالعودة إلى القواعد الأولى للنضال، وعليه أن يدرك جيدًا أن معركته مع المشروع الصهيوني بعيدًا عن أيدلوجيته الوجودية أو الحدودية إلا أنها تمثل حلمًا لشعبين! شعب يهودي جمعته الصهيونية وشعب فلسطيني جمعته الأرض والحق! كل شعب يقاتل لإثبات روايته، وكل حلم يسخّر كل ما يمكن لأن يصبح واقعًا! على الشعب الفلسطيني أن يصحو من غفوته، وأن لا يترك حسم المعركة الكبرى سوى لما يريده!

خاتمة

يجب أن نعي فلسطينيا هذه الحقبة التاريخية أن كل هذا يتطلب خطوات فعلية ترقى لمستوى أسئلة التاريخ وتنبؤات المستقبل، ولا يجب علينا إطلاقا انتظار الآخرين ليتحكموا بمصير شعب كامل بعد قرن من التضحيات، لا بد للشعب أن يضغط باتجاه وحدة القرار الفلسطيني ووحدة القيادة الوطنية التي تعرف جيدا ما هي خطتها لإحقاق الحقوق الوطنية والحفاظ على مقتدرات الشعب، وعلى الشعب أيضًا أن يرفض بكل ما أوتي من قوة أي صفقة لا ترتقي لمستوى تطلعاته وطموحاته، وعلينا جميعًا ان نستذكر حقيقة واحدة: الشعب هو مصدر الثورات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد