إن رحلتنا في هذه الحياة قصيرة، والخائب هو من خاض هذه الرحلة وعاشها دون أن يعلم الغاية منها والمآل بعدها، فحاله هذا يقتضي أن ينشغل برحلته بما لا يفيده، وأن يجد بنهايتها ما لا يسرّه.

تشتري جهازًا فتنظر في دليل التشغيل المرافق له، وتدرّس ولدًا فتسترشد أهله في كيفية التعامل معه، وشأننا مع هذه الحياة ليس ببعيدٍ عن ذلك، إذ إننا لا يمكن أن نعرف الغاية من وجودها والمآل بعدها إلا عندما يرشدنا خالقها إلى ذلك، فتنظر في الكتاب الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ فتجد فيه:

«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» حينها تدرك الغاية من الوجود، وتأتيك الآية الأخرى لتدرك منها المآل بعد الممات: «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون»، إذن، فرجوعك إلى الله للحساب إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر هو المصير المحتوم عقب انتهاء الحياة.

والآن بعد أن أرشدك كتاب الله إلى الغاية من الوجود والمآل بعد الممات، فلتنقل بصرك إلى الناس، إلى أفعالهم التي تنبئك بأنهم لم يفهموا إلى الآن الغاية من هذه الدنيا ولم يدركوا ما ينتظرهم بعدها!

إذ ترى أحدهم يمر بضائقةٍ مالية، فيترك على إثرها الصدقة التي تفقده جنيهات أو ريالات في الشهر، ولا يترك الدخان الذي يخسّره مئات الجنيهات أو الريالات، مع أنه سيجد في عاقبة الأولى ما يسره في الدنيا والآخرة وفي عاقبة الأخرى ما لا يسره في الدنيا والآخرة!

وترى الثاني قد ألزم نفسه عشرون صفحة كوردٍ يوميٍّ من القرآن الكريم، فإذا ما تعرّض لضغطٍ بسبب امتحان أو عمل، فإن أول ما يفكر بالتخلص منه هو هذا الورد، أما قراءة ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وواتسآب، فذلك ما لا سبيل إلى تركه! رغم أن ورد القرآن لا يتجاوز النصف ساعة في حين أن «ورد» مواقع التواصل الاجتماعي يفقده الساعات!

أما الثالث فتراه جالسًا على مائدة الطعام ساعةً كاملة متلذذًا بما يأكل مستشعرًا نكهاته، في حين تراه مسرعًا في وضوئه وصلاته وكأنها عملًا ثانويًا يجب إنجازه والانتهاء منه بأقصر وقت! رغم أن إقامته للصلاة بأركانها وواجباتها وشروطها ومستحباتها وخشوعها وآدابها وبوضوئها الصحيح، لا يستغرق منه عشر دقائق! وهي التي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.

في حين يقول الرابع لزميله في الجامعة بأنه لا يريد أن يرافقه إلى مصلى الكلية لعدم نظافته، وسيقضي الصلوات الفائتة حال رجوعه إلى المنزل، ولكن ماذا لو قال الدكتور المسؤول عن علامات عملي إحدى المواد بأنه سيجري امتحانًا عليه خمس علامات في المصلى نظرًا لعدم وجود قاعةٍ فارغة؟! أما كنت ستجده أول من دخل المصلى وآخر من خرج منه؟! مع أن تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها من غير عذر من كبائر الذنوب، أما إضاعة خمس علامات من مئة فليست بالأمر الكارثي الذي يمكن مقارنته بإضاعة الصلاة!

وترى الخامس جالسًا مع صديقه، متبادلًا معه أحاديث ليست لها رائحة الفائدة -ليست الفائدة وإنما رائحتها- فيمضي بذلك الساعات الطوال دون أن يشعر بأي مللٍ أو ضجر، في حين تجد وقته ضيقًا وأشغاله كثيرةً عندما تنصحه بأن يخصص ربع ساعة صباحًا ومثلها مساءً لأذكار الصباح والمساء!

ويصيب السادس ألمًا في رأسه أو أسنانه فتراه مسرعًا كالبرق إلى أقرب طبيبٍ، أما قلبه الذي أثقتله الذنوب والخطايا وما تبعهما من هم وغم فلا يجد وقتًا لتطبيبه بأن يحضر مجلس ذكرٍ أو يعمد إلى خلوةٍ مع الله يصفو بها مع ربه ويستغفره ويعظمه ويتوب إليه مما قام به من أعمالٍ دنيئةٍ هوت به إلى رتبة «الحيوانية» مطلقًا لشهواته عنانها مغلقًا بذلك الطريق أمام عقله متخذًا من هواه إلهًا يعبده ويتبعه من دون الله.

أخيرًا، ما ذكرته ليست إلا نماذج لمرضٍ عضالٍ وهو غياب «فقه الأولويات» عن حياتنا، بحيث نُعطي أولويةً وأهميةً لتوافه الأمور وسفاسفها، أما معالي الأمور وجليلها فلا وقت لها، وبذلك استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، رغم أنه كان حريٌّ بنا أن نجعل الوحي الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ مصدر أفعالنا لا هوانا، إذ إننا دائمًا أمام خيارين لا ثالث لهما إما اتباع الهوى أو الحق، فلنختر لأنفسنا ما فيه صلاح دنيانا وأخرانا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد