يحلو للبعض التأكيد دومًا على ما يسمونه «بالخصوصية»، ويرون خصوصية هذا المجتمع في طائفيته، حتى صار عندهم حتى مجرد اللجوء للتحليل الطبقي متهمًا بالجمود العقائدي… لقد مات ماركس ولم يبق للمولع بـ«الخصوصية» سوى الترحم عليه.[1]

يعلق مهدي عامل على كل الفكرة التي سادت النصف الثاني من القرن العشرين، ولا زالت مستمرة إلى اليوم، والتي تقول إن المجتمع اللبناني، والعربي عمومًا، ولا سيما المشارقة، يحملون الخصوصية الطائفية، وينبغي التعاطي معه بناءً على هذه الخصوصية. ويمكن التوسع في تحليل مهدي عامل للقضية الطائفية في مظانها ولا سيما كتابه، مدخل إلى نقد الفكر الطائفي.

كما أضيف إلى مهدي عامل أن الاستقطاب الطائفي لم يكن له مكان في التاريخ العربي، قبل فرض النمط الآسيوي للإنتاج الذي جاء به السلاجقة، وكرسه العثمانيون في ما بعد. وكان العرب قد ابتكروا نمطهم الإقطاعي الخاص المتقدم آنذاك على الأنماط الآسيوية والأوروبية، الأمر الذي أهلهم لقيادة حالة ازدهار غير مسبوقة، إبان عهود الأسرة الأموية ثم العباسية الأولى منها والوسطى. حتى انهارت الحضارة العربية وتفككت مقوماتها العلمية والفلسفية وحواملها اللغوية والأدبية. وكان لزامًا أن يفشل العثمانيون في ولوج العصر الرأسمالي.

الطائفية السياسية في لبنان خلال العهد العثماني

وفي النموذج اللبناني، كانت قد تبلورت الطائفية المجتمعية تحت الحكم العثماني، وتقنون مع نظام القائمقامية السلطنة بعد انسحاب الجيش المصري من لبنان، بعد تحالف عسكري ضم العثمانيين، وفرنسا، وبريطانيا، وروسيا، عام 1840 «إذ يمكن اعتبار هذه الفترة، بداية الاستعباد الاستعماري والاقتصادي للدول العربية»[2]، وأنهت الإصلاحات المصرية ضد الإقطاع العثماني، وحدت من صلاحيات الإقطاع لأقصى حد. إذ كانت السلطة تعتمد على الأمير بشير الشهابي الثاني، وكان «درزيًّا» مما ولد شعورًا بالنقمة لدى «المسحيين» والفلاحين «الدروز»، ومع تحالفه مع المصريين تحسنت الأوضاع الاقتصادية للفلاحين من كلتا الطائفتين. وما إن انتصر الحلفاء حتى عادت النقمة الطائفية من جديد. فعملت السلطنة العثمانية على تقسيم جبل لبنان، إلى قائم مقاميتين إحداهما «درزية» والأخرى «مسيحية»، في 1 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1842، وكانت الخطوة الفعلية الأولى للطائفية السياسية. وتحوير الصراع الطبقي بين الفلاحين والإقطاعيين إلى صراع ديني، وترسخه إداريًّا.

الإجراءات الإدارية الجديدة، لم تحل المشكلة بل زادت الطين بلة، وزاد تعقيد الأحقاد الدينية، تدخل القوى العالمية ودعمها لأطراف النزاع، حتى صيف 1859 اشتعلت حرب أهلية في جبل لبنان، وامتدت إلى دمشق وراح ضحيتها 12 ألفًا، بالإضافة إلى انهيار صناعة الصلب والحديد الدمشقية. وحلت الخلافات بعد تدخل دولي، وتشكيل لجنة دولية، أقرت جعل لبنان متصرفية. والكلمة فرنسية «Plénipotentiaire» وترجمت متصرفية جبل لبنان إلى العربية، ومنها «Cebel-i Lübnan Mutasarrıflığı» إلى التركية. الذي أقر نوع من الحكم الذاتي لجبل لبنان، تحكمه لجنة مؤلفة من طوائف الجبل. وتجدر الإشارة إلى أننا حتى الآن نتحدث عن جبل لبنان «لبنان الصغير» وليس لبنان الحالي الذي كان يعد جزءًا من سوريا الكبرى[3].

الاستعمار الفرنسي يكرس الطائفية

واستمر نظام المتصرفية حتى مع دخول الاستعمار الفرنسي، تحن مسمى الانتداب، وتوسع حدوده، وخلق لبنان الكبير سنة 1920، مما أدى لتعقيد الأزمة الطائفية أكثر[4]. إلى أن قسم الجنرال الفرنسي غورو لبنان الكبير إلى أربع متصرفيات: متصرفية جبل لبنان، ومتصرفية لبنان الشمالي، ومتصرفية لبنان الجنوبي، ومتصرفية البقاع، وأضاف مدينتين ذات امتياز وهما: بيروت، وطرابلس. ويحكمه مجلس تمثيلي من 15 عضوًا يعينهم الاحتلال. وأخرجت الشركات الفرنسية من الرقابة وتأسس البنك اللبناني السوري على أنقاض البنك العثماني، وأعطي صلاحيات كبيرة. وبالتالي أضاف الفرنسيون أعمالًا مصرفية فرنسية إلى عالم الاقتصاد اللبناني، كما أن المتصرفيات الجديدة كانت ذات أغلبية «مسلمة» بشقيها؛ مما زاد النزاع الطائفي التهابًا، إذ اعترض «المسلمون» على ضمهم إلى لبنان الكبير، ووجدوا فيها طعنة للوحدة السورية. كما تعرض الإقطاعيون إلى ضربة قاسية، مع إدخال لبنان إلى العالم الرأسمالي وخسارتهم السلطة الإقطاعية، التي منحتها لهم في العهد العثماني، ومنذ ذاك الوقت تبلورت فكرة الإسلام السياسي، وتبلورت الأفكار الأولى لجماعة الإخوان المسلمين، التي ستجد في مصر مكانًا مناسبًا لنموها، ولا سيما بعد هجرة الشيخ محمد رضا إلى مصر، وكان التحالف الإقطاعي العثماني السابق، مع رجال الدين، خلفية أيديولوجية لنشوء الحركات الإسلامية المعاصرة، بمختلف تياراتها من أقصى اليمين المتشدد إلى الليبرالي المنسجم مع الرأسمالية وشروطها.

كرس الاحتلال الفرنسي الطائفية مع الدستور الأول للجمهورية اللبنانية 23 مايو (أيار) 1926، المستند على نص الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، الذي نص على مراعاة المصالح الدينية. الذي أقر بأن الفرنسية لغة رسمية إلى جانب العربية! كما جاء في المادة 95 «عملًا بصك الانتداب والتماسًا للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارات، دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة»، وأي عدل هذا! كما منحت المادة 9 الطوائف صلاحيات تشريعية وقضائية وإدارية. وألغي العمل بالدستور إبان الحرب العالمية الثانية، وأعيد العمل به بعد سنوات إثر انتفاضة شعبية عام 1943، جمعت اللبنانيين على كلمة واحدة ضد حكومة الجنرال ديغول.

الحكومات الكولنيالية تعزز موقفها الطائفي 

ورغم مناداة رئيس الوزراء اللبناني الأول بعد الاستقلال، رياض الصلح، بضرورة إلغاء الطائفية السياسية، إلا أنه لم يتحقق، فالحكومة الجديدة لا زالت تفكر بعقلية الاحتلال، بل تعززت الطائفية ولكن الرئيس اللبناني الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، كان يرى أن الطائفية هي حجر الزاوية الذي تأسست عليه الجمهورية، ورغم إصلاحات الرئيس الثاني فؤاد شهاب، إلا أنها لم تخرج عن النظام الطائفي، بل كرسها بتقسيم بيروت إلى دائرتين انتخابيتين: شرقية، وغربية على أسس طائفية.

واستمر العمل بالدستور الفرنسي حتى مع الإعلان الدستوري الذي أطلقه رئيس الجمهورية سليمان فرجية عام 1976، الذي أكد عرف توزيع المناصب على الطوائف. أي بعد عام من اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، بعد وصول النظام الطائفي إلى حالة استعصاء، وزادت الهوة الطبقية فتحركت الجموع الشعبية في مواجهة الطبقة السياسية وزعماء الطوائف؛ فتبلورت الحركة الوطنية اللبنانية عام 1969، وانطلقت عام 1970. التي تشكلت من الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، والحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي، وحزب البعث بشقيه الموالي لسوريا والموالي للعراق، والحزب القومي السوري الاجتماعي، بالإضافة إلى القوميين العرب متمثلين بحركة الناصريين المستقلين، والتنظيم الشعبي الناصري. وانضمت إليها قوى الثورة الفلسطينية متمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وضمن حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية، وتنظيمات يسارية أخرى. ليخرج حزب البعث في ما بعد إثر اختيار النظام السوري التحالف مع اليمين لبناني في مواجهة اليسار اللبناني الفلسطيني.

طائفية ما بعد الطائف

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1995، والتي أسفرت عن 150 ألف ضحية. بعد اتفاقية الطائف، وبرعاية دولية وغطاء سعودي تم توقيع الاتفاقية 1989 في مدينة الطائف السعودية، التي نصت على إنهاء النظام الطائفي الذي نص عليه البند «ز» من الإصلاحات السياسية. إلا أنها نصت على تقاسم البرلمان مناصفة بين «المسيحيين» و«المسلمين». كما نصت على استحداث مجلس الشيوخ، دون تحديد صلاحياته. واعتبار كل محافظة دائرة انتخابية. كما نص البند الأول من فقرة «بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية» على إعلان حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. إلا أن الاتفاق أوقف الحرب بضغط دولي وتدخل عسكري سوري، كما نص الاتفاق على تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بعد إحلالها له إبان الحرب. ولم تطبق مقررات اتفاق الطائف إلا تطبيقًا جزئيًّا وبسيطًا للغاية، بينما استمر العمل بدستور الاحتلال الفرنسي، مع جملة التعديلات التي طرأت عليه عبر تاريخه، واستقر عرف المحاصصة الطائفية ولم تحل كافة الميليشيات، وكل ما أنجزته الطائف حل اليسار اللبناني، وطرد قوى الثورة الفلسطينية، وأظهرت القوى الإسلامية المدعومة من إيران المتمثلة بحركة أمل وحزب الله المنشق عنها، والتيارات المدعومة سعوديًّا، لتحول لبنان إلى ساحة صراع جديدة إيراني- سعودي. وتحاصصت الطوائف المناصب العامة، وأعادت ارتباطاتها بالدول الداعمة، عدا بنك لبنان، فقد بقي حصة أمريكية خالصة. وبتعبير آخر فقد ولد اتفاق الطائف ميتًا.

استطاع حزب الله تحرير جنوب لبنان عام 2000، ودحر الاحتلال الإسرائيلي، وجاءت أزمة اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري لتشعل أزمة سياسية أخرى، وتسفر عن خروج الجيش السوري من لبنان بقرار دولي، وعودة العدوان الإسرائيلي ونشوب حرب 2006. ورغم عجز العدو الإسرائيلي ومن ورائه دعم سعودي عن تصفية حزب الله والنفوذ الإيراني، فإن الأزمة السياسية تعقدت، وكادت أن تفضي إلى حرب أهلية ثانية؛ فجاء اتفاق الدوحة 2008 الذي نص على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإقرار القانون الانتخابي 1960، أو ما يسمى بقانون الستين في تقسيم الدوائر الانتخابية، وإعادة تقسيم بيروت إلى ثلاث دوائر على أسس طائفية بطبيعة الحال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- مهدي عامل، مدخل إلى نقد الفكر الطائفي، ط3 (بيروت، دار الفارابي، 1989) ص 287.
3- Thomas collelo, Lebanon country study, ed3th(1989, library of congress cataloguing-in- publication data, use) 264
4- علي عبد فتوني، تاريخ لبنان الطائفي، ط1(بيروت، دار الفارابي، 2013) ص 69
عرض التعليقات
تحميل المزيد