من الطبيعي أن تتطور المجتمعات عندما تفتش عن حلول لمشكلاتها اليومية، ومن الطبيعي أيضًا أن تقوى المجتمعات عندما يتشارك جميع أبنائها في تبني هذه الحلول وتطبيقها.

نظرًا لما تتمتع به الدراجة الهوائية من مميزات وآثار إيجابية على الصحة والبيئة والمجتمع فقد حظيت باهتمام المجتمعات المتقدمة، لدرجة أن الفرنسيين يسمونها بالملكة الصغيرة La petite reine ( باللغة المحكية)، ولذلك ليس غريبًا أن نرى  إقبالهم الشديد عليها، ففي الصين مثلًا يوجد حوالي 30 مليون طالب يستخدمون الدراجات الهوائية داخل الحرم الجامعي بشكل يومي[1].

حاولت تلك الدول تنظيم هذه الظاهرة، ولا زالت تبذل جهدها للحد من الآثار السلبية التي قد تنجم عنها، فعمدت إلى تخصيص مواقف رسمية لأصحاب الدراجات، كما تم وضع مسارات خاصة بهم على الطرقات.

ولقد أدى انتشار ظاهرة “الدراجة الهوائية الشخصية” ومرافقها المساعدة إلى ظهور عدة مشاكل من أهمها: الخوف من السرقة، المشي لمسافات قد تكون طويلة للوصول إلى موقف الدراجة هذا في حال توفر مكان شاغر، بالإضافة إلى الإزعاج المرافق لعملية البحث عن دراجتك بين مئات الدراجات.

لذلك بدأت تظهر أفكار كثيرة مبتكرة للحد قدر الإمكان من تلك السلبيات، تدور معظم تلك الأفكار حول مبدأ ” المشاركة” بحيث يتم زيادة عدد المستفيدين من الدراجة الواحدة بدلاً من أن يكون لكل شخص دراجته الخاصة.

ولد مشروع ” الدراجات ذاتية الخدمة” Vélos en libre-service في أمستردام عام 1965 حيث وضعت دراجات بيضاء في الطرقات للاستخدام المجاني.

بعد 9 سنوات قدمت مدينة لاروشيه الفرنسية – المشهورة بسعيها الدائم للحفاظ على الصحة والبيئة والتراث – 350 دراجة صفراء موزعة على 3 محطات يتم تأجيرها للمواطنين والسياح.

في عام 2000 م أطلقت مدينة ميونخ في ألمانيا خدمة تأمين دراجة عبر الهاتف.

خلال تلك الفترة تطور مفهوم ”المشاركة” لينتقل من مرحلة المشاركة في المنفعة إلى المشاركة في تحمل المسؤولية والنفقات، وظهرت خدمة يتقاسم فيها مجموعة من الناس ركوب دراجات لقضاء أمورهم، كما يقومون بالاشتراك في شراء ودفع تكاليف الصيانة والحماية والموقف معًا.

في عام 2005 طرحت شركة فرنسية في مدينة ليون مشروع Vélo’v والذي يقوم على نشر 4000 دراجة صفراء في 300 محطة، حيث يمكنك الحصول على دراجة من خلال شراء بطاقة مسبقة الدفع مرتبطة ببطاقة الائتمان ليتم الاحتفاظ بمبلغ 150 € في حال عدم إرجاع الدراجة في غضون 24 ساعة، أو في حال حدوث عطب كبير فيها بسبب سوء الاستخدام.

خلال عامي 2007-2017 تم تخديم مدينة باريس بنظام Vélib وهي كلمة مختصرة من كلمتين: Vélo وتعني دراجة، وliberté وتعني حرية، وقد وصل عدد الدرجات التابعة لهذا النظام إلى 17 ألف دراجة موزعة في 1230 محطة يستعملها حوالي 86 ألف راكب يوميًا، وقد استخدمت تلك الدراجات في 119 مليون رحلة بين عامي 2007 و2011.

يتطلب هذا النظام تخصيص مواقف على أرصفة مدينة باريس الضيقة، بالإضافة إلى تركيب عدادات وملحقات بجانب كل محطة للدراجات، الأمر الذي جعل عائدات مشاريع ”دراجات الخدمة الذاتية” غالبًا لا تغطي نفقاتها إلا بدعم من جهات أخرى، فبات الموضوع يتطلب حلًّا جديدًا.

نشرت صحيفة L’Obs الفرنسية مقالًا[2] يتحدث عن فكرة مبتكرة ستغزو باريس مع بداية عام 2018 على يد شركة Ofo الصينية، والتي ستقدم تطبيقًا يتم تحميله على الهواتف الذكية يشبه إلى حد ما تطبيق أوبر Uber لسيارات الأجرة.

جاء في المقال:

( لم تعد بحاجة لمعرفة هل مازال هناك أماكن في محطة الدراجات، ولا حتى للجري مسرعًا لمدة تزيد أحيانًا على 10 دقائق للعثور على مكان … يكفي أن يكون لديك هاتف ذكي، وأن تشغّل تطبيقًا خاصًا.

على خريطة المنطقة التي توجد فيها، ستظهر لك إشارات عند الدراجات المتاحة والقريبة منك.

اتجه نحو الدراجة الأقرب، اضغط على الهاتف الذكي بلحظة يفتح لك نظام “ضد السرقة”.

لا يتطلب الموضوع أي اشتراك مسبق).

يلخص لنا الفيديو التعريفي[3] فكرة المشروع بعبارة: شارك بدراجة واحدة وتمكن من استعمال كل الدراجات.

You share one and get access to all

بدأ أصحاب شركة Ofo رحلتهم قبل 3 سنوات حيث كانوا طلابًا في بكين، وقاموا بإطلاق الدراجات في الحرم الجامعي الواسع لتسهيل الحركة، وبسرعة استطاعوا الخروج من الحرم الجامعي، لتنمو فكرتهم بسرعة لا تصدق حيث تمكنوا حتى اليوم من الانتشار في 180 مدينة.

بصور وأشكال مختلفة تنتشر فكرة ” الدراجة ذاتية الخدمة ” في 32 دولة أجنبية + دولة عربية واحدة وهي المغرب.

أعتقد أن الفكرة ملائمة جدًا لمجتمعاتنا، لا سيما لو تمكنا من إيجاد صيغة مناسبة لها حسب ظروف كل بلد، ليتم بعد ذلك تجريبها في نطاق ضيق ثم تعميمها بشكل أوسع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد