لا يخفى على المتتبع لأحوال المجتمعات الإسلامية وغيرها شيوع الثقافة الليبرالية بشقيها السياسي والاجتماعي حيث تقوم فلسفتها على الحرية المطلقة للأفراد على الصعيد المادي والمعنوي سوى ما كان متعديًا على الغير بالضرر دون الالتفات لما يترتب على ذلك من انحطاط قيمي وأخلاقي على الصعيد الفردي في المجتمعات وتفشي الرذيلة والفساد رغم ما انبثق منه من اضطرابات اجتماعية وغض للحقوق عبر التاريخ الغربي، فلا مكان للضابط الديني في الدولة والمجتمع بالمنظور الليبرالي سوى ما كان على المستوى الفردي وبوجود المحيط الفاسد المتفشي بالمجتمعات التي تتبنى هذه الفلسفة لن يجد الفرد أي سبيل يوصله لضبط مسار حياته بالدين حتى ولو كان دينًا محرفًا لأنه يفرض قيودًا على حرية الفرد بإلزامه بترك الشهوات رغم كم التضخم لمبدأ الحريات في الأيديولوجيا الليبرالية وتجريدها من أي قيد، إلا أن الشق الاقتصادي لليبرالية مناقض لمبادئ الشق الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن الليبرالية الاقتصادية تقوم على الاستبداد الاقتصادي وذلك برفع القيود والرقابات من السلطة عن المشاريع والتبادلات التجارية الخاصة كما تدعو النظرية إلى أن يقوم أصحاب رؤوس الأموال بشراء مؤسسات القطاع العام من السلطة لأن ذلك أدعى بخلق توازن اقتصادي للدولة كما يظنون.

والقاعدة الأساسية لليبرالية الاقتصادية كما يقول أحد أكبر مؤسسيها ومنظريها وهو آدم سميث حيث يقول: فإن يدًا خفية تقود الأفراد في سعيهم وراء مصالحهم الشخصية نحو تحقيق المصلحة العامة للمجتمع دون الحاجة إلى يد مرئية (الدولة) لإرغامهم على ذلك ودفعهم نحوه دفعًا، فهو يبرر بذلك لنظريته بدعوى التفات كل فرد في الدولة والمجتمع إلى مصالحه فينشأ من ذلك تحقق مصالح الجميع إذا قمنا بتفسير نظرية الليبرالية الاقتصادية من المنظور الديني فسيطول الحديث لما سيتضح من المآلات الفاسدة المترتبة على الأمم والمجتمعات، ولكننا لسنا بصدد ذلك إنما يهمنا بيان التناقض في المفاهيم الليبرالية التي غلبت على الثقافات في العالم وتهافت عليها المفكرون والسياسيون وحتى من علماء المسلمين بالتأويل والتحريف لتتوافق النصوص الشرعية مع هذه النظريات الفاسدة رغم تناقض الأصول والمبادئ والمنطلقات بين الليبرالية المتناقضة بنفسها والشريعة الإسلامية، وقد تصدى لهذه الجدلية عدد من العلماء الأجلاء وبينوا زيف التوافق -استعرضنا فيما سبق بعض أسس الليبرالية الاقتصادية فإنه سيترتب على هذه الأسس مآلات تبين التناقض بين الشق الاقتصادي وبين الشقين السياسي والاجتماعي، ومن هذه المآلات:

 1- تراجع الدعم لمؤسسات المجتمع المدني من مشافٍ ودور تعليم وماء وكهرباء وغيرها من المنشآت بتراجع دور الدولة من المنحى الاقتصادي عن طريق شراء المؤسسات العامة من قبل أصحاب رؤوس الأموال بدعوى الكفاءة الإدارية فيؤدي ذلك إلى تفشي الجهل والمرض في الدولة والغض من حقوق غالبية أفراد المجتمع.

 2- ازداد أصحاب رؤوس الأموال غنًى والذين يمثلون شريحة صغيرة من المجتمع في مقابل ازدياد أصحاب الطبقة الوسطى وما دونها فقرًا لما يترتب من احتكار أصحاب رؤوس الأموال لليد العاملة والمواد الخام وعدم استطاعة أفراد الطبقات الأخرى إنشاء أي مشاريع تجارية أو صناعية وينشأ من ذلك حتمية العمل في منشآت أصحاب رؤوس الأموال وتبدأ عمليات الاستغلال للطبقة الدون.

 3- تدخل أصحاب رؤوس الأموال ومحتكري اقتصاد الدولة الخاص والعام في قرارات السلطة بملكهم لاقتصاد الدولة   الذي ينبثق منه جميع المشاريع التنموية على كافة الأصعدة العسكرية والمدنية والثقافية والبنية التحتية في حين ترجئ القوانين التي تسعى لإقامة المصلحة العامة بتدخلات أصحاب رؤوس الأموال وصرفها لمصلحتهم الخاصة.

4- تحجيم دور الدولة لتقتصر على إصدار القوانين الدستورية رغم حجم التدخل من قبل أصحاب رؤوس الأموال في إصدارها وحفظ الأمن الداخلي والخارجي للدولة فقط.

هذه بعض المآلات التي تفضي إليها الليبرالية الاقتصادية ورغم هذه التبعات التي تخلف الفقر في المجتمع فإنهم يوقعون اللوم على الفرد بدعوى كسله متناسين احتكاراتهم للمنشآت والتبادلات التجارية والمنافسة الصارمة التي لا يصمد أمامها أي مشروع تجاري أو صناعي خاص كما أنها تخلق اختلال توازن الدولة من حيث تقاسم إدارتها الداخلية والخارجية بين أصحاب رؤوس الأموال والسلطة والتي سينشأ عنها تعارض ظاهر في رسم الخطوط الهيكلية والسياسية والاقتصادية كلٌ بحسب رؤيته المصلحية التي لا تخلو من قصور وهوى.

 فقد تبين بعد هذا السرد الوجيز لأصول الليبرالية الاقتصادية وتبعاتها التناقض الكامل للشق السياسي والاجتماعي في الفلسفة الليبرالية حيث إنها حجمت الأول واستبدت على الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد