منذ إعلان رئيس السلطة محمود عباس عن نيته عقد الانتخابات وبدء الإجراءات لذلك، كان رأي حماس ومعها أغلب الفصائل يدور حول عقد «الحوار الوطني الفلسطيني» قبل عقد الانتخابات، والذي يعد مربط الفرس في ما يتعلق بنجاح الانتخابات الشاملة واحترام مخرجاتها، فما القضايا التي سيتناولها الحوار بين الفصائل، وما سيناريوهات انعقاده وحظوظ نجاحه أو فشله؟!

لماذا الحوار الوطني بين الفصائل؟

لقد أرادت حماس أن يعقد الحوار الوطني قبل إصدار مرسوم رئاسي بموعد الانتخابات، لكنّ عباسًا رفض ذلك وأصرّ على أن هذا اللقاء سيكون بعد صدور المرسوم، وبعد حالة من الشد والجذب وافقت حماس على ذلك، ثمّ تسلّم عباس فيما بعد الموافقة الخطية من جميع الفصائل على عقد الانتخابات، على أن يصدر مرسومًا رئاسيًّا واحدًا يتضمن تحديد موعد إجراء الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية بشكل متتابع.

تسعى حماس إلى عقد الحوار الوطني قبيل الانتخابات على صعيد الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، كإطار قيادي مُقرر، ولابد من الاجتماع قبل الانتخابات للاتفاق على آليات الانتخابات، وقانون الانتخابات، ومحاكم الانتخابات، واحترام نتائج الانتخابات، والسبب الرئيسي لذلك هو التخوف وحالة عدم الثقة السائدة، فهناك تخوف من العبث بنتائج الانتخابات، أو عدم احترام نتائجها، فعلى صعيد حماس قد يرفض عباس نتائج الانتخابات التشريعية في حال فوز حماس، ويلغيها عبر المحكمة الدستورية، كما حل المجلس التشريعي في ديسمبر (كانون الأول) 2018، وعلى صعيد فتح فهي لديها مخاوف بخصوص عدم قدرتها على السيطرة على قطاع غزة الذي تحكمه حماس.

وهنا تكمن أهمية عقد الحوار الوطني الفلسطيني قبيل الانتخابات، لإزالة الحالة السائدة من عدم الثقة بين الأطراف الفلسطينية، وعقد الانتخابات وفق رؤية وطنية موحدة وشاملة برضا جميع الأطراف؛ لضمان نزاهتها واحترام نتائجها من جميع الفصائل والأطراف الدولية والإقليمية المعنية، أما عن طلب حماس للحوار الوطني قبل إصدار المرسوم الرئاسي فقد كان بسبب رغبتها بأن تسير الانتخابات وفق رؤية وطنية موحدة من الجميع منذ بدايتها، ومن صدور المرسوم حتى إعلان النتائج وتطبيق مخرجات الانتخابات، لكنها تنازلت عن ذلك حتى لا تظهر بمظهر المعطّل للانتخابات رغم أهمية ذلك بالنسبة إليها، وهنا تظهر أمامنا عدة سيناريوهات بخصوص الحوار الوطني الفلسطيني.

السيناريو الأول: عقد الحوار الوطني قبل الانتخابات ونجاحه في إحراز النتائج

في هذا السيناريو نفترض عقد اللقاء الوطني بين جميع الفصائل قبيل الانتخابات، وينجح الأطراف في التوصل إلى رؤية وطنية شاملة تخص الانتخابات، ما يعزز هذا السيناريو هو أن حماس ومعها كل الفصائل المؤثرة تضغط باتجاه عقد هذا اللقاء، أما عباس فقد صرّح سابقًا بأنه سيُعقد حوار وطني بعد إصدار المرسوم الرئاسي للانتخابات، إضافة إلى أن عقد هذا اللقاء مهم جدًّا لإنجاح العملية الانتخابية، ونجاح الانتخابات مهم جدًّا لجميع الأطراف، فعلى صعيد الحركتين الكبيرتين حماس تسعى للتخلص من القيود التي فرضت على القطاع المحاصر وعليها نفسها داخليًّا وخارجيًّا، أما فتح وعلى رأسها أبو مازن تسعى إلى تجديد الشرعيات لاستمرار تدفق المعونات الخارجية للسلطة خاصةً من الاتحاد الأوروبي، وهذه الأمور تدعم احتمالية عقد الحوار الوطني قبيل الانتخابات.

في حال عُقد الحوار الوطني ونجاحه، فهذا يعني أننا أمام تقدم كبير في المسيرة الانتخابية، وأن الانتخابات سوف تتم في أجواء إيجابية وبرضا جميع الأطراف الفلسطينية؛ لأنه سيكون قد تم التوافق من الجميع على كل ما يتعلق بالانتخابات، وآلياتها، وقانونها، ومحاكمها، والرقابة عليها، وستزول حالة عدم الثقة الراهنة بتقديم تعهدات أمام الفصائل الفلسطينية والدول الفاعلة في المجتمع الدولي باحترام نتائج الانتخابات، وسيكون هذا الحوار الوطني بمثابة «وثيقة الشرف» بين الفصائل الفلسطينية، في محاولة لتحريك الحالة السياسة الداخلية الفلسطينية الراكدة، وتجديد الشرعيات.

السيناريو الثاني: عقد الحوار الوطني قبل الانتخابات وفشله في إحراز النتائج

إنّ نجاح عقد اللقاء الوطني للفصائل قبيل الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاح الحوار والخروج بنتائج إيجابية، فقد عُقدت العديد من اللقاءات والاجتماعات بين حركتي فتح وحماس بخصوص المصالحة على سبيل المثال، ولم يكن هناك أفعال حقيقية على أرض الواقع وسرعان ما كانت تتبخر كل الأجواء الإيجابية وتعود حالة الفوضى السياسية من جديد.

من المؤكد أن طريق إجراء الحوار الوطني الفلسطيني ليس محفوفًا بالورود، فهناك العديد من القضايا الساخنة المطروحة على الطاولة، خاصةً فيما يتعلق بقانون الانتخابات ومحكمة الانتخابات، وفيما يتعلق بالأرضية السياسية للانتخابات، وهل ستكون الانتخابات مبنية على مخرجات أوسلو واتفاقيات منظمة التحرير مع الاحتلال؟ وهنا تبرز الحاجة إلى الحكمة والذكاء لتخطي كل العراقيل وإنجاح العملية الانتخابية.

ربما من أبرز الإشكاليات أيضًا هو قضية إجراء الانتخابات في القدس، وهل ستُجرى الانتخابات دون القدس في حال رفض الاحتلال ذلك؟ صحيح أن عباسًا شدد أكثر من مرة على ضرورة إجراء الانتخابات في القدس، لكنه في أحد تصريحاته الأخيرة في جولته الخارجية فتح الباب على الكثير من التساؤلات حين قال: «سنجري هذه الانتخابات إذا وافقت حماس ثم نتصل بالإسرائيليين، وأيًّا كان موقف هؤلاء، نحن مصممون على عقد الانتخابات بأقرب فرصة!».

هناك احتمال أيضًا لأن يتجاوز عباس التوافق الوطني، ويقوم كمثال بإصدار مرسوم رئاسي بتشكيل محكمة الانتخابات المكونة من تسعة أعضاء حسب رؤيته هو دون الرجوع للفصائل، وهذا ما حصل حين شكل المحكمة الدستورية ليقصي المجلس التشريعي ويسقط أي شرعية فلسطينية دونه.

عقد الحوار الوطني ثم فشل التوصل إلى توافق فيه سيقود إلى أحد أمرين، الأول فشل إجراء الانتخابات (على الأقل في قطاع غزة فقد تُجرى في الضفة فقط)، وهو المرجح في هذه الحالة، والثاني أن تغامر حماس كما غامرت في القبول بشروط عباس للانتخابات، وكما غامرت من قبل في موضوع المصالحة وخوض الانتخابات، لكنّ ذلك مستبعد في هكذا حالة.

السيناريو الثالث: عدم عقد الحوار الوطني

صحيح أنّ حماس ومعها الفصائل هي من طلبت عقد الحوار الوطني، ورئيس السلطة عباس قال بأنه سيعقد بعد إصدار المرسوم الرئاسي، ولكن هذا لا يعني أن اللقاء سيتم بشكل مؤكد، فهناك العديد من الشواهد على احتمالية فشل عقد الحوار، فعلى مدار 14عامًا لم يفلح الفلسطينيون في الإجماع على تطبيق تفاهمات واتفاقيات المصالحة الكثيرة، أو الإجماع على رؤية سياسية موحدة في العلاقة مع المحتل، وربما تكون حظوظ عقد الحوار الوطني قليلة بناءً على نظرة سريعة لواقعنا الفلسطيني في السنوات الماضية، وعدم حصول تغيير جذري فيه.

هناك الكثير من الأمور التي قد تفشل عقد الحوار الوطني، وليس شرطًا أن تكون قضايا متعلقة بآليات إجراء الانتخابات وقانونها، فهناك العديد من القضايا الساخنة على الساحة الفلسطينية، ليس آخرها الاتهامات المتبادلة في قضية المستشفى الأمريكي الذي عدته فتح أحد مخرجات ورشة المنامة لتنفيذ صفقة القرن، فيما رأت حماس أنه مشروع إنساني للتخفيف عن القطاع المحاصر ولا علاقة له بالصفقة، وليس مستبعدًا أيضًا حدوث تصعيد جديد في غزة قد يبعثر الأوراق على الساحة الفلسطينية، فساحة غزة متقلبة والشهور القليلة الماضية تشهد على ذلك، وقد يستجد أمر آخر في الضفة الغربية يعرقل عقد الحوار، مثل ما حصل أثناء إضراب الأسرى المحررين المقطوعة رواتبهم، إذ كانت حماس ستؤجل ردَّها على رسالة عباس في حين كان د. حنا ناصر في القطاع ليتسلم الرد، لكن استُدركت الأمور، وأُرسل رد حماس الإيجابي في اليوم نفسه، كل تلك الأمور المحتملة قد تفسد المشهد الوطني الفلسطيني من جديد، وتمنع عقد الحوار الوطني الفلسطيني.

في هذه الحالة، وإن لم يُعقد الحوار الوطني قبيل الانتخابات، فإن هذا سيعني إما فشل إجراء الانتخابات بشكلها الوطني بناءً على رؤية وطنية وحدوية شاملة (ربما تُجرى في الضفة دون غزة)، وهو المرجح في هذه الحالة، وإما الذهاب إليها على شكل مغامرة غير محسوبة النتائج، لأنه حينها لن يكون هناك من سيضمن احترام نتائجها، وليس هناك من سيضمن عدم إلغائها، فلن يكون هناك توافق على الإجراءات والمحاكم والمراقبين، أي سيكون ذلك بمثابة الدخول إلى نفق مظلم، وهو أمر مستبعد في هذه الحالة.

الخلاصة

في النهاية ليس الهدف في عقد الحوار الوطني بحد ذاته، لكن في احترام هذه الحوارات واللقاءات والاتفاقيات، وتطبيقها على أرض الواقع، فقد عُقدت العديد من اللقاءات بين فتح وحماس والفصائل، وكان من بينها تفاهمات تتعلق بالانتخابات، لكن لم تشهد الساحة تطبيقًا حقيقيًّا لأي من تلك الاتفاقيات، أي نحن بحاجة إلى جدية في التعامل مع ملف الانتخابات، حتى يُلتزم بالتعهدات والاتفاقات التي ستفتح الطريق للمسيرة الانتخابية المنتظرة، وإلّا سنبقى ندور في الدائرة المفرغة نفسها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد