في الفترة الأخيرة؛ توالت الأنباء عن احتمالية حدوث تقارب بين كل من المملكة العربية السعودية وإيران، وخاصة بعد أن قام وزير الخارجية العراقي «إبراهيم الجعفري» في 14من يونيو(كانون الثاني) عام2017، بالكشف عن أنه قد قام بنقل رسائل تفيد أن المملكة وطهران يسعون إلى العمل على تخفيف حدة التوتر بينهم، وقد زاد من احتمالية حدوث هذه التقارب، ما قام به وزير الداخلية العراقي «خالد الأعرجي» الذي أعلن يوم 13أغسطس(آب) 2017 خلال مؤتمر صحفي في طهران مع نظيره الإيراني «عبد الرضا رحماني فضلي»، أن السعودية طلبت من العراق رسميًا «التوسط لتخفيف التوتر بين الرياض وطهران، مؤكدًا أن إيران تلقت هذا الطلب بشكل إيجابي، وأن السعودية وعدت بالتجاوب مع الشروط الإيرانية، الأمر الذي تم نفيه لاحقًا من قبل الطرفين».

على هذا النحو؛ كان لا بد أن يتم البحث حول دلالات هذا التقارب المفاجئ وأسباب قيام العراق بإعلان وجود وساطة لتهدئة الخلاف بين البلدين، والسبب وراء طلب السعودية من رئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي» أن يتوسط لحل الخلاف السعودي مع طهران، وهل حقًا المملكة على استعداد للتقارب مع طهران أم أن هذه مجرد شائعات كالتي تظهر بين الحين والآخر أم للأمر مالآت أخرى؟، وهل من الممكن أن يحدث هذا التقارب في المستقبل القريب، خاصة في ظل وجود ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان»؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، سوف يتم إلقاء نظرة على العلاقات السعودية الإيرانية، وكيف وصلت إلى هذا الحد من التوتر، الأمر الذي ترى فيه السعودية بل وكل دول الخليج أن إيران هي البعبع الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة.

الأزمة التي أشعلت العلاقات بين السعودية وإيران

منذ عام 2016 والعلاقات بين البلدين تشهد أزمة حادة؛ وذلك عقب إعلان الرياض قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران؛ على خلفية الاعتداءات التي تعرّضت لها سفارتها بطهران، وقنصليتها بمدينة مشهد، شمالي إيران، وذلك في إطار قيام مظاهرات غاضبة في إيران احتجاجا على إعدام السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر، كما يخيّم التوتر على العلاقات بين البلدين بسبب عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي الإيراني، الذي ترى الرياض أنه يهدد أمن المنطقة، وكذلك الملفان اليمني والسوري، وفي كل مناسبة يشن بعض المسئولين السعوديين هجمات إعلامية على طهران.

السعودية تغير لهجتها مع إيران.. فما السبب؟

خلال الفترة الماضية، شهدت العلاقات السعودية العراقية تطورات جديدة، خاصة بعد أن توافد مسؤولون عراقيون وزعماء شيعة مقربون من إيران إلى الرياض كمقتدى الصدر الذي يقود مليشيا متهمة بانتهاكات، هدَّأت وتيرة تلك الهجمات الكلامية السعودية على طهران.

بيد أن بعض المراقبين، قد ذكروا أن أحد أهم أسباب تغير اللهجة السعودية مع إيران، يعود إلى رغبتها في سحب التهمة التي ألقتها على قطر منذ اندلاع الأزمة الخليجية، حيث اتهمت المملكة ودول المقاطعة الأخرى قطر بالتقرب من إيران على حساب العلاقات معهم، وكان أحد المطالب الـ 13 لإنهاء الأزمة هو قطع العلاقات مع طهران. ومن جهة أخرى قد أوضح «جهاد الخازن» أن إيران إذا اضطرت للاختيار بين علاقات جيدة مع قطر أو السعودية، فهي تفضل أن تكون العلاقات جيدة مع البلدين، أما إذا اضطرت إلى اختيار بلد واحد فهي حتمًا ستختار السعودية التي تزيد على قطر أضعافًا في عدد السكان ومساحة الأرض والقدرات.

دلالات التقارب السعودي الإيراني

أوضحت عدد من الوسائل الإعلامية أن هناك أدلة تزيد من احتمالية حدوث تقارب سعودي إيراني، متمثلة في الرسائل الإلكترونية المسربة بين خبراء الأمن القومي الأمريكيين والسفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة «يوسف العتيبة» دليلًا على هذا التقارب، حيث أشارت هذه الرسائل إلى استعداد ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» لانتشال المملكة من الحرب في اليمن وكذلك ترك الولايات المتحدة مستمرة في تداخلها مع طهران طالما يتم التنسيق لهذا التداخل مع السعودية.

ومن الملاحظ أيضًا أن الانتقادات السعودية لإيران قد تراجعت في الفترة الماضية، كما أن السلطات السعودية سمحت للحجاج الإيرانيين بزيارة المواقع الشيعية المقدسة في المملكة، وهذه التحركات تشير إلى تغير التكتيكات السعودية والسياسة الخارجية فيما يتعلق بإيران.

وفي الخامس من سبتمبر (أيلول) الجاري، قد أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية «بهرام قاسمي» أن بلاده قد منحت تأشيرات دخول لوفد دبلوماسي سعودي لزيارتها، وأن «الوفد السعودي سيزور طهران، ويتوقع وصوله بعد انتهاء مراسم الحج، لتفقد المقرات الدبلوماسية السعودية، مؤكدًا أن إيران والسعودية اتفقتا على زيارات متبادلة لوفدين، أحدهما سعودي والآخر إيراني، لتفقد مقرات البعثات الدبلوماسية في الرياض وطهران، كما كشف قاسمي أن تأشيرات الدخول للوفد السعودي صدرت منذ فترة، لكنها لأسباب تتعلق بهم لم تتم هذه الزيارة، ويتوقع إجراؤها بعد انتهاء مراسم الحج.

كلمة السر وراء هذا التقارب

المتابع لسياسة السعودية في الوقت الراهن، يعلم أن ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» هو المتحكم في زمام الأمور في المملكة، حيث يعمل «بن سلمان» على إجراء عدد من التغيرات السياسية الخارجية للمملكة، ومن أهم هذه التغيرات التقارب السعودي مع إيران، لذلك يمكن القول إن «كلمة السر» تكمن في شخصية واحدة تدير شؤون المملكة وهي «محمد بن سلمان» ولي العهد، خاصة أن تصريح وزير الداخلية العراقي «قاسم الأعرجي» عن الوساطة، قد جاء بعد زياراته للرياض ولقائه بولي العهد السعودي، فالسؤال الآن هو ما السبب الذي يدفع بن سلمان لإجراء هذا التغير؟

بداية، يمكن الإشارة إلى أن السبب وراء هذا التغيير لا سيما من قبل ولي العهد الذي أبدى استعداده لتنفيذ سياسة خارجية عدوانية؛ يكمن في فشل حرب اليمن، وعدم وجود آلية ممكنة للانسحاب منها، وفشل سياسة السعودية الرامية إلى زعزعة استقرار النظام السوري بقيادة بشار الأسد، إلى جانب إلحاق روسيا الهزيمة بالولايات المتحدة في سوريا، وأيضًا عدم وجود أي إنجاز يذكر في الأزمة الخليجية مع قطر.

من الواضح أيضًا أن محمد بن سلمان بدأ يتقبل حقيقة أن بلاده ليس لديها القدرة على التعامل عسكريًا مع طهران، وحتى أنها لن تكتسب هذه القدرة في وقت قريب، بالإضافة إلى أن قادة الجيش الأمريكي يحترزون من فتح جبهات قتالية جديدة، بل يحاولون العمل على إنهاء الحروب التي يقاتلون فيها منذ أعوام، مما ترك انطباعًا لدى بن سلمان بأن سياساته العدوانية بلا فائدة دون تقديم واشنطن الدعم الكامل لها.

«يتعين على إيران تغيير سياساتها إذا أرادت تقاربًا»  وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير»

كان هذا رد وزير الخارجية السعودي يوم 5 سبتمبر(أيلول) 2017 في سفارة السعودية في العاصمة البريطانية، واصفًا الحديث عن تقارب محتمل مع إيران من خلال تصريح وزير الخارجية الإيراني «ظريف» بالأمر المضحك، مشيرا إلى أن «الاتصالات الدبلوماسية بين البلدين كانت لإتمام ترتيبات الحج فقط، وأنه حين يتعلق الأمر بالحج فإن السعودية لا تحاول تسييسه لكن هذا لا يعني التطبيع»، مؤكًدا على أنه يتعين على إيران تغيير سياساتها واحترام القانون الدولي إذا أرادت علاقات طيبة مع المملكة، كما أن المملكة في الوقت الحالي لا ترى أن إيران جادة في رغبتها في حسن الجوار، وفي إطار النفي السعودي قد صدرت تصريحات من الرياض عبر وكالة الأنباء الرسمية السعودية، بأنها لم تطلب مثل تلك الوساطة، وأن موقفها المنتقد لإيران وسياستها في المنطقة لم يتغير.

العراق تعرض الوساطة والسعودية تتراجع

من خلال عرض هذه التطورات، يمكن القول أنه من الصعب القبول بأن تصريحات وزير الداخلية العراقي لا أساس لها، وذلك لأن الوزير العراقي قد تحدث عن الوساطة أمام وسائل الإعلام بثقة تبعه فيها الناطق باسم الخارجية الإيرانية، كما أن تلك الوساطة قد تساعد رئيس الوزراء العراقي وفريقه على تسجيل نقطة تفوق في السياسة الخارجية يضيفونها إلى ما يراه العبادي إنجازات حققها كان من أهمها هزيمة تنظيم «داعش»، واستعادة المدن العراقية التي كان التنظيم يسيطر عليها كالموصل وتلعفر.

لذلك؛ من الممكن أن يتم تفسير التراجع السعودي عن فكرة الوساطة العراقية، أن تكون فكرة الوساطة مجرد بالون اختبار متعدد الأهداف، حيث يختبر النوايا الإيرانية من فكرة المصالحة مع الرياض، ويختبر ردود أفعال القوى السياسية العراقية من تلك الفكرة.

في إطار ذلك، من الممكن القول أن العلاقات بين السعودية وإيران يواجهها أزمتين؛ الأولى دينية، حيث ترى المملكة أن طهران دولة شيعية، في الوقت الذي ترى فيه إيران أن الرياض دولة وهابية لا يخلو فكرها من التكفير، والثانية سياسية، وتتمثل في أن كلا الدولتين تريد أن تكون هي القوة المهيمنة الأولى على أوضاع المنطقة، مما يجعل العلاقة بينهم متأزمة، ولكن في ظل عدم ثبات عدد من الأوامر في السياسية، يمكن استنتاج أن العلاقات بين البلدين قد تعود في أي وقت، خاصة بسبب التورط السعودي في اليمن، حيث قد تعمل المملكة على طلب يد العون من إيران لتخلصها من ذلك، وهذا الأمر ليس مستبعدًا، كما أن المملكة في ظل محمد بن سلمان تشهد عددًا من المتغيرات الطارئة التي لم نشاهدها قبل ذلك، وهو الأمر الذي يجعل عودة العلاقات بين البلدين أمرًا ممكن حدوثه، ولكنه قد يأخذ مزيدًا من الوقت، كما أنه قد لا يكون في العلن حتى لا تهتز صورة المملكة أمام دول الخليج.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد