ما يزال مفهوم الهجرة لدى غالبية الشعب الفلسطيني مقتصراً على مفهوم الرحيل الطويل أو قصير الأمد إلى الداخل المحتل بحثاً عن لقمة العيش، أو البحث عن الرفاهية وكسر الحواجز التي يعيشها الشعب الفلسطيني من تقاليد باتت تشكل حالة شاذة في التقليد ذاته بالنسبة للحدود الجغرافية المرسومة على خريطته.

حيث بات العمل في الداخل (منطقة الاحتلال الإسرائيلي) يشكل جزءاً من الاقتصاد الوطني الفلسطيني لما يوفره من عائدات للسوق الفلسطينية، المعادلة التي باتت تتعمق أكثر وأكثر منذ عام 1998 أي بعد الدخول فعلياً مع جانب الاحتلال الإسرائيلي في المفاوضات طويلة الأمد أو خارطة الطريق، والتي للأسف أعطت القضية الفلسطينية مرحلة للركود غير المعروف للوصول لتسوية تتجدد دماؤها كلما أفرزت لنا الضغوط هبة جديدة، ليعود الحال كما عليه من خلال بعض الإجراءات التنفيذية من قبل الجهتين.

الحلم بالدولة لا يأتي بالوعود ولا بالرسم على الحائط ولا حتى البندقية، إذا كان لا بد من التغيير فعلينا البدء بأنفسنا أولاً، ولكن أين الطريق إلى وصال فلسطين وترسيخها على أرض الواقع، والتي يجب أن تبنى على أساس واقعي تسوده فكرة الشباب لبث الروح في تلك القضية.

كل شيء بات مربوطاً بالداخل، الكهرباء حكرية والتحويلات الخاصة بالمرضى للداخل، والمياه من الداخل، والمنتجات المفضلة من الداخل، وبعض التسوق من الداخل، وشمول السياحة من الداخل، وكأننا لا نعلم أن الداخل مبني على الطبقة العاملة الفلسطينية فيه.

كان لا بد من إيجاد بدائل للعمل في الداخل في ظل دولة مؤسسات ركيزتها الأساسية العمل الخاص، حتى وإن كانت القيادات العليا على غير علم بما يحدث خارج الطاولة المستديرة التي تضع القرارات نصب التنفيذ.

الطاقة التي يمتلكها العمال الفلسطينيون والذين باتوا يشكلون نسبة ذات أغلبية ساحقة في إسرائيل، كان من الجدير اتخاذهم ووضعهم تحت عباءة السلطة الفلسطينية، للقيام بدولة ذات جذور راسخة في كافة أطياف الشعب الفلسطيني.

ومما لا شك فيه أن غالبية العمال الذين بات يشكل لهم ضوء القمر رؤية حقيقية لتقديم خطواتهم نحو دولة الاحتلال هم ذوو شهادات إن لم تكن جامعية عليا أو وسطى، فهم يمتلكون شهادات حرفية تخولهم العمل في إطار معين لمصلحة الدولة الفلسطينية والمشروع الفلسطيني للبناء بحد ذاته.

حتى وإن كانت الأجور تختلف اختلافاً شاسعاً فالمبادرة خير من الوقوف مكتوفي الأيدي والنظر إلى الجهد المضاع في الداخل، ومما لا شك فيه أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لتوعية الشعب مع القليل من الوعود الصادقة وبعض المشروعات التي من الممكن أن تعطي العامل والطالب والخريج أملاً في الحياة في الأراضي الفلسطينية.

والجدير بالذكر أن العديد من المشروعات تم التوقيع عليها وتم إعطاؤها ميزانية معينة لاستيعاب العمال الفلسطينيين، لكن تلك المشروعات باتت حبراً على ورق مكدسة في مكاتب أصحاب الشأن وإن بحثت عنها وجدت خيط العنكبوت أعطاها الرونق الخاص بها.

لا ولم أعتقد ذات يوم أن السوق الفلسطيني والاقتصاد الفلسطيني مبني على أموال المقاصة المحولة إلينا بالقطرة من الجانب الإسرائيلي، ولا حتى من المعونات والدعم الخارجي المحصل عليه، يوجد هناك روح في الشعب الفلسطيني وان كانت تلك النسبة قليلة فالكفيل بنا وضعها نصب أعيننا لرفع مستواها والأخذ بيدها، وعدم التقصير الإعلامي بحقها.

توجد الأراضي للزراعة والمياه للري، والمصانع للبناء، والأموال من الصادرات والضرائب وأراضٍ للبناء، ناهيك عن الطبقة العاملة والتي من الممكن أن تعمل بأقل الإمكانيات والرواتب، ويوجد لدينا الدعم الخارجي والداخلي من كافة الطوائف سواء مادياً أو معنوياً.

لكن الفكرة وحدها هي ما تغيبنا لسنين ونراها كلما لاح نجم الأمل في بناء الدولة، حتى في ظل الاحتلال نحن قادرون على صنع المعجزة والخروج من رحم المعاناة، ولعدم دق الوتد الأخير في نعش القضية الفلسطينية يجب إحياء تلك الفكرة من قبل القيادة والشعب، أكثر من سبعين عاماً وما بنا خجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد