يعد المجتمع الصيني أكثر المجتمعات سكانا حيث يبلغ تعداده حوالى 1430 مليون نسمة، إلا أن المدهش أن هذا المجتمع  ليس الأكبر في العالم، فهناك مجتمع آخر يمتلك عددًا أكبر من الأعضاء، إنه مجتمع فيسبوك، الذي بلغ عدد أعضائه حتى الان 2130 مليون نسمة، وهذا ما دفع علماء النفس بقوة للبحث حول أسباب ذلك الإقبال الجارف على موقع فيسبوك.

وخرجت عدة نظريات، لعل أبرزها وأقربها للصواب هو قول الكثير من الباحثين أن فيسبوك يعطى المستخدم إحساسًا زائفًا بالسعادة، فمن خلاله  يستطيع المستخدم بناء ذلك العالم الذى يحلم به، فعندما يعاني الشخص من الإحباط بسبب عدم تحقيق النجاح الذي يطمح إليه في عمله، أو علاقاته الشخصية، فإن العقل يلجا لكل الحيل الممكنة لكي يخرجه من ذلك الإحساس المؤلم، ومن ضمن تلك الحيل اللجوء  إلى فيسبوك؛ لخلق عالمه الخاص الذى يعوض فيه جانب النقص الذي يعاني منه، وقد تلحظ ذلك في أسماء بعض الحسابات، فهذا ميدو العاشق ذلك المراهق الذى يلهث وراء أية علاقة عاطفية، وهذه نانسي الأمورة التي تعاني من عدم الثقة بجمال خلقتها، وهذا سيد العبقري الذي دائمًا ما يصفه أصدقاؤه بأبي الغباء، وهذا النجم أحمد ذلك الشاب الملازم للمقهى، والذي تجاهله المجتمع؛ فقرر أن يخلق عالمه الحالم الذي يصبح فيه نجم.

ومع مرور الوقت يتحول فيسبوك لإدمان لعالم مواز يفر إليه الشخص متطلعًا إلى عالمه الممتع لاهثًا وراء اهتمام الأصدقاء والمتابعين، وعلى قدر ما يحصل من إعجاب (like) وتعليقات على منشوراته وصوره على قدر التحسن فى حالته المزاجية وراحته النفسية فعقله الباطن أصبح الآن يتعاطى زر الإعجاب كما يتعاطى المدمن المخدرات، والأخير قد يفعل أي شيء للوصول لمخدره وكذا الأول.

فمع فراغه الفكرى وفشله في تحقيق أي إنجاز ملموس فى العالم الواقعي يلجأ إلى الواقع الافتراضى لاستجداء انتباه الأصدقاء والمتابعين عبر منشورات جاذبة بغض النظر عن الجانب الأخلاقى لها، إلا أن يكون عند هذا الشخص وازع ديني أو أخلاقي يردعه عن ذلك الإسفاف.

وفي إطار ما سبق نستطيع بجلاء تفسير منشورات بعض الإسلاميين العجيبة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما فيسبوك، فمثلًا تجد أشخاص منتمين للدعوة السلفية أو لحزب النور أو غيرهما، أحسوا بنوع من عدم التقدير الكافي لمواهبهم الفذة وقدراتهم العملاقة، فانفصلوا عن تلك الجماعة، أو عن ذاك الحزب، ثم بدأوا بالطعن فيه، ونسجت خيالاتهم أخبارًا مكذوبة وقصصًا واهية، وقياسات فاسدة للتدليل على صحة أقوالهم، وبالمناسبة ستجد هؤلاء في كافة التيارات والجماعات، والأسماء أبرز وأشهر من أن أشير إليها هاهنا، لدرجة أن وسائل الإعلام عندما تستضيف أحدهم فإنها لا تقدمه باعتباره فلان الفلاني الكاتب أو الباحث أو السياسي، بل تكون أكثر وضوحًا وصراحة لتقول فلان الفلاني المنشق عن تلك الجماعة، أو عن ذلك الحزب، وكأنهم يقولون له: إن قيمتك عندنا أنك ستهاجم هؤلاء، و لولا ذلك لما سمحنا لك بالظهور، فأنت شخص بلا إنجاز، بلا أهمية، وبلا معنى لنا، والعجيب أنه يدرك ذلك بوضوح؛ فتجده لا يحيد عن ذلك الخط المرسوم في الحوار، إنها صفقة عادلة له، اكذب على ذلك الحزب أو تلك الجماعة، انتقص من قيادتهم، شكك في نواياهم، وفي مقابل ذلك تحصل على عدد كاف من الإعجابات، وتصبح محط الأنظار، وإن برعت في سبابك وبذاءتك فنعدك أننا سننشر أقوالك على مواقعنا الإخبارية وصفحاتنا واسعة الانتشار، أما إن تجاوزت المألوف وأصبح لك الكثير من المتابعين وحققت منشوراتك انتشارًا واسعًا، فستحل ضيفًا في استوديوهاتنا.

ودعونا نتاول تلك الظاهرة ببعض التفصيل في حالة أحد أبرز الأحزاب تأثيرًا على الساحة المصرية وهو حزب النور، و كذا إحدى أوسع الجماعات انتشارًا في ربوع الوطن وهي الدعوة السلفية، و لنبدأ بذلك التساؤل الهام: هل كل من انفصل عن الدعوة السلفية، أو عن حزب النور، يعاني من ذلك الخلل النفسي المذكور؟ وينطبق عليه ما سبق  من وصف؟

قطعًا لا، فبعضهم ابتعد ونأى عن قناعة بأن هذا الخيار هو الأصوب والأقرب للحق، بعد أن بذل ما يستطيع في تحري الأصوب، فآثر الانفصال عن الحزب مثلًا، ولكنه احترم قراراته واجتهادات قياداته، وإن اختلف مع وجهات نظرهم، وقراراتهم السياسية، دون التشكيك في مرتكزاتهم الشرعية، فتمنى لهم التوفيق في ذلك النهج الإصلاحي الذي سلكه قادة الحزب وأبناؤه، وتابع هو  طريق الإصلاح الذي يتبناه ولسان حاله يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. ولمثل هذا كل التقدير والاحترام وإن اختلفنا معه.

وثمة أناس آخرون  تركوا الحزب أو الدعوة؛ لأنهم لم يصدروا، و يبرزوا في المقدمة، ولم ينزل الحزب على آرائهم، ولم يتبن أفكارهم ووجهات نظرهم؛ فأحس كل منهم باحتياج شديد إلى التقدير، ففضل الاستقالة والانفصال، ولكن المشكلة أنه لم ينل ذلك التقدير المنشود حين ابتعد عن الحزب، فماذا يفعل؟

الطعن في الحزب والتشكيك في كل من ينتمي إليه هو أقرب طريق للهدف المروم ولسان حاله يقول: إن لم أحظ بالتقدير اللازم وأنا معكم، فسأحظى به عندما أكون ضدكم، وهؤلاء عادة ما يلجئون إلى شتى وسائل الإعلام لإبراز مواقفهم تلك، فهم لا يتبنون مشروعًا إصلاحيًا يلتهم أوقاتهم وتفكيرهم، فتجدهم يهاجمون حزب النور أو الدعوة السلفية ليلًا ونهارًا بشتى السبل ثم تعلوا وجوههم ابتسامة صفراء قائلين: حزب النور بلا تأثير، قواعد حزب النور منفصلة عن القيادات، الدعوة السلفية ثلاثة أو أربعة أشخاص، وهكذا، ويا للعجب فإذا كانت الدعوة السلفية وحزب النور معدومي الأثر كما تزعمون، فلم تولونهما كل تلك الأهمية؟

وتعد منصة فيسبوك هي أبرز وسائل الإعلام المتاحة لتلك الفئة فتجد أحدهم  يستيقظ باكرًا معكر البال سيئ المزاج يتملكه إحساس بالضآلة والتهميش، فيلتقط هاتفه المحمول ليكتب منشورًا طويلًا يسب فيه ويشتم ويكشف ما يدعي أنه أسرار خطيرة، ويوجه نصائحه الثمينة إلى أولئك الشباب المخدوعين في مشايخ الدعوة السلفية وقيادات حزب النور، ثم يجلس يترقب عدد الإعجابات والتعليقات، وكلما زاد عدد الإعجابات بمنشوره انتشت نفسه، وأخذ ذلك النقص الدفين في الاكتمال فمنحه عقله الباطن إحساسًا دافئًا بالرضا والتقدير، وكلما تكررت لديه تلك الحالة المزاجية السيئة دفعه عقله لتكرار الدواء الناجع شتم و سب قيادات حزب النور أو مشايخ الدعوة السلفية؛ ليحصل على نفس الإحساس الرائع، وبما أنه يخاطب شباب السلفيين بتلك المنشورات فلابد أن يؤطر منشوراته، ويبررها بمنطلقات وأدلة شرعية حتى وإن كانت في غير موضعها، ويا حبذا لو بدأ الشباب المغيب – في ظنه – بتوجيه الأسئلة له، حينها يخرج ابن تيمية من تحت عباءته لتنطلق أنامله الذهبية  تجيب على أسئلة أولئك الشباب المقلين في العلم الذين لجأوا إليه باعتباره العالم العلامة الحبر الفهامة المدرك لبواطن الأمور ودقائقها، والذي وعى وأدرك ما لم يدركه قادة حزب النور ومشايخ الدعوة السلفية، ولا مانع من إنشاء حساب خاص على موقع (ask) لتلقى أسئلة الحائرين، وكلما زاد عدد الإعجابات بمنشوره ترسخت أهمية ما يقوم به في عقله الباطن، فأخذ يلهث وراء زر الإعجاب مهما كان الثمن.

المشكلة الأكبر أن الأمر لا يقتصر على ذلك المسكين، بل يمتد إلى أولئك الشباب المقتنع بقرارات حزب النور أو المنتمى للدعوة السلفية، والذين تغلي الدماء في عروقهم وتصطك أسنانهم غيظًا من كثرة الكذب والتدليس فيبدأون في تداول منشور ذلك المسكين مستنكرين له قائلين: انظروا ماذا يقول هذا الرجل! ويبدأ المنشور في تحقيق معدلات مشاهدة عالية، ثم يشرع أولئك الشباب في الرد على صاحب المنشور، وهنا ينبري صاحب المنشور ليرد عليهم بكلام عام، وقياسات فاسدة، وتنزيل للآيات والأحاديث في غير مواضعها، وعندما يفحمه أحدهم برد قاطع يكون نصيبه الحظر، فصاحب المنشور لم يكتبه ليبحث عن حقيقة، أو ليسدي نصيحة، وإنما كتبه سعيًا وراء لفت الانتباه وإشباع إحساس دفين بالتهميش، فهو يريد أن يصبح محط الأنظار، ومستقر الأعين، يتداول الشباب منشوراته وكلماته، يتلقفها خصوم الحزب أو المشككون في الدعوة فينشرونها بحماسة من باب التشفي وإنفاذ الغيظ، ويتلقفها أعضاء الحزب، والمنتمون للدعوة فينشورنها من باب الاستنكار والرفض، وفي الحالتين هو منتش وسعيد؛ فقد حقق ما يصبو إليه.

إذًا فما الحل مع تلك الشخصيات المسكينة؟

أفضل حل هو التجاهل، فالتجاهل يقتل أذى هؤلاء، إن إبداء الاهتمام بهم يعد كالماء للبذرة، لا تنمو وتزدهر إلا به، وكما قال عمرو بن الخطاب: أميتوا الباطل بعدم ذكره، ويؤيد ذلك أحد الأبحاث المنشورة في موقع (psychologytoday) والذى اكتشف من خلاله  مجموعة من علماء النفس أن تجاهل زر الإعجاب في موقع فيسبوك يؤثر بشدة على أمثال تلك الشخصيات الباحثة عن الأضواء، بل قد يؤدى إلى تدميرهم نفسيًا وإصابتهم بحالة من الاكتئاب الشديد، نرجو من الله – عزوجل – أن يهديهم إلى سواء السبيل قبل أن يصلوا إلى تلك المرحلة، ونسأل القدير الحليم أن يعفو عن ذلاتنا ويسدد بصائرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد