منذ أن غزا اليهود فلسطين، واحتلوها، وشردوا أهلها، وأسسوا دويلة لهم في 15 مايو (أيار) 1948 لتحفظ شتاتهم، وتلم شعثهم، في كيان قومي بناء على وعد بلفور الذي صدر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، والحكام العرب الذين أغلبهم كانوا وما زالوا طغاة مستبدين، متجبرين يحكمون الشعوب بالحديد والنار وكبت الحريات وقمع أي رأي مخالف لهم يستخدمون القضية الفلسطينية  للمناورة ولخداع الناس والظهور أمامهم بأنهم أبطال أفذاذ همهم الوحيد والأوحد هو:

تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الصهيوني

وهذا يعني حسب فلسفتهم ومنطقهم الأعوج أنه يجب على الشعب أن يقف كله، وراء هؤلاء الحكام الفجرة مؤيدين ومتضامنين وأن يخرسوا، ولا ينطقوا بحرف واحد ضد سياستهم مهما كانت جائرة، وظالمة، وطاغية، ومستبدة.

فعلى الشعب أن يتحمل هذه السياسة، وألا ينتقدها وإلا حينئذ يوصم من ينبس ببنت شفة بأنه متعاون مع العدو الصهيوني لأن الحكام في حالة حرب معه.

وتمكنوا طوال السبعين السنة التي مضت على الاحتلال الصهيوني لفلسطين أن يبرمجوا عقول الناس على أن الذي يرفع لافتة تحرير فلسطين، ومقاومة المحتلين لها هم الأحرار، والثوار، والأبطال العظام الذين يستحقون كل تأييد، ودعم مادي، ومعنوي ويستحقون أيضًا أن يصفق لهم الشعب، وهم يستمتعون بخطبهم الرنانة، المناوئة للكيان الصهيوني ويطبلوا، ويزمروا لصيحاتهم المزمجرة، الداعية إلى تحرير الأرض المغتصبة، وقذف المحتل في البحر.

وقد كان أول من استخدم هذه الطريقة المخادعة، المضللة هو جمال عبد الناصر الذي كان يتقن فن الخطابة، بشكل مذهل وكان مفوهًا، مصقعًا، يتكلم بطلاقة، وسلاسة لساعات طويلة، وهو يخطب دون تلكؤ، ولا توقف، وكان يتكلم باللهجة المصرية، ولكن كان لكلماته وقع السحر في نفوس الناس البسطاء، والسذج فكانوا يصدقونه بكل عقولهم، ويصفقون له تصفيقًا حارًا حتى تكاد تلتهب أيديهم، وتخرج منها النار من شدة تأثرهم، وتفاعلهم مع عربدته، وهيامهم بكلماته الثورية الكاذبة.

وكان الفلسطينيون يعشقونه، ويهيمون به حبًا غراميًا جما، ويعتبرونه المخلص، والمنقذ لهم ويدافعون عنه دفاعًا مستميتًا ويكادون يسطون بالذين يهاجمونه، أو ينتقدونه.

حتى أني شخصيًا بالرغم من عداوتي الشديدة له منذ انقلاب الانفصال عن الوحدة في 28 سبتمبر (أيلول) 1961 ومعرفتي اليقينية بأنه كذاب، أفاك وأنه كان يتاجر بالقضية الفلسطينية متاجرة ليحظى بالدعم الشعبي العربي قاطبة، خاصة وأنه أطلق على نفسه لقب رائد القومية العربية لكي يثبت، ويرسخ أقدامه في الحكم.

إلا أني كنت أستمع إليه كلما ألقى خطابًا لأعرف ماذا سيقول ولأستمتع بكلماته العذبة الفريدة من نوعها إذ لم يأت زعيم آخر، حتى الآن من يماثله في القدرة الخطابية.

ولذلك ينطبق عليه قول الله تعالى:

«وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم» المنافقون 4.

ثم جاء بعد موته مباشرة، بعد شهر ونصف فقط حافظ الأسد فسار على نفس الطريقة، في المتاجرة بالقضية الفلسطينية مع أنه هو الذي سلم الجولان في حرب 1967 للكيان الصهيوني حينما كان وزير الدفاع كثمن مقدم، لإيصاله إلى الحكم بعد ثلاث سنوات ونيف.

وشكل ما يسمى «حلف المقاومة والممانعة» مع إيران المجوسية الصفوية، ومع حزب الشيطان، ومع بعض الفصائل الفلسطينية المتواجدة في سوريا.

ويستمر مسلسل رفع راية فلسطين على أيدي الزعماء سواءً كانوا حكامًا، أو رؤوساء أحزاب علمانية، أو حتى رؤوساء حركات إسلامية على أنها هي القضية الأولى للمسلمين والعرب وآخرهم الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد.. بغض النظر عن أنهم صادقون، أو كاذبون في دعواهم، إلا أنهم يخادعون الله، ويخادعون أنفسهم، ويخادعون الناس.

لأن فلسطين ليست هي القضية الأولى للمسلمين، أو للعرب لو كانوا يعقلون، أو يفقهون.

لماذا ليست هي القضية الأولى؟

لأن تحرير فلسطين، لا يتم عبر الشعارات، واللافتات، ولا عن طريق الهتافات، ولا عن طريق الأغاني، والأناشيد، ولا عن طريق التصريحات السياسية، أو اللقاءات الصحافية، ولا الخطابات الرنانة، ولا التهديد، والوعيد بالقضاء على الكيان الإسرائيلي في خلال 24 ساعة، ولا عن طريق التنجيم، ولا مطالعة الأرقام الحاسوبية، وإسقاطها على الآيات القرآنية.

سبعون عامًا ونيف وحكام العرب وسواهم استخدموا هذه الأساليب وما أنتجت شيئًا، بل بالعكس ظهرت أنظمة أخذت تهرول وتتسابق للتصالح مع العدو الصهيوني والارتماء في أحضانه وأولها النظام المصري منذ أيام السادات حينما زار تل أبيب في أيام حج 1397 الموافق 19 نوفمبر 1977، ثم عقد معه صلحًا دائمًا رسميًا، بتمثيل دبلوماسي واعتراف كامل بالاحتلال اليهودي لفلسطين.

فقبل تحرير فلسطين يجب تحرير العقول، والقلوب من العبودية للعبيد، والخروج من إصر الذل، والهوان، والخنوع للحكام الظلمة، الفجرة، الكفرة، والتوجه نحو العبودية، والدينونة لرب العبيد رب العالمين.

فالقضية الأولى للمسلمين اليوم.. هي تكوين فئة مؤمنة بالله تعالى، متحررة من الخضوع، والخنوع للطواغيت، وللأنظمة العلمانية، والأنظمة الطاغوتية، المستبدة، المتجبرة، المستكبرة وتكوين دولة مسلمة ذات سيادة، وسلطة قوية، وجيش قوي ذي عقيدة ربانية، يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمته، ولتحرير العبيد من العبودية للعبيد إلى العبودية لرب العبيد.

لأن نصر الله لا يأتي إلا إلى قوم يقاتلون في سبيله وحده فقط ولا يقاتل في سبيل الوطن، أو التراب، أو الأرض، أو القوم، فهذه كلها مسميات جاهلية، لا تنفع شيئًا، ولا تستجلب نصر الله بأي شكل من الأشكال.

ولا يهم أن تعترف بهذه الدولة الأمم الطاغوتية المتحدة أو لا تعترف، المهم أن رب هذه الأمم كلها يعترف بها ويؤيدها ويدعمها، ويناصرها.

وبعد تكوين هذه الدولة يجب أن تنطلق الجيوش المسلمة، المجاهدة، إلى تحرير البلدان المجاورة لفلسطين من جميع الجهات الأربع، لتحمي ظهرها من الأعداء الأشرار، ولكي يكون الطريق ممهدًا تصل إليها مباشرة.

أما أن تكون دولة ما بعيدة عن فلسطين، وتزعم أنها ستحرر فلسطين بالخطابات، والشعارات، واللافتات، فهذا هراء، وكذب، وتضليل للناس.

ولنا في التاريخ عبرة، وأسوة حسنة.

فتحرير القدس من أيدي الصليبيين لم يتم بين عشية وضحاها، ولا في سنة أو عدة سنوات، وإنما استغرق ثلاثة أجيال من القادة العظماء الذين جاهدوا في الله حق جهاده واستبسلوا أيما استبسال وقدموا أرواحهم فداء في سبيل الله.

فالجيل الأول استمر عشرين سنة، وكان بقيادة عماد الدين زنكي بن آقسنقر التركي حيث تولى إمارة الموصل في سنة 521هـ، ثم حرر حلب وضمها إلى ملكه، وحاول تحرير إنطاكية ودمشق، ولكنه لم يفلح، ولكن تمكن بعد 18 سنة من تحرير الرها من الصلبيين، وبعدها بسنتين أُستُشهِد.

وجاء الجيل الثاني واستمر 28 سنة، وكان بقيادة نور الدين محمود بن زنكي، حيث واصل مسيرة الفتوحات، وتحرير البلدان من الصلبيين، ومن الحكام المتعاونين معهم، وتمكن من الاستيلاء على دمشق، وعلى مصر، وأرسل صلاح الدين يوسف بن أيوب مع عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر لرد عدوان الصليبيين، ثم تحريرها من الفاطميين في سنة 567هـ.

ثم جاء الجيل الثالث الذي استمر 14 سنة بقيادة صلاح الدين يوسف الذي تمكن أخيرًا من تحقيق حلم الجيلين اللذين سبقاه في تحرير الأقصى من الفرنج الكفرة في 27 رجب 583هـ.

ولذلك ليس من الإنصاف عزو تحرير الأقصى إلى جهد وبطولة صلاح الدين يوسف فقط.

إذ لولا الجيلين السابقين لمدة 48 سنة من الجهاد، وتهيئة المناخ، وتحرير البلدان المجاورة للأقصى لما تمكن صلاح الدين من الانتصار.

وبهذا يثبت لنا بشكل قاطع أن القضية الأولى للمسلمين هي.

تكوين دولة مسلمة أولًا، وجيش مسلم، وتحرير البلدان المجاورة للأقصى ومن ثم تحريره من الاحتلال اليهودي.

هذا هو المسار الصحيح وغيره هراء وخبال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد