في فترة الحرب بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، كان الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان حينها، عضوًا في مجلس الشيوخ واقترح أن تشجع أمريكا الدولتين على الاقتتال حتى الاستنزاف.

«فإذا أدركنا أن الرابح ألمانيا علينا أن نقدم العون لروسيا، وإن قارب النصر لروسيا علينا بمساعدة ألمانيا» وبذلك سيقتتلا حتى يخسرا أكثر رجالهما.

الوصول للهدف وإدارة المشهد وإضعاف المنافسين الدوليين بدون سقوط نقطة دم واحدة من جندي أمريكي، وهذا ما وجدته الإدارات الأمريكية اللاحقة شيئًا مهمًّا جدًّا ويجب التركيز والاستثمار فيه أكثر من الاستعمار والحرب المباشرة بالقوات الأمريكية باستثناء مشاركتها في نهاية الحرب العالمية الثانية لحسم الحرب وإنقاذ أصدقائها الأوروبيين من الزحف النازي، وحرب فيتنام التي كلفت الولايات المتحدة حياة 58 ألف جندي أمريكي وأكثر من 150 ألف مصاب، ولكن نرى الانتصارات الأكبر حققتها الولايات المتحدة في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي الذي تفكك بسبب الحرب الباردة.

لذلك ظهرت الحرب بالوكالة والاستعمار الجديد كما يسميه البعض باستغلال الرأسمالية والعولمة والاستعمار الثقافي للتأثير في بلد نامٍ بدلًا من الأساليب الاستعمارية السابقة للسيطرة العسكرية المباشرة (الإمبريالية) أو السيطرة السياسية غير المباشرة، رغم أن السيطرة السياسية غير المباشرة موجودة حتى الآن في أغلب دولنا العربية، وهي واضحة بدعم الديكتاتوريين العرب لأنهم الوحيدون القادرون على وقف تمدد الإسلاميين الذين يعدون من وجهة نظرهم خطرًا على مستقبل أمريكا وأوروبا والعالم.

دعم الحكام المستبدين، الذين يمثلون التخلف في العالم العربي ويعملون لإبقائه في حالة من الضعف والوهن، أصبح ذا أهمية قصوى للولايات المتحدة وأصبحت تفضل الولايات المتحدة السلام عن الحرب ولكن يهمها أن تكون هي المسيطرة وأن تكون هي الدولة العظمى وتمنع صعود ونهوض أي دولة أخرى بقوة تماثل قوتها لتُبقي على النظام الدولي بالصورة التي هو عليها الآن، ومنع ظهور توازن القوى من جديد، وإبقاء دول منطقة الشرق الأوسط في صراع وتصادم إقليميًّا أو عالميًّا مع مختلف الدول، حتى لا يصلوا إلى مرحلة الاستقرار الأمني والاجتماعي ومن ثم تبدأ عملية الإنتاج الحقيقية التي تولد القوة الحقيقية، ويصبح قرارك بيدك، ويتضح ذلك في التناقضات الفجة في السياسة الخارجية الأمريكية.

الإدارة الأمريكية تقول إنها تريد للقانون الدولي أن يأخذ مجراه في العلاقات الدولية، ولكن يتضح عكس ذلك على أرض الواقع والأمثلة لا حصر لها، وحجم الانتهاك للقانون الدولي الذي يمارسه الكيان الصهيوني والذي تباركه وتؤيده الولايات المتحدة منذ عقود، والهدف الرئيسي هنا أنه لا بد من عدم السماح لأي لحركة وطنية بالتحكم في مصير البلاد؛ فالدعم الأمريكي للجيش المصري الهدف من هذه السياسة هو قمع الحركات الإسلامية والوطنية الأخرى، التي قد تغير موقف العالم العربي بوصفه منطقة هامشية وينهي السيطرة الغربية عليها، فالهدف هو بقاء الحفاظ على المجتمعات العربية في حالة من الهشاشة، وليس الهدف أن يأخذ القانون الدولي مجراه في العلاقات الدولية. فديكتاتور ترامب المفضل بالتأكيد ليس ديمقراطيًّا، ولا يريد الخير لمصر، وعندما أعجب ترامب بحذاء ديكتاتوره المفضل وقال:«أحب حذاءك .هذا الحذاء يا رجل..»، ومن الواضح أن ترامب لم يجد شيئًا في ديكتاتوره المفضل يعجب به غير حذائه! وهذا إن دل فيدل على الكثير، والأمثلة لا تعد ولا تحصى من دعم الولايات المتحدة للحكام المستبدين على مر التاريخ، خاصة في منطقة الشرق الأوسط بل وتبارك بذلك لأنهم يقومون بما تريده على أكمل وجه وبأقل التكاليف على الولايات المتحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد