فَقَدَ اليهود صلتهم بفلسطين عمليًّا حوالي ألف وثمانمائة عام، ولم يكن لديهم سوى العاطفة الدينية التي رفض أحبارهم وحاخاماتهم وقادتهم تحويلها إلى برنامج عملي، لأنهم كانوا يؤمنون أنهم استحقوا تدمير دولتهم وشتاتهم بسبب خطاياهم، وأن عليهم انتظار المسيح المخلّص الخاص بهم «الماشيح» أو «المسيا»، وعند ذلك يجوز لهم الاستقرار في فلسطين، وإقامة كيانهم.

على أن عددًا من التغيرات المهمة حدثت في التاريخ الأوروبي الحديث، انعكست بدورها على اليهود وإنشاء المشروع الصهيوني. فمنذ القرن السادس عشر الميلادي ظهرت حركة الإصلاح الديني «الحركة البروتستانتية» التي ركزت على الإيمان بالعهد القديم «التوراة»، ونظرت لليهود وفق رؤية توراتية بأنهم «أهل فلسطين» المشردون في الأرض، وآمنت بأن اليهود سيُجمعون من جديد في فلسطين لعودة المسيح المنتظر، الذي سيقوم بتنصيرهم، ليبدأ بعد ذلك عهد يمتد ألف سنة من السعادة. وقد شكل أتباع الكنائس البروتستانتية أغلبية سكان بريطانيا، والولايات المتحدة، وهولندا، ونحو نصف سكان ألمانيا. وهكذا ظهرت «الصهيونية» غير اليهودية، خصوصًا وسط هؤلاء البروتستانت الذين دعموا المشروع الوطني بناءً على خلفية دينية.

ومن جهة أخرى، فإن أوروبا -خصوصًا في القرن التاسع عشر- شهدت تحولات سياسية مهمة، فمنذ الثورة الفرنسية على الحكم الملكي سنة 1789 أخذت تتشكل الدولة الأوروبية الحديثة، وانتشرت الفكرة القومية والمشاعر الوطنية، وتم إنشاء أنظمة علمانية فصلت الدين عن الدولة، وهمّشت دور الكنيسة. وتم «تحرير» اليهود، وإعطاؤهم كافة حقوق المواطنة، خصوصًا في أوروبا الغربية، مما سهل على اليهود اختراق هذه المجتمعات والأنظمة، والارتفاع بمكانتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق مستويات أعلى من النفوذ في دوائر السياسة والاقتصاد والإعلام.

وفي المقابل، فإن الدولة القومية والمشاعر الوطنية في روسيا وأوروبا الشرقية قد أخذت منحى آخر، حيث كان يتواجد غالبية يهود العالم. إذ قاوم يهود روسيا عمليات الدمج والتحديث الروسية، التي تميزت بالفوقية والقسر والإرهاب. وزادت مشاركة الكثير من اليهود في الحركات الثورية اليسارية من عداء الحكومة القيصرية الروسية لهم، وانفجرت العداوة ضدهم بشكل مكشوف إثر اغتيال قيصر روسيا ألكسندر الثاني 1881، والذي اتهم به اليهود. وبدأت موجة من الإجراءات العنيفة القاسية ضدهم سميت بـ «اللاسامية» anti-semitism، أي العداء لليهود لكونهم يهودًا ينتمون إلى العنصر السامي، وقد أدى ذلك إلى نشوء «المشكلة اليهودية»؛ إذ إن ملايين اليهود في روسيا أخذوا يبحثون عن فرصة للخلاص مما هم فيه، وبدأت أعداد هائلة منهم في الهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية. وقد كانت هذه فرصة الحركة الصهيونية للظهور الدعوة إلى حل المشكلة اليهودية، بإنشاء كيان آمن مستقل لليهود في فلسطين، وتعاطف الكثير من الأوروبيين والأمريكان مع هذه الدعوة سواء لخلفياتهم الدينية، أو تخلصًا من أعباء التدفق اليهودي على أرضهم.

وأسهم ضعف الدولة العثمانية -التي كانت فلسطين تحت حكمها (1516-1917)- وسعي الدول الغربية لتقاسم أراضيها إلى بروز أجواء عملية أفضل لتأسيس المشروع الصهيوني. ففي مؤتمر لندن الاستعماري (1905-1907) ظهرت فكرة إنشاء «الدولة الحاجزة» في منطقة فلسطين، واقترح المؤتمرون الذين رفعوا توصياتهم إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت كامبل بنرمان C. Bannerman إنشاء هذا الكيان، بحيث يتشكل حاجز بشري قوي وغريب، شرقي البحر المتوسط، يكون قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومعتمدة عليها. وكان أفضل من ينفذ هذا المشروع هم اليهود.

وقد هدف المشروع الغربي من إنشاء فكرة الدولة الحاجزة إلى غرس كيان غريب في قلب العالم الإسلامي، ويفصل جناحه الآسيوي عن جناحه الأفريقي. يمنع وحدته، ويضمن ضعفه وتفككه، إذ إن استمرار مثل هذا الكيان مرتبط بذلك. وسيسعى هذا الكيان بالتالي لضرب أي نمو حضاري قوي في المنطقة، وسيشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة معقدة تستنزف طاقته وجهوده، وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك التبعية والضعف والحاجة للعالم الغربي وقواه الكبرى. وكما أن هذا الكيان سيكون بحاجة إلى دعم الغرب لضمان استمراره، فإن الغرب كذلك سيكون بحاجة إليه لضمان ضعف العالم الإسلامي وتفككه وتبعيته، وبذلك ينشأ بينهما تحالف يهودي صهيوني-غربي صليبي لا ينفصم. وهنا تكمن أهمية أن يفهم المسلمون أن هذا المشروع موجه ضد كل مسلم وآماله في الوحدة والنهضة والتقدم، وليس ضد الفلسطينيين وحدهم.

لقد عانى الغرب الصليبي من قرون طويلة من الصراع مع المسلمين، كانت فيه اليد الطولى للمسلمين نحو أحد عشر قرنًا، وما كانت لتنتهي دولة مسلمة حتى تحل مكانها دولة مسلمة تجدد الحيوية في هذه الأمة وتحفظ عزتها وكرمتها، فكانت دول الراشدين والأمويين والعباسيين والمماليك، وتمكن العثمانيون الذين خلفوا المماليك من فتح معظم أوروبا الشرقية، ومن توحيد العالم العربي تحت رايتهم، فكانوا حصنًا عظيمًا للإسلام قرونًا عديدة. غير أن ضعف الدولة العثمانية، خصوصًا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، جعل الأوروبيين يفكرون بطريقة تضمن ألا تقوم بعد ذلك للعالم الإسلامي قائمة، وألا تحل محل العثمانيين دولة مسلمة جديدة، تبعث الحيوية والنهضة فيهم، فكانت فكرة الدولة الحاجزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أسعد عبد الرحمن: المنظمة الصهيونية العالمية (1882- 1982)، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،١٩٩٠، ص ٢٣- ٢٦.
د. إميل توما: جذور القضية الفلسطينية، المكتبة الشعبية، الناصرة، ص٧-٢٢.
ريجينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة: أحمد عبد الله عبد العزيز، سلسلة عالم المعرفة، رقم 96، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
د. محسن محمد صالح: فلسطين، سلسلة دراسات منهجية في القضية الفلسطينية، ط 1 كوالالمبور، مايو 2002.
القضية الفلسطينية: خلفياتها وتطوراتها المعاصرة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2012.
عبد الوهاب المسيري :الأيديولوجية الصهيونية، سلسلة عالم المعرفة، رقم 60-61، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1982 - يناير 1983، ج١، ص٨٩-١١٦.
ملف وثائق فلسطين: إعداد وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة، ١٩٦٩، ج١، ص١٢١.
عرض التعليقات
تحميل المزيد