إذا ذُكرت المظاهرات وذُكر أهل السنة فهم عند الآخرين بين العتب المرّ والظن الجارح، مستغربين عدم مشاركتهم في المظاهرات الأخيرة التي يشهدها العراق، وأصبح هؤلاء والطائفيون منهم خصوصًا ينظرون إليهم بعين التهمة، معتقدين أن أهل السنة ما قعدوا إلا خذلانًا للشيعة، وتشفيًا بهم، ولريّ الغل الذي تعتمل به قلوبهم تجاههم، ظانين أنهم لا يرجون لهم إلا السوء، ولا ينظرون إليهم إلا بعين الشماته.

والحقيقة بعيدة عن كل تلك الظنون والاعتقادات، ذلك أن أهل السنة ليس لديهم عُقدة تاريخية تحملهم على الثأر والانتقام، ولم تُؤصل منابرهم للظلامات التي تزرع في الإنسان بذور الشماتة والتشفي، وليس في أصول دينهم ما يدعو إلى الكراهية التي تخالف المروءة، وطالما حكم أهل السنة الأمة فكان شعارهم ودثارهم الرحمة والإحسان إلى الخلق، وكانوا ينظرون إلى كل الملل والنحل التي تدور في فلكهم نظرة الأب البر الرحيم، وما خالف هذا الأصل، فإنما هو في حكم الشاذ الذي لا يعمم على الأصيل الثابت.

وعندما حل نظام ما بعد 2003 قضاءً وقدرًا، كان أهل السنة من أكثر الناس الذين تعرضو فيه للأذى والظلم، فالسني عند جميع الحكومات التي حكمت بعد 2003 متهم حتى تثبت براءته، بل إن براءته في حُكم المستحيل ما دام يقدم أبا بكر وعمر على عليّ رضي الله عنهم أجمعين، وإن تُرك ليعيش فإنما يُترك حتى حين، فقد ذهب ضحية هذا النظام أكثر من مليون شهيد، وشُرد أكثر من 7 ملايين خارج البلاد، وهُجر داخله أكثر من 4 ملايين ممن لا قُدرة لهم على الهجرة، فذاقوا الغربة والذل في بلادهم، وليس لأهل السنة أن ينسوا مشاهد وصور التعذيب التي كانوا هم أبطالها على مدى أكثر من 10 سنوات، وقد تكون حالات غصب ممتلكاتهم ومشاركتهم أرزاقهم من قبل أصحاب المليشيات والجهات المتنفذة أشد ضراوةً وقسوة، ولعل أكثر المشاهد قتامةً.. هو دخول الحكومة بخيلها ورجلها على مدنهم، فأطبقت السقوف على رؤوس ساكنيها بحجة محاربة «داعش». وجعلوا ديارهم قاعًا صفصفًا.

وقد خرج أهل السنة قبل الشيعة مرات عدة للمطالبة بحقوق العراقيين جميعًا فمارست تلك الحكومات أقصى أنواع التضليل والتجهيل وجعلت المطالبة بتلك الحقوق، نكرانٌ وعُقوق، فقُمعت الانتفاضه بكل الأساليب الوحشية التي تأنف عنها حتى الوحوش الضواري، فكان نصيب الرجال الاعتقال أو القتل، ونصيب النساء الذل أو الاغتصاب، فهل بعد ذلك يحق لأحد أن يُطيل العتب فضلًا أن يتهم أهل السنة بعدم الخروج.

ولا يمكن لمقالٍ أن يختصر ظلامات أهل، ولكن يمكنني القول إن عدم مشاركة أهل السنة في المظاهرات هي من مصلحة العراقيين بجميع أطيافهم، ذلك أن دخولهم إلى ميادين التظاهر سيمنح الحكومة أو النظام القائم بعد 2003 حجة قوية لاستخدام القوة المفرطة وبشكل صريح، وحينها لن يبالي النظام بوجود الأكثرية الشيعية المشاركة في المظاهرات، بل إنها ستسحق الجميع، والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن تلك القوة والقدرة متوفرة لدى الحكومة، فهنالك أكثر من 45 فصيلًا مسلحًا مستعدًا أن يقضي على تلك المظاهرات في ساعات معدودة، وباشتراك أهل السنة ستكون كافة المبررات لقمع المظاهرات جاهزة، بل ستفُعّل حينها «مادة 4 إرهاب» الخاصة بأهل السنة على الجميع بما فيهم الشيعة، فأما أهل السنة فهم بلا شك في نظر تلك الحكومة «دواعش» أو تكفيريون، وأما الشيعة المتظاهرون فهم بلا شك بعثيون أو عُملاء لأمريكا أو إسرائيل، ومن المبررات التي يُتيحها لهم دخول أهل السنة على خط المظاهرات هو الادعاء بأن تلك المظاهرات سوف تقضي على الشعائر والطقوس الحسينية، ومن خلال تلك التحريضات قد يحرفون الرأي العام المؤيد للمتظاهرين فينكشف عنهم غطاء الدعم الجماهيري فيسهل على الحكومة ضربهم بعد تهيئة الأجواء لذلك.

ولو نظرنا إلى المشاركين في تلك المظاهرات لوجدنا أن السواد الأعظم منهم دون العشرين سنة، أي من الذين لم يتدنسوا بعُقد المظلومية وعُقد الطائفية، في حين أن الأكثرية وهم أولئك الذين يعانون من تلك العُقد ويعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن زوال هذا النظام يعني زوال الحرية الاعتقادية والدينية، وأنه بزوال هذا النظام فلن يُسمح بممارسة الشعائر الدينية الشيعية، وبالتالي كسب أكثرية غير راضية عن تلك المظاهرات باعتبار أنها ستعود بالبلاد إلى الدولة المدنية لا الدولة الطائفية، والفرق بين الدولة المدنية والطائفية هو أنه في الدولة المدنية يقدم مبدأ المواطنة على كل المبادئ، فلا يعرف الفرد بمهنته ولا بدينه ولا باقليمه ولا بماله ولا بسلطته، وإنما يعرف اجتماعيًا بأنه – مواطن – وبذلك لا يمكن أن تنتهك حقوق الفرد من قبل حزب أو طائفة، كما هو حاصل اليوم في عراق الطوائف، والدولة المدنية هي الدولة التي لا تخلط الدين بالسياسة، وهي في ذات الوقت لا تعادي الدين ولا ترفضه.

أما الدولة الطائفية أو الدينية فباسمها سُرق العراق وأمسى ماله دولًا بين أشخاص معدودين، وهذا هو ما صرحت وصدحت به شعارات المتظاهرين، وهؤلاء الطائفيون أكثر من المتظاهرين الذين خرجوا عن قلب موجوع وضمير يشعر، وإن بدا في الإعلام أن المظاهرات تغزو الوسط والجنوب؛ لأن قسمًا كبيرًا من هؤلاء المتظاهرين لم يتخلوا عن طائفيتهم، بل سايروا وشاركوا المتظاهرين ابتداءً لعدة أسباب منها:

السطوة الإعلامية من خلال وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي.

طغيان الفساد الحكومي.

تعدد الأحزاب الذي شتت القرار الحكومي ونهبت ثروة البلاد.

الجهل بمناهج الحكم الرشيدة.

إن هؤلاء الطائفيين المسايرين للمظاهرات يرجون انتهاء تلك المظاهرات في أقرب وقت، لأنها تُشكل لهم صُداعًا مزمنًا، بالرغم من قناعتهم التامة بأن هؤلاء المتظاهرين سيرجعون بخفي حُنين، ذلك أن كل شريحة من هؤلاء المتمظهرين يخشى على مصلحته الخاصة، والتي لا يضمنها إلا بقاء النظام، فرجال الدين مثلًا لا ضمان لمكانتهم إلا ببقاء النظام، ورجال السياسة لا رواج لسلعتهم إلا ببقاء النظام، وحتى السيستاني الذي حمُل بيانه الأخير أكثر مما يحتمل فقد زعم أنه مع المتظاهرين مع أن البيان لم يكن صريحًا في ذلك؛ فقد كان البيان ضبابيًا مع الشعب والحكومة في آن واحد.

ومما يشير إلى أن موقف السيستاني مع الحكومة أنه لم يصدر بيانًا صريحًا يحمل الجماهير أو يدعوها لاقتلاع تلك الحكومة كما كان صريحًا في فتواه بعدم جواز مقاتلة المحتل الامريكي إبان دخوله العراق سنة 2003، ثم فتواه المشهورة بالجهاد الكفائي.. والذي يدل على قدرة السيستاني على الإطاحة بهذه الحكومة هو انصياع سواد الشيعة الأعظم له، وخاصة فصائل الحشد الشعبي، وإني لأعتقد جازمًا أنه لو بيّت النية مع فصائل الحشد على اقتلاع تلك الحكومة لما أصبح عليها صُبح.

أما مقتدى الصدر فهو رجل منافق قد خذل المتظاهرين مرات عدة، وكان في كل مرة ينهي تلك المظاهرات بصفقة يكون فيها هو الرابح الوحيد، وهذا هو السر في منع المتظاهرين من دخوله أو اشتراكه في المظاهرات الأخيرة.

وأما الطائفيون والذين يشكلون العامة من الناس فهم يخشون على زوال تلك الطقوس والشعائر على اعتبار أنها خلاصة الدين، وهم يعتقدون أن لا بقاء لتلك الشعائر بزوال النظام، والحقيقة أن هذه الشعائر، أو تلك الطقوس تشكل مثلثًا سحريًا من دخله لا يمكنهُ الخروج منهُ، فأول أضلاع ذلك المثلث: التجارة الرابحة. وثاني أضلاعها: السمعة والجاه. وثالث أضلاعها: ضمان الآخرة. وذلك حسب تلك الروايات المستفيضة.

إن الحد الفاصل بين هؤلاء المتظاهرين والطائفيين هو أن المتظاهرين يريدون أن يغيروا منهج الحكم متنازلين عن المطالب الخدمية الآنية حتى حين، في حين أن هؤلاء الطائفيين حريصون كل الحرص على منهج الحكم، وهم مستعدون للتضحية في سبيله، في حين أن حرصهم على نيل حقوقهم ليس بتلك الدرجة التي تجعلهم يضحون من أجل الحصول عليها، وهذا الأمر الأخير هو الذي جمع الطائفيين مع هؤلاء المتظاهرين في بعض الأوقات، وإذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، ولم تنظر أمريكا بعين الرضا إلى هؤلاء المتظاهرين، ثم ترفدهم بدعمها، وتصدر ذلك صريحًا، فإن مآل تلك المظاهرات إلى خسران، وجمرة تكوي القلوب التي في الصدور؛ لأن هؤلاء المتظاهرين لا يملكون من السند والدعم غير تلك الصدور العارية، أما الحكومة فهي تملك هؤلاء المتمظهرين أولًا، ثم مليشيا الحشد، والتي تُقدر بأكثر من 45 فصيلًا، ثم من وراء هؤلاء أمريكا وإيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد